من ذاكرة المكان وأحزمة البؤس جرمانا.. شقاء العمر في منزل ملعون / تهامة الجندي

ما إن تحطّ أولى نسائم المساء، حتى يبدأ الشارع العام في «جرمانا« بالاكتظاظ: السكان الأصليون، والقادمون من المحافظات الأخرى، واللاجئون. حشود بشرية كبيرة من مختلف الطوائف واللهجات والأعمار، تتقاسم الطريق والرصيف، مع السيارات والدراجات و«السرفيس« والدّواب والباعة الجوالين، وأكثر ما يلفت نظركَ، أنت الغريب، التائه بين الزحام، هن النساء الجميلات السافرات، اللاتي يتمايلّن على آخر موضة.

بعينيك المفتوحتين دهشة، تسبر المكان السوريالي، بتشكيلاته الحديثة والعتيقة، الفخمة والفقيرة، الأنيقة والخالية من أية لمسة ذوق. محال تجارية، مكاتب عقارية، مطاعم ومقاصف وملاه وأندية وكحول، موسيقى عالية من كل الأجناس وضجيج، حتى يخيّل لك، أنك تسير في كرنفال، تقاطعت فيه العصور. وإن خطر ببالك، أن تستفسر عن أي أمر، أو صادف أن احتجت إلى أية مساعدة، يقابلك من تتوجه إليه بابتسامته الوادعة ولطفه الشديد، لدرجة أنك تشتهي، أن تكون جزءا من هذا النسيج الاجتماعي المنفتح، الطافح بالحيوية والكياسة.

أيها الغريب، سوف تستهويك هذه البلدة الصغيرة، التي تقع في قلب الغوطة، على بعد أربعة كيلومترات من شمال دمشق، والتي يُعدّ سكانها بحوالى نصف مليون ساكن، وبهذا تكون من أكثر ضواحي العاصمة كثافة سكانية. سوف تستهويك، وتستدرج خطاك المرة تلو الأخرى، وسوف تنسج بيسر علاقات ودية مع الأهالي، وتسمع منهم، أن جرمانا كانت قبل عشرين عاما حديقة غنّاء، تحوّط بيوتها المتناثرة أشجار الغوطة وبساتينها من كل صوب، وأن سكانها الأصليون، هم من الدروز، والمعروف عن هذه الطائفة المسلمة إجلالها للعلم، وتمسكها الشديد بالقيم الأخلاقية، لدرجة أن التحلي بالأخلاق الحميدة لديها، هو ضرب من ضروب العبادات، وإلى ذلك فهذه الطائفة معروفة بتسامحها الشديد في كل ما يخص المرأة، فقد منعت تعدد الزوجات، ولم تلزم نسائها بالحجاب، بل إن بإمكان الدرزية أن تصبح شيّخة، إذا ما توفرت فيها شروط المشيّخة من أخلاق ومعارف.

سوف تسمع أيضا، أن التضخم السكاني والعمراني الكبير الذي اعترى البلدة، بدأ في العقد الأخير من القرن العشرين، أولا بسبب انتقال عدد كبير من مسيحيّ باب توما والطبالة والدويلعة إلى جرمانا، لرخص أسعار العقارات فيها في ذاك الزمن الرغيد، وثانيا نتيجة الهجرة من المدن والأرياف السورية الأخرى، وأخيرا بسبب قدوم حوالي مئة ألف لاجئ عراقي، وأن الأحياء والحواري المسكونة بمئات العوائل، مقسومة إلى مناطق نظامية، وأخرى زراعية (عشوائية) في طريقها إلى التنظيم، وهذه الأخيرة تشكل المساحة الأكبر في جرمانا، والمنطقة الأكثر نشاطا من حيث حركة العمران، والأكثر شعبية من حيث السكان والخدمات السكنية، ولذلك فإن بيوت هذه المنطقة هي الأرخص، بنسبة النصف تقريبا من البيوت النظامية.

قد تفكر مليا بالسكن في جرمانا، فالمنطقة أقرب إلى دمشق من باقي الضواحي، وهي مخدّمة جيدا بكل ما يحتاجه الساكن من طبابة ومرافق تسوّق وترفيه وخدمات، والسكان متحررون ومنفتحون بشكل لافت، وأغلبهم من الغرباء مثلك، وقد تحزم أمرك، وتشتري أو تستأجر بيتا، وعلى الأرجح سوف يكون في الطوابق الأرضية والمنطقة الزراعية.

في البداية سوف يلاقيك الجيران وأهل الحارة، وكأنك واحدا منهم، وسوف يساعدونك في كل كبيرة وصغيرة، وسوف تجد كل ما تحتاجه على مرمى حجر من منزلك، فتشعر بالأمان والاطمئنان، وكأنك في مسقط رأسك وبين ذويك، ثم ينتهي بك شهر العسل إلى عدد من الاكتشافات، التي لم تكن في الحسبان، حين وضعت ثقل العمر في هذا المنزل الملعون.

المياه غير صالحة للشرب، لأنها كلسية، وبعضهم يجزم أنها مخلوطة بمياه المجارير، وعليك أن تشتري ماءك التي تُباع بـ»الطرطيرات« و«الطنابير«، ولا تعلم شيئاً عن مدى صلاحيتها ونظافتها. الكهرباء تنقطع باستمرار بسبب الضغط الكبير على الشبكات، وفي الليل لن تستطيع النوم من صوت «الموتورات«، ولا مجال للاعتراض، لان الماء لا تأتي إلا في الليل، ولا تصل الطوابق الفوق أرضية إلا بشفط الموتورات، وتتساءل في سريرك متعبا ومؤرّقا: لماذا لا تقطع البلدية الماء في الليل، وتصله في النهار، كي ننام بهدوء مثل كل خلق الله؟

المياه ترشح على جدرانك، المجارير تعميك بالروائح، وتطفح على أرضك، والشّحار يدلف من المداخن. أحدهم يسرق من كهرباء ساعتك، والآخر من خط المياه، صراخ أولاد الحارة، وكراتهم التي تخبط بابك ونوافذك وجدرانك، الأحاديث العالية التي تدور في مدخل البناية، وعند الأبواب المشرّعة دوما، أصوات الباعة التي لا تهدأ، الأغاني العالية التي تصدح من نوافذ الجيران، مصحوبة بروائح الطهي. وفي الليل قد يتناهى إلى سمعك أصداء خناقات، وبعض طلقات المسدسات، وفي الأعياد صوت المتفرقعات النارية يفقدك الصواب.

وتتساءل في سرك: أين هي الآداب العامة وحقوق الجوار؟ تتحدث بلطف لرفع الإزعاج والإضرار عنك، وما من مجيب، الكل يشكو مما تشكي، ثم ترفع صوتك رويدا رويدا، تتوعد وتهدد، ويعزلك الجميع، ويزيدون من إزعاجك وإضرارك، فقط لأنك طالبت بحقك الطبيعي في السكن الآمن والصحي، في حين أنهم تنازلوا عن هذا الحق. تكبر الحكاية برأسك، وتشتكي إلى البلدية، وتضيع شكواك أدراج الرياح، فتستشير المحامين، ويؤكدون لك أن طريق القضاء عقيم. تكلّ وتملّ من المراجعات والاستشارات، وتتنازل عن حقك، وتلعن الساعة التي فكرت فيها بالانتقال إلى هذه المنطقة العشوائية، التي لم تتمدن بعد.

في الأزقة والطرقات الضيقة تخبط بالمارة ووسائط النقل، وبأكوام الرمال والحصى الملقاة على قارعة الأرصفة، من دون غطاء تمهيدا لبناء جديد، تتعثر بالمطبات وبأكياس القمامة والقاذورات المنتشرة في كل مكان، وقد تسقط وأنت ساهياً في إحدى حفر الصرف الصحي المكشوفة. تستنشق هواء لوثته أبخرة «السرفيس« والغبار. وأزمة المرور الخانقة باستمرار، غالبا ما تضطرك إلى ركوب التاكسي، ومع ذلك تصل متأخرا إلى مواعيدك وأماكن العمل. ووسط هذا القبح الذي خلّفه البناء العشوائي، التجاري، قد تحن إلى غصن أخضر ووردة حمراء، فتقودك خطاك إلى حي يدعى «الروضة« أو «الجناين«، لكن كتل الإسمنت، تسخر ثانية من شاعريتك التافهة.

وفي أحاديث السمر تسمع عن شبكات دعارة منتشرة في أرجاء جرمانا، وعصابات خطف وإتجار بالأطفال والشابات، وتسمع بجرائم قتل، وحوادث غرق الصغار في قنوات المياه المفتوحة، ويؤكد لك السكان، أن بعض القائمين على شؤون بلدية جرمانا البائسة، يرتشون ويصمتون، لكن ما من أحد يفيدك بمعلومات موثوقة عن حقيقة ما يجري.

وعلى بؤس «عشوائيات جرمانا«، هي واحدة من أفضل العشوائيات التي كانت تطوّق دمشق، وتستوعب قرابة نصف سكان العاصمة، حتى عام 2011، وجميعنا كان يسأل من يقف وراء هذا الخراب والفساد؟ وكنا نشير بأصابع الاتهام إلى تجار البناء، ومن لف حولهم من المستفيدين، وأولئك الذين يحمونهم سراً وعلناً، ويقاسمونهم الغلّة في دوائر الدولة، بينما يقع السكان ضحايا التوسع العمراني التجاري، الذي كان يتكاثر مثل الجراد، بلا تراخيص رسمية، على حساب المساحات الخضراء وصحة البشر.

توسّع غير منظّم وغير مدروس، يتمدد بين معامل البلاط، وورشات الحدادة والنجارة والألمنيوم وغيرها. أبنية متلاصقة بلا أقبية، لا تتوافر فيها أدنى الشروط الصحية أو شروط الجودة، تقوم بين ليلة وضحاها، أمام أعين موظفي البلديات، بعد أن تمتلئ جيوبهم بآلاف الليرات، وكل منهم يبرر موقفه الصامت، بأنه إن لم يأخذ المبلغ ويغض الطرف، سوف يأخذه سواه، وتقوم البناية بالرغم عن انفه.

في عشوائيات جرمانا، اشتريت بيتي الأول بربع مليون (خمسة آلاف دولار) قبل ثلاثة عشر عاما، كان على الأرض والعظم، مساحته أقل من أربعين مترا مربعا، أشبه بقنّ الدجاج، بارد، رطب، معّتم، ويقابل معملاً لقصّ البلاط. عشتُ فيه وحيدة خمس سنين، ذقت الأمرين، وأصبت برئتيّ ومفاصلي، وكنت ألعن الساعة التي وَطأتْ بها قدميّ المنطقة في اليوم ألف مرة، لكني لم أفكر ولا لمرة، ان معظم العشوائيات الدمشقية، ستقتلعها القنابل المتفجرة، وأن العيش في مثل هذا البؤس الصارخ، سيغدو جنة، يحلم بها نصف سكان سوريا، ممن نزحوا إلى العراء والمخيمات، هاربين من بطش النظام، وطيش الذخائر الحية، بعد اندلاع الثورة.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق