عظمة على عظمة

في تلك السنوات الذهبية للدراسة الجامعية قد يقدم الإنسان على مختلف ضروب الأعمال الطائشة والمتهورة. ولا أختلف أنا هنا عن باقي البشر؛ إذ ما زلت أذكر أن واحداً من أكثر تصرفاتي حماقة وطيشاً كانت دخولي إلى قاعة محاضرات مادة الثقافة القومية الاشتراكية. ولمن لا يعلم، تعتبر هذه المادة التطور الجيني لمادة التربية القومية الاشتراكية التي درسناها في المرحلتين الإعدادية والثانوية المعدة “لإنشاء جيل ملتزم بقضاياه الوطنية.” ولما كانت الجامعة مسرح الفكر الأكاديمي المتوثّب الذي تسكنه كائنات عالية الثقافة – أي نحن – وتسوده الحوارات الأكاديمية الرفيعة، ولما كنا قد تربينا بما فيه الكفاية في المدرسة فقد تم تغيير اسم المادة لتسقط منها التربية – كمفردة – ويتم استبدالها بالثقافة ولو أن المضمون بقى ذاته إلى حد كبير. ومن هذا المنظور الثقافي العالي، قرر أستاذ الثقافة، ذات يوم ماطر، أن يتحفنا بمقولة تزلزل أرضيتنا الأكاديمية، إذ قال: “هل تعرفون أن سوريا أعظم من أمريكا؟ نعم. نحن متفوقون على أمريكا… فعدد الخريجين الجامعيين في سوريا يفوق عددهم في أمريكا بأضعاف!” لم يستطع منطقي العلمي يومها هضم هذه القنبلة المعرفية وذلك القياس الأعرج، ولكنني بلعتها – مع علبتي سفن أب والكثير من الجهد – فلقد كانت لدي هموم أخرى تشغل بالي غير علامة الرسوب في مادة الثقافة. وهكذا تحضرني هذه الذكرى كل بضعة أعوام عندما يتم نشر التقييم السنوي العالمي للجامعات، وأبحث، علّني أجد ما يثبت بالفعل أننا تفوقنا على أمريكا ودول العالم أجمع بجامعاتنا العريقة؛ فأفشل وأغص مرة أخرى بتلك المقولة التاريخية. وأعود هذه السنة لهذا الموضوع بعد تفحص ذلك التقييم وبعد نقاش سريع على صفحات الفيسبوك مع أحد الأصدقاء العاملين في مبادرة “الباحثين السوريين” (واحدة من أشكال الأمل السوري النادرة في هذه الصحراء الثقافية التي نعيشها اليوم) لأجد مرة أخرى أننا لا زلنا نفتخر بأمور في جامعاتنا لا يلتفت إليها غيرنا. ولكن حقاً؛ ما الذي تفاخر فيه باقي الجامعات التي تتبوأ الترتيبات العالمية والإقليمية؟ وكيف نتعامل نحن مع هذه الإشكاليات؟

عاماً بعد آخر، تفتقد جميع جداول ترتيب الجامعات العالمية لوجود الجامعات العربية بشكل عام والسورية بشكل خاص ضمن الجامعات المئة الأولى حول العالم لأسباب علمية وإحصائية عديدة، حيث تعتمد جميع هذه التصنيفات على منهجيات محددة تساعد في ترتيب الجامعات. بشكل عام، يتم اعتماد المستوى التعليمي والمستوى البحثي وآفاق التوظيف والمنافسة والإنفاق ونسب الموظفين والأساتذة والطلاب والأبحاث المؤثرة. أحد أبرز هذه التصنيفات هو الترتيب الأكاديمي للجامعات في العالم The Academic Ranking of World Universities الصادر عن جامعة شنغهاي جياو تونغ أو ما يعرف باسم Shanghai Ranking الذي يعتمد على مجموعة من المعايير والمنهجيات. فيتم أولاً اختيار الجامعات على أساس وجود باحثين أو خريجين حائزين على جائزة نوبل أو على وسام فيلدز في الرياضيات أو على أساس وجود أولائك الباحثين الأكثر اقتباساً أو توفر عدد من الأوراق البحثية التي تم نشرها في مواضيع العلوم والطبيعة والأبحاث وتمت فهرستها وفق أنظمة Science Citation Index-Expanded (SCIE) وSocial Science Citation Index (SSCI) ومن ثم يتم ترتيب هذه الجامعات وفقاً لمؤشرات عديدة أيضاً تعتمد على الأداء الأكاديمي والبحثي وباعتماد منهجيات إحصائية دقيقة. تتبنى مجلة Times Higher Education (THE) أيضاً منهجيات تصنيف لمعلومات إحصائية وتوثيقية تؤمنها لها مؤسسة Thomson Reuters فتعمل على بناء ترتيبها الخاص للجامعات حول العالم استناداً على ثلاثة عشر مؤشر تتوزع على مجالات التعليم والبحث ومدى تأثير الأبحاث والابتكار والتنوع الثقافي وعدد الطلاب من الدول الأخرى.

وبهذا نرى في ثلاثة من أشهر التصنيفات العالمية أي The Academic Ranking of Work Universities وTHE World University Ranking و QS World University Ranking تكرار أسماء جامعات أمريكية وبريطانية تعكس هذه المعايير والمؤشرات بشكل جلي، منها هارفارد وستانفورد وكامبريدج وأوكسفورد وبرينستون ويال والإمبريل كوليدج ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا التي يحق لها الافتخار بتاريخ طويل من الإنجازات والأبحاث التي مكنتها من احتلال المراكز الأولى في الترتيبات العالمية وفي كثير من الأحيان في تغيير وجه العالم الذي نعرفه؛ فيما لا توجد أي جامعة عربية أو سورية تحتل أي مركز في الجامعات المئة الأولى حول العالم وغالباً ما يتم تصنيف جامعة دمشق في مرتبة ما بعد 500. وعلى الرغم من عراقة جامعة دمشق التي تأسست رسمياً عام 1923 (فيما باشرت كلية الطب فيها بالعمل قبل عشرين عاماً من ذلك التاريخ) وعلى الرغم من تخريجها بعض الأسماء اللامعة في عالم الفكر والسياسة والاقتصاد والعلوم فهي اليوم لا تزال بعيدة عن تحقيق سمعة علمية وعالمية جيدة على الرغم من أنها – وبالعودة للمقولة العددية – تستطيع الافتخار بأعداد الطلاب والخريجين الهائلة فيها ولكن ما دور هؤلاء في التنمية “الحقيقية” على المستوى الوطني وما دورهم في سوق العمل “التنافسي” المحلي والإقليمي؟

تشكل هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب المستجدين والانتقاليين والخريجين سبباً جوهرياً من أسباب فشل العملية البحثية وتعثر تطور التعليم العالي في الجامعات السورية؛ وخاصة عندما اعتمدت جامعة دمشق – لفترة من الزمن – في عدد من الأقسام نظام الامتحانات متعددة الخيارات من أجل تسهيل وتسريع عمليات الامتحان والتصحيح والتدقيق فوقعت في شرك الفشل الامتحاني بالإضافة للفشل البحثي. ولطالما شكا العديد من الأساتذة الجامعيين من تراكم الواجبات الامتحانية والإدارية حتى لم يعد هنالك متسع من الوقت لإيجاد أفكار مبتكرة أو إعداد أبحاث جديدة؛ وبالتالي فإن عليهم في غالب الأحيان الركون إلى الحد الأدنى من التجديد في خططهم الدرسية والابتعاد شيئاً فشيئاً عن البيئة التنافسية المتجددة التي قد يكونوا اعتادوا عليها في حال متابعة دراستهم في الخارج. ومن ناحية ثانية ترزح الكليات المختلفة تحت عبء أعداد الطلاب غير المتناسبة مع استطاعة هذه الكليات التي تقبل الطلاب المستجدين اعتماداً على معيار واحد فقط من جهة ومع سوق العمل المتخم من دون توازن من جهة أخرى. حيث تعتمد الجامعات في سورية عند تسجيل الطلاب المستجدين على المعدل العام لشهادة الثانوية العامة (أو ما يعرف عامة بالبكالوريا والتي تحولت امتحاناتها والنجاح فيها بمجموع علامات عال إلى أشبه ما يكون بسباق اجتماعي/اقتصادي أكثر مما هو علمي) عبر عملية مفاضلة على أساس “غربلة” المتقدمين للتسجيل في كل قسم نسبة لأعدادهم. وهكذا لا وجود لاختبارات قبول يتم تصميمها لتناسب كل تخصص في الجامعة ولا لتوقع الطلب في سوق العمل المحلية أو إحصائيات دقيقة للحاجات الاقتصادية والمجتمعية والمهنية التي تغطي فترات زمنية طويلة الأجل على مستوى المدن والمحافظات التي تتوضع فيها الجامعات. وبالتالي يصل الشباب إلى الجامعة وفقاً لمجموعة امتحانات عامة، ثم يخضعون لمجموعة امتحانات أخرى تؤهلهم لحمل الإجازة في اختصاص ما، في طريقهم لوظيفة حكومية ما أو لمحاولة إيجاد عمل ما بناء على شهادتهم الجامعية تلك. وبهذا في كثير من الأحيان تتم الاستعاضة عن المقدرة العملية والخبرة التجريبية بالمستند الرسمي – أي الشهادة – في الدراسة والعمل على زعم أن هذه الشهادة تفترض في حاملها المعرفة العلمية والقدرة العملية. وتستمر هذه الدائرة المفرغة باستهلاك قوى الجامعات والشباب على حد سواء وتفسح المجال أمام فساد يأكل أخضر الكفاءات ويابسها. فعندما يتم تقييم قدرات إنسان ما ومؤهلاته – بل تقرير حياته ومستقبله – اعتماداً على ورقة ببضع بيانات وتوقيع مفوض وختم رسمي وطابع مالي فلا بأس من محاولة الحصول على هذه الورقة السحرية بأي طريقة كانت! 

وعلى صعيد آخر، يعتمد ترتيب Webometrics على تصنيف الجامعات اعتماداً على مواقعها الإلكترونية بحسب المحتوى الرقمي الذي تعرضه وذلك من أجل تعزيز ودفع التواجد الأكاديمي على الشبكة العالمية مما يزيد من إمكانية نقل المعرفة العلمية والثقافية التي تنتجها الجامعات إلى المجتمعات. لهذا تتنافس اليوم الجامعات حول العالم في تطوير مواقعها الإلكترونية وخدماتها عبر الشبكة وتقدم صفحات تفاعلية وسهلة الاستخدام وذات محتوى غني. وفي آخر ترتيب أصدره موقع webometrics حلت جامعة دمشق في المرتبة 84 على مستوى العالم العربي والمرتبة 222 على مستوى ترتيب جامعات الشرق الأوسط والمرتبة 5070 عالمياً فيما نالت جامعة تشرين المرتبة 164 عربياً و8280 عالمياً وحلت الجامعات السورية الخاصة في مراتب تزيد عن 200. وفي حين تتسابق مواقع الجامعات في العالم لخدمة الطلاب الأجانب وإعطاء معلومات وافية حول الجامعة ومناهجها وبرامجها؛ يأتي موقع جامعة دمشق باللغة الإنجليزية ليقدم للمتصفح خلفية تاريخية لا تخلو من الصور الشعرية التي لا تستخدم بالفعل في السياق الإنجليزي، مثل جملة “When the nightmare of the mandate was driven out of Syria and the country was vacated by the foreign armies, education breathed a sigh of relief” مما يدل على ترجمة حرفية من نص عربي لا يخاطب العقل الغربي. ثم يتحفنا الموقع بحقيقة أن رئيس جامعة دمشق يتفرد بين رؤساء الجامعات في العالم أجمع بأنه يستخدم في التوقيع على المستندات لون التوت الشامي الذي يشكل خلفية شعار جامعة دمشق! وعدا عن قوائم بأسماء الكليات والمعاهد لا يوجد أي معلومات حول القبول وسياساته أو أي معلومات للطلبة الأجانب، ولا تختلف حالة موقع جامعة تشرين باللغة الإنجليزية كثيراً وإن كان مصمم الموقع قد وضع استطلاعاً لرأي الجمهور عن الموقع، ولكن واثق التصميم يضع ثلاث خيارات فقط: ممتاز أو جيد أو متوسط! كما ولا تزال صفحة جامعة دمشق الرئيسية تعرض – بكل فخر – عداد أليكسا لأعداد زوار الموقع. ولا يزال الكثير من المسؤولين الجامعيين يفتقدون إدراك أهمية الانترنت العلمية والتواصلية والتسويقية ويعدون وجود مواقع الكترونية للجامعات محدثة بشكل مستمر أمراً ثانوياً. 
في هذه البيئة التنافسية والتغييرات الهائلة الحاصلة في العالم، تعتبر الجامعة اليوم على أنها – بشكل أساسي – مؤسسة علمية بحثية تساهم في تنمية المجتمعات وتنتج عائداً اقتصادياً من خلال نشاطاتها وأبحاثها. وبالتالي يشغل البحث العلمي في المواضيع اللصيقة بالمجتمع وشؤونه حيزاً هاماً في تقييم الجامعات؛ وربما لهذا يعرض موقع جامعة دمشق تقريرين سنويين للبحث العلمي فقط آخرهما للعام 2010. يقدم هذا التقرير للقارئ الكثير من المعلومات التعريفية والجداول والأرقام والأشكال والرسومات التي أحياناً تكون غير مقروءة أو واضحة، فيما يفاخر في خاتمته بالخطط المستقبلية والإجراءات التطويرية محافظاً على تلك اللغة الإنشائية إياها مع الكثير من “الوضع” و“التحديث” و“التمكين” و“سوف” و“لذلك.” وهكذا غالباً ما تتضمن الخطط البحثية للجامعات السورية تسلسلاً زمنياً وموضوعياً على درجة من البساطة يعرض لعناوين أطروحات ورسائل الماجستير والدكتوراه المسجلة وعناوين بعض المؤتمرات المزمع إقامتها وبعض الأهداف والاستراتيجيات العامة. وإنه لمن السذاجة – التي قد تصل حد الوقاحة الأكاديمية – في مطلع القرن الواحد والعشرين أن تفتخر أي جامعة بأنها تعقد بضعة مؤتمرات خلال العام الدراسي وتقيم دفاعاً عن عدد من الأطروحات والرسائل أو أن لديها مجلة محكمة؛ مجلة غالباً ما تستخدم لنشر مقالات الأساتذة الجامعيين الساعين إلى تعديل درجتهم الأكاديمية ونادراً ما تقرأ؛ مجلة يعتمد تحكيم المقالات فيها على المبدأ المافيوزي القديم “حكّلّي لحكّلّك” ويخرج الجميع منها راضون. وبالفعل تعقد الجامعات السورية بعض المؤتمرات ولكنها غالباً ما تضع نصب أعينها شرف الفعل بحد ذاته من دون النظر إلى نتائجه. فمعظم مقررات ومخرجات هذه المؤتمرات تبقى حبيسة الأدراج واللجان. وورشات العمل وحلقات النقاش وكل ما من شأنه شحذ العقل وتوليد الأفكار فهي جميعها شبه غائبة ومغيبة. وهكذا تتراكم الأخطاء والمشاكل بمرور الزمن في جميع الجامعات السورية وتعيق عملها وتنزل من مكانتها بسبب الافتقار للقدرة على استنباط الحلول بعد أعوام من الرتابة الإدارية والتبلد الفكري. ولدى نشوء أي مشكلة جديدة، يجري الالتفاف عليها بحلٍ يتعامل مع مظاهرها الخارجية ويترك جذورها الكامنة من دون علاج تاركاً إياها عرضة للتفاقم السرطاني. فصناعة القرار نادراً ما تتم من قبل إداريين متخصصين أو اعتماداً على وقائع وأرقام صحيحة بل إنها تستند على قوانين جامدة وآراء استنسابية واجتهادات مشخصنة. 

أما عملية البحث العلمي اليومي فغالباً ما تتحول لمحاضرات تلقينية ودروس مقررة ومكررة في قاعات نادراً ما تتوفر فيها الوسائل التعليمية المساعدة وعادة ما تزدحم بالطلاب بفضل اعتماد ما يطلق عليه بسياسة الاستيعاب الجامعي لسنوات طوال أرهقت الجامعات بأعداد ضخمة من الشباب الذي ضل طريقه (بل أُضلّ) إلى الجامعة، وهؤلاء يلبثون منتظرين، عندما يستنفذون قانوناً فرص النجاح والتخرج، دورات استثنائية تقام من أجل تخريجهم من الجامعة، وانتاج أجيالٍ من الخريجين بدلاً من الجامعيين المجازين بحق؛ مما يحول جامعاتنا إلى متاجر للشهادات ولكن بأسعار أوكازيون. فعلينا هنا أن نعترف بأن تكلفة التعليم الجامعي الحكومي في سورية متدنية جداً مقارنة مع دول العالم والجوار وهذا ما نستطيع أن نفخر به بحق ولكن أن يكون العلم مجانياً فهذا أمر وأن يكون رخيصاً فهذا أمر آخر! العلم الحق بحاجة لمكتبات جامعية غنية تخضع للتحديث المستمر ولمختبرات مجهزة، والأهم من هذا كله، لإطار عمل استراتيجي يلامس الواقع ويسعى إلى تطويره بجدية وإلى ربط الدراسة الجامعية بالخبرة العملية ومتطلبات سوق العمل في سورية والخارج وتنمية المجتمع المحلي. ولكن الجامعات السورية آخذة بالابتعاد والاغتراب عن مدنها ومجتمعاتها بإطراد مكتفية بدور هامشي يغيب عنه أي إحساس بالمبادرة أو الغيرية التي تبني الأوطان. فهنالك حول العالم مدن جامعية نمت واشتهرت بفضل جامعاتها وليست أوكسفورد سوى أحد الأمثلة على ذلك. فالكثيرون يختصرون مدينة كاملة كأوكسفورد بجامعتها ويصبح اسم المدينة بحد ذاته لدى هؤلاء معادلاً للجامعة؛ على الرغم من أن أوكسفورد مدينة نشطة تحوي فعاليات أخرى غير الجامعة. فهنالك يوجد مقر مؤسسة أوكسفام الخيرية Oxfam ومصانع سيارات ودور للنشر، بالإضافة إلى أن المدينة ذاتها مقصد سياحي يأتيها الألوف من الناس الذين يصرفون الملايين في أسواقها غالباً بسبب شهرة جامعتها، وهي التي تساهم – من جهتها – بشكل فعال في المناحي الحياتية والمجتمعية والبيئية للمدينة عبر مؤسساتها ومتاحفها وبرامجها التطوعية والبحثية والطبية. هذا فيما تفاخر جامعة تشرين في مدينة اللاذقية منذ سنين طوال بشعارها المثير والخلاق “ربط الجامعة بالمجتمع” ومن سيبحث جدياً عن ذلك الخيط الذهبي الذي يربط الجامعة بمجتمعها المنسي لن يجد سوى أنها تقبع بأبنيتها ومرافقها (التي ما زال بعضها قيد الإنشاء منذ حوالي ثلاثين عاماً) عند مدخل المدينة الرئيسي وتحيط بها مجموعة من محلات تصوير المستندات والبقالة والأطعمة وبيع القرطاسية وبيوت الأيجار للطلاب، وأنها خرجت ألوفاً من الأطباء والمهندسين والمدرسين والمهنيين بمختلف اختصاصاتهم؛ فيما تمتد حولها مدينة اللاذقية بكامل فوضويتها وفشلها وتلوثها. فجامعة تشرين التي تأسست في العام 1971 – أي قبل حوالي نصف قرن من الزمان وبالتوازي مع نمو اللاذقية وتوسعها – لم تنجح بعد في إنجاز بصمة حضارية متمايزة ترسم تطوراً ملموساً متغايراً عن ذلك الدور التقليدي المتحجر للجامعات وتنمية متوازنة في المناحي الطبية والإنشائية والفكرية والبيئية واللغوية والمرورية والجمالية في المدينة.

في ظل هذا الوضع الكارثي، يكمن الهم الأكبر للطلاب – إلا من بعض استثناءات نادرة – في اجتياز الامتحانات بأقل الخسائر الممكنة، فلا الوقت يتسع ولا العقل حاضر للنقاش والتشكيك والتفنيد، التي هي أدوات التنمية الناجحة الحقيقية. ورقة الامتحان هي المعيار وهي الرجاء؛ يفرغ عليها الطالب ما حشى به رأسه من المعلومات ويخرج عقله من الامتحان بخفة الريشة وذاكرة السمكة فيما ترتحل ورقته الامتحانية تلك بعد تصحيحها وتدقيقها إلى مستودع معتم في قبو ما وهو لن يراها أبداً مرة أخرى في حياته ليعرف أين أخطأ وأين أصاب. في هذه الأروقة الامتحانية المتاهية، قد نسمع صوت مسؤول جامعي بارز يتردد مفاخراً بالقول أن جامعته مؤسسة تعليمية وليست بحثية، فقد مضى – على ما يبدو – زمن رؤساء الجامعات الذين ينتفضون لكرامة جامعاتهم العلمية باستقالة أو حتى احتجاج! ولهذا فإن مؤسسة كهذه لا تحتاج سوى لأستاذ جامعي بمرتبة دكتور مدى الحياة – نادراً ما يواجه أي تحدٍ حقيقي في حياته العملية وهو يضمن أن ترفعه الإداري أوتوماتيكي، وكتاب مقرر أو كتابين بحد أقصى لكل مادة – فلا حاجة للتبذير وإضاعة الوقت للعودة إلى المراجع المتعددة، وكمية من أوراق الاختبار والامتحان – التي لن تستخدم أبداً في أي عملية إحصائية أو دراسة بيداغوجية، وجهاز إداري مهلهل يتعوذ ليل نهار من أي ابتكار أو مبادرة، وكفى الله المؤمنين شرّ البحث المضني والتجريب المكلف.

من دون شك، يحق لنا كسوريين الافتخار بجامعات عريقة كانت من بين الجامعات الأولى التي تأسست في المنطقة بأسرها. جامعات قامت بالتصدي لإشكاليات تطوير قطاع التعليم العالي وتولت شؤون تنمية الطاقات البشرية المتوفرة في بلدنا؛ ولكنها – ومع مرور السنين – ابتليت باستنقاع أكاديمي وفكري وتحجر إداري وفساد أخلاقي وتقوقعت على نفسها مستكينة للعب دور “مدرسي” عالٍ يضمن تزويد سوق العمل المحلية المحدود – كماً ونوعاً – بأعدادٍ من الموظفين والمهنيين بخبراتٍ محدودة، وكأن ما يحصل حول العالم من تنافس وتغيير لا يعنيها ولا يهزها. يحصل هذا في وقت تحتاج التنمية الحقيقة إلى ما هو أكثر من جيشٍ عرمرمٍ من الخريجين الجامعيين (لا يتوفر في أمريكا!)؛ فالتنمية البشرية والفكرية والاقتصادية والعمرانية تحتاج شحذاً عقلياً مستمراً لمواجهة المعوقات الناشئة ولابتكار الحلول لها. وهذا لا يتأتى من دون وجود أجيالٍ تتقن التفكير النقدي والمعالجة المنطقية للأمور، وتحترف تحليل المعلومات عوضاً عن معرفتها وحفظها. ليس أسهل على الجامعات من الوقوع في وهم ممارسة البحث العلمي وتدبيج التقارير وتضمينها الأحلام والآمال والمنجزات الورقية وليس أسهل من عقد مؤتمراتٍ يحضر جلساتها قلة وولائمها كثرة. ولكن يبقى الامتحان الحقيقي في الفائدة الحقيقة التي نالها البلد والمجتمع من جراء وجود “جامعة” في رحابه. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق