تجربة حكم الترويكا في تونس

الترويكا مصطلح سياسي بدأ يروج في تونس عقب انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2011 التأسيسيّة. وهو يعني اتّفاق ثلاثة أحزاب فائزة بأغلبيّة معيّنة من المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي على تشكيل حكم ثلاثيّ الرئاسات يكفل اقتسام السلطة بينها بما يضمن فارق المقاعد بينها حسب ترتيب نتائج الانتخابات. فحركة النهضة الفائزة في المرتبة الأولى (89 نائبا) تتولّى رئاسة الحكومة والمؤتمر من أجل الجمهوريّة بعدها (29 نائبا) له رئاسة الجمهوريّة والتكتّل من أجل العمل والحريّات ثالث الثلاثة (20 نائبا) نصيبه رئاسة المجلس التأسيسي.

وهذا طبعا بعد التعجيل بسنّ القانون المؤقّت للسلط العموميّة أو ما اصطلح على تسميته بالدستور الصغير والذي يحدّد صلاحيّات كلّ رئاسة ومهامّها. وأهمّ ما في هذا القانون المؤقّت هو تحجيم دور رئيس الجمهوريّة مقابل تضخيم منصب رئيس الحكومة فيما يظلّ رئيس المجلس التأسيسي رهين الأغلبيّة النيابيّة التي تمثّلها حركة النهضة. وهو ما يعني انسياق الترويكا خلف حركة النهضة في فرض نظام حكم برلماني تكون قيادته بين يديها، وفيه يتّكئ رئيس الحكومة النهضوي على أغلبيّة برلمانيّة مريحة تساعده وتسنده وتواري أخطاءه وتبرّر فشله وتضخّم أفعاله وتعطّل خصومه.


فالترويكا موجودة شكلا ولكنّها غير متوازنة مضمونا من حيث توزيع المهامّ والصلاحيّات إذ الحكم الفعلي أو السلطة التنفيذيّة هي بيد الحكومة التي ترأسها حركة النهضة ويشاركها فيها حليفاها حزبا المؤتمر والتكتّل وبيد المجلس التأسيسي الذي يعود القرار فيه للأغلبيّة النهضويّة. وعند الحكومة أجهزة الدولة والإدارة والإعلام والماليّة العموميّة والتربية والقضاء والأمن والخيارات الاقتصاديّة والتنمويّة والعلاقات الدوليّة وكلّ مؤسّسات الدولة إضافة إلى سند الأغلبيّة النيابيّة كما أوضحنا.


بعد استقالة حكومة علي لعريّض هل سقطت تجربة حكم الترويكا؟ قطعا لا. لكنّ التوسّع في مناقشة هذه النقطة يتطلّب العودة إلى ما قبل انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل منذ صدور الأمر الانتخابي في الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة يوم الثلاثاء 9 رمضان 1432/ 9 أوت 2011. ينصّص الفصل 6 من الأمر الانتخابي في الصفحة 59 على أنّ أشغال المجلس الوطني التأسيسي لا يجب أن تتجاوز سنة واحدة من تاريخ الانتخابات. نقرأ: “يجتمع المجلس التأسيسي بعد تصريح الهيئة المركزيّة للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بالنتائج النهائيّة للاقتراع ويتولّى إعداد دستور للبلاد في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه”.


لقد قامت الترويكا فعليّا واستلم كلّ حزب نصيبه من الرئاسات، وتشكّلت حكومة الترويكا مطعّمة ببعض الأعضاء المستقلّين في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 2011. والتزمت الأحزاب ثلاثتها بمدّة السّنة التي أقرّها الأمر الانتخابي رغم أنّ الأمر كان خاليا من أيّ إشارة إلى الحكم بمعنى لم يلزم الحكومة ورئاسة الجمهوريّة المؤقّتتين بالاستقالة وإنّما هما اللتان استقالتا لأسباب ذاتيّة وغير قانونيّة. فالباجي قايد السبسي وعدته حركة النهضة بتولّي منصب رئيس الجمهوريّة إذا فازت في الانتخابات وهو ما دفعه إلى التجوّل في أمريكا وأوروبّا مدافعا عنها مزيلا كلّ لبس حولها. كما أعرب عن عزمه التلقائي على الاستقالة حال تشكّل الحكومة الجديدة المنبثقة عن المجلس التأسيسي. أمّا فؤاد المبزّع رئيس الجمهوريّة المؤقّت حينها فلم يكن راغبا في الاستمرار في منصبه بسبب شيخوخته وعلاقته العضويّة ببن علي ونظامه ورغبته في التواري عن الأنظار والخلود للراحة.


 مشكلة الترويكا بدأت من هنا، أعني من الحدّ الذي وضعه الأمر الانتخابي ومن إعلان الالتزام به من قبل أحزاب الترويكا. وبعد أن جرّبت الترويكا السلطة واصطدمت بصخرة الحكم بدأت آمالها واندفاعاتها تتحطّم. وسرعان ما انتهت مدّة السّنة والدستور لم يكتب والتنمية لم تتحقّق والبطالة استفحلت والديون تضاعفت وأنهك كاهل الدولة بالتعيينات على الهوى والهويّة والولاء وضاعت الكفاءات والحقوق والعدالة الانتقاليّة. وزاد على ذلك عاملان آخران منهِكان: عامل أمني هو الإرهاب الطارئ الذي تساهلت معه حكومة الترويكا حتى لا نقول جاملته، وعامل اجتماعي هو العفو التشريعي العام الذي كانت من إجراءاته الباهظة التعويض المشطّ في غير أوانه والانتدابات الإخوانيّة في الوظيفة العموميّة.


وخلال ممارستها الحكم وتسيير مؤسّسات الدولة، لم يبد على الترويكا أيّ انسجام. بل على العكس من ذلك كثيرا ما تقاطعت الأفعال والأقوال. فسرعان ما استقال وزراء من هذا الحزب أو ذاك (محمد عبو كاتب الدولة المكلّف بالإصلاح الإداري من حزب المؤتمر وحسين الديماسي وزير الماليّة مرشّح التكتّل). وفي ما يتعلّق بالحوار الوطني، كان حزب التكتّل من المساندين والمشاركين بينما كانت حركة النهضة وحزب المؤتمر من أشدّ المعارضين له بل من أشدّ المعرقلين. وفي تقييم عمل الحكومة كثيرا ما اتّهمها منصف المرزوقي رئيس الجمهوريّة المؤقّت بالتقصير وحتى بالفشل بينما لم ير حزب التكتّل وحركة النهضة ذلك. ومرّت الترويكا بهزّات كبيرة منها قضيّة تسليم رئيس الوزراء الليبي الأسبق البغدادي المحمودي التي وقعت بإشراف حمادي الجبالي رئيس الحكومة النهضوي فيما تبرّأ منها منصف المرزوقي وأنكر علاقته بها. أمّا مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي فقد التزم الصمت.


وكانت علاقة مؤسّستي رئاسة الجمهوريّة والحكومة صداميّة مع الاتحاد العام التونسي للشغل. وأكبر تجليّات ذلك الصدام كان في إلقاء حاويات المزابل على مقرّات الاتحاد والاعتداء على مقرّه المركزي يوم 4 ديسمبر/ كانون الأوّل 2012 في ذكر الزعيم حشّاد. وقد اتّهمت مليشيات رابطات حماية الثورة الموالية للنهضة والمؤتمر بتنفيذ الاعتداءات. وقد ندّد حزب التكتّل بها بينما برّرته النهضة والمؤتمر.


ويوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2012، وجدت الترويكا نفسها في ورطة متعدّدة الوجوه منها الإخلال بالتزاماتها الدستوريّة أمام الشعب التونسي والعجز عن الإفلات من قبضة الفشل والخروج من دائرة الشرعيّة الورقة الأثيرة عندها. وغرقت الترويكا في موقف تراجيدي حاولت فيه الإمساك بشرعيّة هربت منها. وعمدت إلى أسلوب نفسي تمثّل في إخافة التونسيّين من الفراغ إذا ما فكّروا في مطالبتها بالرحيل. وتعلّلت بأنّ عجزها عن أداء مهامّا المنوطة بها سببه التعطيل الذي وجدته من المعارضة اليساريّة والاتحاد العام التونسي للشغل.


ولكنّ هذا الأسلوب لم يكن ذا جدوى. فقد اشتدّ ضغط المعارضة السياسيّة والمجتمع المدني والأطراف الاجتماعيّة. وكان سقف المطالب عاليا جدّا عند الجبهة الشعبيّة ونداء تونس اللذين طالبا بحلّ كلّ المؤسّسات المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2011 يعني الحكومة ورئاسة الجمهوريّة والمجلس التأسيسي. بينما اكتفى الاتحاد العام التونسي للشغل بالعمل على تحقيق مطلب حلّ الحكومة واستبدالها بحكومة كفاءات تنهي المرحلة الانتقاليّة وتشرف على الانتخابات القادمة مع الحفاظ على المجلس التأسيسي ورئاسة الجمهوريّة دون مساس.


وبلغ الحنق الشعبي على الترويكا ذروته بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فيفري/ شباط 2013. وزلزلت جنازته كيان الترويكا وأظهرت لها أنّ تونس لن تكون إلاّ كما تريد ولن تقبل الأجندات اللاوطنيّة المتآمرة ولن تسمح بأيّ نفس استبدادي مهما كانت خلفيّته. وكان اغتيال الشهيد محمد براهمي يوم 25 جويلية/ يوليو 2013 بمثابة الضربة القاصمة التي زعزعت عرش الترويكا لاسيما بعد ثبوت التقصير في حماية الشهيد براهمي. وتوجّهت أصابع الاتّهام مباشرة إلى حركة النهضة أحد رؤوس الترويكا بدعم الإرهاب.


وفي الوقت نفسه، عجزت الترويكا عن إقناع مراكز التمويل والنفوذ العالميّين بمساندتها وإقراضها. فوجدت نفسها مجرورة إلى حوار وطني طالما كرهته ورفضته وعملت على إفشاله وتحويل وجهته. ولكنّ لابدّ من التوضيح أنّ الترويكا قبلت بعرض الاتحاد العام التونسي للشغل القاضي بحلّ الحكومة والحفاظ على رئاسة الجمهوريّة والمجلس التأسيسي لا بعرض المعارضة والمجتمع المدني المطالبين بحلّ كلّ المؤسّسات وتشكيل هيئات انتقاليّة. ويأتي هذا القبول في إطار نظريّة راشد الغنوشي “الخروج من الحكومة والاحتفاظ بالحكم” التي تبنّتها حركة حماس مؤخّرا على لسان إسماعيل هنيّة.


لقد ظلّت الترويكا، كمنهج في الحكم، قائمة الأضلاع وإن نشب بين الأحزاب الثلاثة المكوّنة لها صراع مصالح لم يَخفَ على الشارع التونسي بعد استقالة حكومة لعريّض. فأحزاب الترويكا الثلاثة لم تعد في الحكومة ولكنّ منهج حكم الترويكا الثلاثي الأضلاع ظلّ شكليّا موجودا بنفس الصلاحيّات وبنفس التقسيم فقط تغيّرت خانة ضلع الحكومة فملأها مهدي جمعة بحكومة كفاءات مستقلّة عوضا عن علي لعريّض وحكومة متحزّبة. أمّا رئاسة الجمهوريّة فظلّت على حالها وحافظت على رئيسها بصفاته وممارساته نفسها أضف إليها الحملة الرئاسيّة المبكّرة التي يتقاطع فيها مع رئيس المجلس التأسيسي. فكلاهما مترشّحان. وكلاهما يكابران فيمارسان ما يريانه خادما لحملتهما الانتخابيّة دون أن يصرّحا بذلك.


الترويكا، إذن، موجودة شكلا ومضمونا بنفس القسمة الأولى. فحركة النهضة وإن غادرت الحكومة فإنّها احتفظت بأغلبيّتها في التأسيسي التي توظّفها في الضغط على من تريد وفي مهادنة من تريد وفي مساءلة من تريد مع استمرار دورها التشريعي والرقابي على السلطة التنفيذيّة. حركة النهضة موجودة أيضا في الحكومة بشكل غير مباشر عبر التعيينات والتسميات الكثيرة في وظائف الدولة العليا. وهي تراهن على أنّ مراجعتها طبقا لتوافقات الحوار الوطني من قبل حكومة مهدي جمعة لن تلمّ بكلّ شيء مهما اجتهدت.


كما أنّ الترويكا بأضلعها الثلاثة ما زالت في صدارة المشهد. وكلّ منها يسعى للعودة إلى الحكم من جديد. فشهوة الحكم قاسية جدّا، بل مذهبة للعقول. ولكنّ تقييم هذه التجربة سلبيّ جدّا فقد ضاعت الوحدة الوطنيّة وتشتّتت مصالح تونس وارتبكت ديبلوماسيّتها واخترق أمنها واستهين بسيادتها. كلّ هذا مع نكران أحزاب الترويكا للاعتراف بالفشل أو حتى بالتقصير في القيام على شؤون الدولة مهما كانت النوايا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق