القماط والأكفان

الكتاب جملة من النصوص المدرجة ضمن رؤية تفاعلية جمالية ومعرفية مع العادي في سياق تأريخي يكتسي صبغة فردانية وهو الثورة وان ورد العنوان متضادا رمزا وصيغة فانه بالضرورة يشير إلى عين المؤلف التي خلصت إلى موقف تقييمي من مربكات الثورة التونسية التي سميت تارة قوى الردة وطورا الفئة المعطلة عن الانتماء إلى زمن ثوري يستمد شرعيته من واقع تغير بفعل قوة جمعية أجمعت على إزاحة ماضي سالب وبالأحرى إعادة ترتيب استحقاقات طال زمن المطالبة بها حتى استحال فعلا.

.
في ثلاثة وعشرين مقالا نجد الحدث وتداعياته الارتدادية. صورة بشرية لنظرية الأوتار الفائقة من خلال الكتابة في مجتمع يضج بالتأويلات وبالأحزاب وباختلاف الرؤى فما القماط وما الأكفان التي انبنى عليهما هذا النص المشطور إلى ردود تستنجد بالخرافة وبالصورة وبالأسطورة وبمعاول تحليلية تستقي من الأدب ومن الفن معا وليس اعتباطا أن يتمكن المؤلف من اختيار غلافه لوحة لرسامة إيرانية شابة (ميرال أصفهاني) في إحالة على الثورة الخضراء التي هبت هناك منذ سنوات دون أن تأتي أكلها إلا لماما.

في حادثة يتماثل فيها الواقع مع الخيال ينبري خطيب على الهواء مباشرة ليحمل كفنا بمثابة رسالة تهديد موجهة للخارجين عن قانون الجماعة من التونسيين وقد استعمل المؤلف في مقال “القماط والأكفان” ص89 إشارات تحاكي طقوسية الولادة مستنجدا بصورة الجدة /الأرض /الأم، وكأنّما ترديد لسطر شعري للشابي “هو الكون حيّ يحبّ الحياة ويحتقر الميت مهما كبر” وغير بعيد عن تصور الخطيب الغيبي هناك تفسيران يجترحان مفهوم الموت ونقيضه من خلال قطعة القماش البيضاء تلك.

يتفق ابن سيرين والنابلسي في تفسير رؤيا القماط على انه “تدل رؤيته على الولد للحامل وربما تدل على قهر العدو والقماط لا يحمد للآبق وللمسافر ولا المريض”، وفي تفسيرهما للكفن يقول كلاهما “كلما كان الكفن على الميت أقلّ فهو قريب إلى التوبة وما كان أكثر فهو إلى التوبة أبعد ومن رأى أنه يلبس كفنا فانه مال إلى الزنا”. جدلية الحياة والموت في صراع بين رهط القماط ورهط الأكفان فأمّا الأول فإنه مفرد وأما الثاني فهو جمع، وكأنّ الحياة قوة مكتفية بذاتها لا حاجة لها بالجمع وكان الجمع تكفين للفرد وانسحاق لصفته الأولى وهو أن يكون واحدا ووحيدا وكذا العقل في قوة براهينه التي تبطل التأويل وطمأنينة الجمع المستكين بمن ينوب عنه فكرا ويتوسل به فعلا وهنا يذكرنا المؤلف بحادثة صلاة الجماعة في ملعب لكرة القدم في مقال “الإسلام الكروي أو الخلاص في الملاعب الإخوانية” الكتاب ص 73.

وإن كان رهط القماط يرمز إلى عشاق الحياة أو مريدي الحياة الذين استلوا شعار الثورة من قصيدة الشابي الشاب فان الفئة الثانية نراها تؤجل الدنيوي لزمن متأخر أو الآخرة وكأنما تنشغل عن الحاضر بزمنين هما الماضي ومستقبل غائب ولكن رأس الجماعة كما يقول المؤلف في مقال “الغنوشي والربع التونسي الخالي” ص 45.

إنّ القاعدة الأساسية هي تحويل الكائن إلى ميت بين يدي غاسله ليتحول هذا الكائن إلى مسلم حقيقي بل هي أهمّ أركان حركة النهضة. ومن نافلة القول أن نذكر بحادثة قصر العبدلية وما حصل من حشد لتكفير الفنانين الذين يحاولون رؤية الحياة من منظار آخر و“الثقافة ليست الضرب على الأيدي بالمسطرة” كما تندر بذلك ألبير كامو في رده على تلجيم الفكر والكتابة والإبداع عموما .

تقول الدكتورة رجاء بن سلامة في سياق حديثها عن الجسد “يجب أن نصادر على أن لا أحد يملك جسد الإنسان، لا صاحبه ولا غيره لأنّه ليس شيئا مادّيّا يمتلك، ولأنّه خارج كلّ منطق امتلاك. ولذلك يمكن لصاحب الجسد أن يتبرّع بأعضائه ولكن لا يمكن له أن يتّجر بها كما يتّجر الإنسان بشيء يملكه. إنّه محسوس، ولكنّه لا يختزل في الحسّ، مادّيّ دون أن يكون مادّيّا، رغم أنّ ثقافة الحجاب والعراء تميل إلى جعله شيئا مادّيّا يمكن تغطيته أو تعريته بيسر”. .(1)

وانطلاقا من هذا التصور يمكننا فهم ثقافة تونسية حداثية قائمة على التنوير لا يشذ عنها كتاب القماط والأكفان الذي أشار إلى قضية “أمينة فيمن” باعتبار التعري إصرارا على اقتلاع الحق في الاختلاف دون السقوط في المأزق الأخلاقي المعياري الذي يدين أو يثمن الجسد العاري المستلب من كرامته الإنسانية.

ولعل من المقالات المحملة بكثافة دلالية مقال “مديح الجيش العالي” الذي يختزل موقفا كاملا من مدنية الدولة وحيادية السلطة التنفيذية أمام “دولة المواطنة والقانون” وتراتبية السلط في محاولة لتكفين زمن استبداد يختفي لكنه لا يموت بفعل معاول تحاول أن تدق على جنود صلصالية تارة باسم ديكتاتورية تستمد شرعيتها من الأرض وتارة أخرى من السماء ولم يغفل الكتاب في هذا السياق تسليط الضوء على حادثة العلم الشهيرة في كلية الآداب بمنوبة حيث الرمز يقوم بالوظائف الثلاث معا : الظهور والجمع والإلزام والتحديد.

وليس غريبا أن يتم التصدي في إطار فرجوي تتصارع فيه المرأة التونسية كرمز حافل بمقومات الهوية التونسية وبين شاب شاب عن طوق مفهوم الوطن لصالح جماعة.

هامش: 

1- رجاء بن سلامة: “من يمتلك الجسد البشري” الأوان 20 نيسان 2007 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق