عطب السلطة… وعطب مناهضيها / نهلة الشهال

أمرٌ طبيعي أن تُدان الانتخابات الرئاسية السورية بوصفها تجسيداً لرفض الإقرار بالواقع من قبل سلطة نسجت روايتها عما يجري وصدّقتها، وتريد فرضها على رغم المعطيات العنيدة. ولا يغير هذا الأمر إتقان النظام كل الاشتراطات التقنية لـ «العملية الديموقراطية»، المقزّمة إلى تصويت عام وانتخابات. ومن المدهش ألا يكون أمام معارضي النظام السوري من انتقاد هنا سوى الاستماتة في البرهان على «التزوير» في الذي جرى، بينما العطب الكبير في مكان آخر تماماً وليس في هذه التفاصيل، على رغم أنها مقززِّة، تحديداً لأنها تصطنع الحالة العادية والمهندمة في بلد غارق بدماء أبنائه وبؤسهم، وتقوم برسم انزياح كامل للمشهد.

كما لا يهم أن تكون تلك الحشود، النازحة إلى لبنان أو المتسابقة في دمشق على الصناديق التي مُدِّدت أوقات عملها، حقيقية أم مكرَهة. هذا النقاش يشبه في طبيعته ومحاجّته ممارسة النظام نفسها وهندسته للحالة التي تبغي اختصار الشرعية بهذه اللحظة مقطوعة عما حولها وعن سياقها.

الظاهرة إذاً مقلقة جداً بما يخص الطرفين، السلطة ومعارضاتها. وبخصوص الأخيرة بداية، ما ينكشف في هذا القصور هو مبلغ هزال المعارضات بسبب عجزها المديد عن بلورة بدائل للنظام، والاكتفاء بمقاتلته على أرضيته، وباتباع منطقه وأدواته، العنفية أو المذهبية، أو تلك الملاحِقة لما يقول ويفعل، وهو ما لا يؤدي لغير تسجيل ردود فعل يُفترض انها تفضح كذب النظام وافتراءه علاوة على اجرامه… من دون مزيد.

لكن ذلك وحده لا يكفي لتحقيق التغيير. والأمر الآخر المهم، والمغيّب تماماً، هو أن هذا التغيير، على رغم مشروعية الأمل به، قد يكون اليوم مستعصياً بسبب مجرى الاستقطاب الذي استقر في سورية وبخصوصها، والذي حوّل المعركة فيها الى صدام عالمي وإقليمي. هذا علاوة على الصعوبة الأصلية الفائقة في تحقيق التغيير حتى في ظل ظروف عامة محيطة مختلفة، بسبب طبيعة النظام من جهة (لا تُختصر باستعداده للعنف غير المحدود)، وبسبب اختلالات عميقة تخص تكوين المعارضة وتعود الى جملة معطيات، بنيوية وتاريخية… وهو ما لا يبدو أن المعارضة بكل أجنحتها تعيه، بما فيها الأكثر ذكاء وانفتاحاً على العالم، حيث ما زالت خطاباتها تتجه إلى إنكار هذا العجز عوضاً عن البحث في عناصره، ولا تبدي أي استعداد لمراجعة من أي نوع، إذ تظنها مساوية للتسليم للنظام بنصره. المدنية الديموقراطية التقدمية منها (وهي باتت الأضعف) تختار إما الالتحاق بالنظام كمعارضة رسمية، أو الإغراق في المبدئيات العمومية، بينما الإسلامية منها تمعِن في تحقيق الشبه مع النظام فتخوض معركة تعتبرها فاصلة بقوة الذراع، وبخطاب طائفي واستئصالي لا غبار عليه!

يؤشر هذا الإنكار المشترك (بين النظام والمعارضات) إلى الواقع العام وسياقه، إلى مبلغ استعصاء المرض الذي يلخصه المثل الشائع: «يا قاتل يا مقتول»، وهو يدور حول نتيجة واحدة أياً يكن المنتصِر، هي الدمار.

النظام يُسيِّر الأمور وفق منطق نابذ للتسويات، وبالأخص السياسية- السلطوية. وعلى رغم وجود فروق كبيرة بين اللحظتين، لعل العودة الى مثال ماض ومنجَز يمكنها كشف بعض السمات الراهنة: في سياق أزمة 1979-1982 التي عصفت بسورية وانتهت بتدمير حماة (وهي رغم هولها تمرين صغير على ما يدور الآن)، عقد الأسد الأب الذي كان يتميز بخاصيات لا يملكها الابن، صفقة مع أعيان دمشق وتجارها، واعداً بانتهاج خط أكثر ليبرالية في الاقتصاد، وبتخفيف أعباء تدخل الدولة ووطأتها، في مقابل ما اعتُبِر وقتها بقاء العاصمة على الحياد. وهكذا أمكن إطلاق يد السلطة لسحق ما سمي «مؤامرة الإخوان المسلمين»، وهو الحدث الذي كان بدأ في مكان آخر تماماً لا كبير صلة له بهذا التوصيف…عرض الأسد الأب معادلة أن تبقى السياسة (والسلطة) في يده مقابل تنازلات جدية في سائر الميادين. بعد ذلك بدأ التدحرج نحو «اقتصاد السوق الاجتماعي» كتسمية أنيقة مستندة الى نظريات عالمية جدية، كتمويه للتخلص من الاتجاه «الاشتراكي»، المشوّه والمعتل أصلاً، ولإدخال تدابير متلائمة مع الانفتاح على شروط السوق الرأسمالية العالمية.

تُوِّج هذا التوجه- الصفقة في تلك المرحلة الأولى بالقانون الرقم 10 لعام 1991 الذي يقال إن الرئيس السوري كان فاوض على تفاصيله قبل ذلك بعشر سنين، وبدأ بتطبيق بعض عناصره تدريجياً. لم يؤد «اقتصاد السوق الاجتماعي» إلى الرخاء المعمم، بما فيه تقليص القبضة الحديد للدولة في كل المجالات من دون امّحاء دورها (وفق ما يدعيه أصحاب النظرية الأصليون)، بل إلى توسيع منطوق الطبقة الفقيرة والمعدمة في مقابل بروز الثراء الفاحش للمقاولين والتجار… ومعظمهم جديد، إذ تجاوز الأسد الأب مَنْ لم يتمكن من التأقلم مع معادلاته من أعيان وتجار دمشق (وسواها من المدن)، وعزز نمو أثرياء جدد بعضهم القليل يستند إلى ارث إنتاجي عائلي، صناعي وتجاري، بينما معظمهم نهّابون أصلاء.

أوحى بشار الأسد لدى وصوله إلى السلطة بأنه سيتخلص من تحفظات أبيه حيال الجانب الاجتماعي والسياسي من الانفتاح، بمقدار ما سيسرّع التدابير الليبرالية الاقتصادية. قام بمحاولة خاطفة في المجال الأول (سميت «ربيع دمشق») واسترسل في الجانب الثاني إذ كان الطريق قد غدا ممهَّداً أمامه. ومع تنمية جماعته الخاصة من المستثمرين والمضاربين، ضاق ذرعاً بمطالب حلفائه العابرين وانتقاداتهم وطموحاتهم للمزيد، فأعدم التجربة. لكن سورية كانت قد تغيّرت جذرياً، ولعل أبرز تجسيد لهذا التغيّر العميق ما حل بحمص، المدينة الثالثة في البلاد التي كانت دوماً نقطة توازن بين القطبين، حلب ودمشق، علاوة على امتلاكها صلات وثيقة بالأرياف، مثلما كانت حماة قبلها. باختصار، فقدت المدينة قوامها الاقتصادي- الإنتاجي وباتت هجينة تماماً حتى لجهة تركيبتها الاجتماعية والمذهبية، وهو ربما ما دفع أحياءها المفقرة والتي استقبلت أعداداً غفيرة من نازحي الأرياف المحيطة والمعدمة، الى التمرد بالشكل الذي رأيناه في السنوات الثلاث الماضية.

الثمن الذي دفعه المجتمع السوري مهول. وما جرى ويجري ينزع شرعية أي نظام، وليست الانتخابات ما سيعيدها. لكن النقاش المغيّب لا يخص هذا، بل سؤال شروط التغيير، وبالتالي أدواته.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق