دفاعاً عن دولة الرفاه / حسن ولد المختار

يثير الكاتب الفرنسي «ألوا لوران» في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان: «مستقبل مُشرق لدولة الرفاه» قضية اكتست أهمية استثنائية في سجالات حملة الانتخابات التشريعية الأوروبية الأخيرة، هي الموازنة بين سلبيات وإيجابيات نظم الرعاية والرفاه والتضامن الاجتماعي التي تفاخر فرنسا ومعظم الدول الأوروبية عادة بما حققته فيها من مكاسب كبيرة خلال العقود الأربعة الماضية، وخاصة إذا ما قورن مدى التزام الدول الأوروبية تجاه فاتورة الالتزام الاجتماعي مقارنة مع اقتصادات رأسمالية صناعية أخرى كثيرة. وفي البداية ينطلق الكاتب من تفنيد بعض ما يثار من انتقادات موجهة لنظم دولة العناية والرعاية والرفاه التي تهتم بتأمين مواطنيها اقتصادياً واجتماعياً وعدم تركهم مكشوفي الظهر لتغول الأسعار وتقلبات القدرة الشرائية وغدر الزمن بعد التقاعد، وفي الوقت نفسه، تحافظ أيضاً على معدلات نمو اقتصادي مقبولة إلى حد بعيد. وأول تلك الانتقادات تكرار الزعم بشكل لا يكل ولا يمل بأن تكفل الدولة بتقديم كثير من الخدمات ونظم الحماية الاجتماعية للأفراد يؤدي إلى ضمور تحفزهم المعنوي ويقلل من إنتاجيتهم ودافعيتهم، وهذا غير صحيح، وإنما يضمن ذلك النظام راحتهم ويحفز إنتاجيتهم وتعلقهم بالمشروع الوطني الذي يجدون فيه أنفسهم واحتياجاتهم على طبق من سعادة.

ومن الانتقادات والتهم الجزاف التي تكال أيضاً لدولة الرعاية والرفاه أن الأعباء التي تفرضها على الخزينة العامة تكبح الدينامية الاقتصادية، وتبدد فرص خلق الثروة، والتجديد. وهذا أيضاً غير صحيح، يقول الكاتب، وذلك لأن النظام الاقتصادي الملتزم اجتماعياً يقلص المخاطر المترتبة على المجازفة الاقتصادية، وينمي القدرات الإنسانية الخلاقة، ويحافظ أيضاً على التعايش الاجتماعي. وذات الشيء يصدق أيضاً على القول إن نظام دولة الرفاه والرعاية غير قابل للاستدامة والاستمرار بحكم تكلفته المالية والاقتصادية الباهظة. ومفهومٌ أن هذا كذلك أبعد بكثير عن الصحة، إذ لم يعرف عن الاقتصادات التي تنعم بنظم معاشات سخية، ووفرة في الخدمات العامة، تعرضها ذات يوم لأزمة مالية أو نقدية. وإنما على العكس من ذلك تنشب الأزمات المالية أكثر كلما تغول النظام الاقتصادي في أتون الرأسمالية المتوحشة غير الصديقة للخدمات والالتزامات الاجتماعية. ويمكن أن نستدعي هنا في الذهن أسباب اندلاع الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي نشبت أولاً في اقتصادات أبعد ما تكون عن نظم دولة الرفاه، وكان السبب المباشر فيها المعروف هو انهيار النظام المالي والقرارات عالية المخاطر التي اتخذها بعض كبار البيروقراطيين المصرفيين الفاشلين. وبعد ذلك انتشرت الهزات الارتدادية للأزمة من مركز انطلاقها إلى بقية العالم بحكم الترابط الكبير للنظام المالي العالمي كله. وفي أوروبا نجد الآن أن بعض الدول التي قلصت مباهج دولة الرفاه ما زالت متعثرة إلى حد بعيد، وهو ما يعني انتفاء العلاقة السببية بين دولة الرفاه والتعثر المالي.

ويذهب الكاتب إلى أن ما يوجه عموماً من نقد لنظم الرعاية الاجتماعية السخية في فرنسا، وبعض الدول الأوروبية، إنما يراد من ورائه تقديم مصالح وموارد رزق الشرائح الأقل دخلاً من الناس، قرباناً وكبش فداء لسد الفجوات الاقتصادية والعجوزات المالية التي تسببت فيها سياسات الحكومات، وليس طبيعة نظام دولة الرفاه نفسه. وفي وقت تزداد فيه النزعات الليبرالية الجديدة جشعاً وطمعاً ورغبة عارمة في فرض رؤيتها الإيديولوجية على القارة الأوروبية كلها، يكون الحفاظ على نظم التأمين الاجتماعي هو الخيار الوحيد السليم، لأنه يوفر سنداً للفقراء والأجراء في مواجهة أي تراجع في قدرتهم الشرائية، أو أي عجز عن نيل حقوق اجتماعية وإنسانية أساسية، يعد الحديث عن وجود نظام ديمقراطي بمعنى الكلمة من دونها أصلاً ضرباً من اللغو والعبث. وأكثر من هذا أن النظام الذي يضع خدمة مواطنيه وتوفير الخدمات الضرورية ونظم التأمين الاجتماعي لهم هو المكسب الحقيقي الوحيد الذي تحقق للشعوب الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان بهذا المعنى هو الترجمة الفعلية لمباهج الازدهار الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبدونه، لا شيء يؤمّن القارة من عودة القلاقل الاجتماعية والسياسية إلى كثير من دولها من جديد، مما ستكون له تبعات سلبية هائلة تهون بالمقارنة معها التكلفة الرمزية المترتبة على أعباء دولة الرفاه المالية.

وفي الأخير خلص الكاتب إلى أن الحفاظ مكاسب الشعوب الأوروبية في اقتصادات ونظم دولة الرفاه وتعزيز هذه المكاسب مستقبلاً هو السبيل الوحيد لدعم وترسيخ النظام الديمقراطي، والسلام الاجتماعي، وتوطيد دعائم التعاون والتضامن على مستوى دول وشعوب القارة كلها، بعيداً عن أية شوفينية أو أنانية أو انعزالية قومية كما تروج لذلك تيارات وأحزاب اليمين المتطرف. وبعيداً أيضاً عن أي استغلال شعبوي ثوري كما يفعل اليسار المتطرف. وكذلك دون انتهازية سياسية ولعب على حبال النيوليبرالية، صراحة أو ضمناً، كما يفعل اليمين واليسار التقليديان. وهنا الرهان.

الكتاب: مستقبل مشرق لدولة الرفاه
المؤلف: ألوا لوران
الناشر: ليين كي ليبير

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق