السوريون وعمّي.. وحكايته الوحيدة / رستم محمود

لم يحدث ان غادر عمي مدينتنا الصغيرة قط. قضى طفولته ويفاعته وصباه وشبابه في ذلك المكان. لم يطرأ على حياة عمي أي تحول قط، كانت عوالم مدينتنا كافية تماماً، لتغطي كل تفاصيل حياته.

فجأة في أواخر السبعينيات، أي قبل أكثر من ثُلث قرن، قرر عمي السفر إلى ليبيا، كما كان يفعل الكثير من السوريين من أبناء جيله البسطاء، سعياً إلى مكسب مالي يحسّن من حالتهم الاقتصادية. لكن عمي لم يتحمل عذابات الاغتراب، ولم تطل رحلته سوى بضعة أسابيع قليلة، عاد بعدها مباشرة إلى «مسقط رأسه« ومدار كل حياته، مدينته البسيطة.

لكن تلك السفرة القصيرة والوحيدة في حياته، أحدثت تحولاً كاملاً في حياة عمي، فهو منذ ثُلث قرن لم ينته من الحديث عن تلك الأيام التي قضاها في السفر إلى العاصمة أولاُ، ومن ثم إلى مدينة بنغازي الليبية، ومن هناك إلى معمل الإسمنت الذي قضى فيه أسابيعه القليلة. أصغر التفاصيل وأدقها، رواها لأبنائه وأحفاده، للجيران والأصدقاء والمعارف. باتت الكثير الكثير من الأشياء تذكّر عمي باستمرار بتلك الأيام «الخوالي«، أي تفصيل يحدث في الحياة، يذكّر عمي بتفصيل مقابل حدث معه خلال تلك الرحلة، يغرق في مروياته عنها، لأوقات طويلة. فحينما يكون عمي غاضباً، ليس لأولاده سوى أن يقولوا «ليبيا« حتى تهدأ خواطره، ويبدأ بسرد إحدى حكايته، وعندما يكون عمي رافضاً لأمر ما، نروح نذكره بشيء رواه عن تلك الرحلة، فيعود عن رفضه ويغدو قابلاً ليكمل تلك السيرة، وهكذا.

لا يهم إن كان قد رواها من قبل أم لا، ولا يهم إن كانت حقيقية مفصلة، نتيجة ذاكرة مركبة، ممزوجة بين ما جرى وما سمع وما تخيّل. المهم أن ذلك الشيء «المميّز« الوحيد في حياته، تحول إلى حياته نفسها. عبرها فقط يستطيع الإدراك والتخيل والحديث والتصرف والتعبير.

ثمة ملايين السوريين الذين يشبهون عمي، سوريون بـ«حكاية وحيدة«، تغطي كامل عالمهم السيمائي الرمزي والحياتي المادي. حكاية ربما تكون حدثاً استثنائياً – كما جرى مع عمي- وربما تكون عملاً، ربما تكون حيّاً سكنياً أو شلة أصدقاء، وأحياناً كثيرة ربما طائفة دينية أو حزباً سياسياً، ربما مروية قومية مغلقة، أو تعليماً دينياً متشدداً.. الخ. ثمة ملايين السوريين الذين لا يعرفون غير حكايتهم الوحيدة. لا يعرفون أي شيء عن حكايات الآخرين. فالمختصر البسيط الذي يعيشونه، يكاد يغطي كل حياتهم. عبره فقط يستطيعون تفسير الظواهر والأحداث والتحولات، ومنه يستقون قراراتهم وآراءهم ومواقفهم. لا شيء خارج ذلك يغريهم ويؤثر عليهم. بل العكس تماماً، ربما كل ما هو خارج يزرع فيهم قلقاً وعداوة للمجهول المطلق.

من هؤلاء، مئات الآلاف من المنتسبين للفروع الأمنية للنظام، الذين لم يشاهدوا فيلماً سورياً واحداً، ولم تخط أقدامهم عتبة المسرح مطلقاً. هؤلاء الذين لم يعرفوا سوى سلطة الإخضاع والإكراه والقوة، ولم يتخيلوا منطقاً آخر للحياة سوى ذلك.

على جنبات هؤلاء، كان تلك الطبقة «العضوية« في ترسيمة النظام، الأقل استحواذاً على الاعتراف، وهي من الذين نبتوا في شبكات الفساد والمحسوبية والتهريب واقتصاد الظل، الذين لم يتخيلوا إمكانية لمستقبلهم سوى أن يصيروا مجرد عناصر «أمن« معترف بهم، والذين بات السوريون فيما بعد يسمونهم «الشبيحة«.

مثلهم كانت طبقات أولاد الأغنياء الجدد، الذين لم يصادقوا أحداً من خارج طبقتهم، كانت لهم مطاعمهم وملاهيهم وحاراتهم وأجواؤهم ومدارسهم ولغتهم ورموزهم. الذين ينكرون أصلاً وجود عشوائيات وفقراء ومسحوقين في البلاد.

وعلى النسق ذاته، عاش الكثير الكثير من السوريين في أسوار طوائفهم واثنياتهم ومروياتهم، لكن كل على حدة.

فوق كل ذلك، وكسبب لكل ذلك، كان ثمة سلطة منذ خمسين عاماً، لم تعرف سوى حكاية مصلحتها واستقرارها ودوامها وتفرّدها وجبروتها، كانت خارج المجتمع السوري تماماً، وغير مبالية بأوضاعه ومصالحه، بل كانت تخافه تماماً، لذا كانت تعمّق من تلك الأسوار والمرويات.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق