«أبطال» آخر زمن / نهلة الشهال

مر على ظاهرة «القاعدة» بكل صيغها، المتنوعة لكن المتشابهة، ما يكفي من وقت حتى تفرض نفسها كأمر في غاية الجدية، لا تصرفه بضع شتائم ولا أحكام قاطعة ومبسطة، لا تفعل كلها غير طمأنة النفس، فيما الظاهرة تستفحل طولاً وعرضاً.

هناك بالطبع كمية هائلة من التحليلات، خصوصاً لباحثين وصحافيين أجانب، منذ ذلك الـ «11 سبتمبر» حتى اليوم. لكنها لا تكفي لفهم تلك الجاذبية التي تجعل آلاف الشبان (والشابات) يلتحقون بحركة تتمدد عالمياً وتتركز في بؤر عصية على الاقتلاع. ثمة بلا شك «رومانسية محفِّزة» في صورة أسامة بن لادن، المليونير الذي ترك الدنيا ومتاعها ليتحدى أميركا وينتقم منها، ودوّخها، ولم تتم تصفيته إلا باستنفار تلخصه تلك الصورة الشهيرة لأوباما وهيلاري كلينتون متشَنِّجَيْ الوجهين، واجمين بعصبية شديدة، فيما كبار الضباط المحيطين بهما يشاهدون معهما على شاشة صغيرة، ثانية بعد أخرى، وقائع العملية الخاصة التي نجحت في تصفية بن لادن.

عززت تلك الصورة قوة فعل ما تدّعيه «القاعدة» ومثيلاتها من قدرة جبارة، تهز أعتى القوى وتقض مضاجعها. كما عززت المشهدية أو الاستعراضية الملازمة للظاهرة. وأما إلقاء جثة بن لادن، وفق الرواية الرسمية المنتشرة، في المحيط، فأكد رمزياً سمات القدرة الجبارة تلك التي تدفع «العدو» الى ذعر يتطلب محو كل أثر.

في الأثناء، وبمرور الأيام وتقلبات الاستراتيجيات السياسية العامة، خفُتت صفة تحدي او «منازلة» أميركا، وتبعثرت الى غايات شتى، لكن ذلك لا يغير في العمق شيئاً. كما لم يغير انزلاق التنظيمات «الجهادية» المقاتلة الى التناحر في ما بينها على الأرض السورية، ما أوحى ربما في وقت من الأوقات بأن إستراتيجية دفعها الى «أكل نفسها» نجحت، ولو بثمن خراب مريع (ومديد) لسورية. فالأخيرة تحولت مكاناً «مشهدياً» هو الآخر لفوضى عارمة وتعسف مرعب تمارسه تلك التنظيمات على الناس، بينما هي تتنافس على السطوة والنفوذ. وفي هذه الغضون، بدت خطة النظام تتلخص بشطر البلد شطرين، واحد متصل جغرافياً وعمرانياً وفق منطق واضح، وهو للاستعادة بأي ثمن (ولو بتسوية مدنه وقراه بالأرض)، وآخر يمكن أن يُترك كـ «سيبة» تستقطب شباناً وشابات من المنطقة، ومن العالم بأكمله، فرادى، وعلى شكل مجموعات صغيرة متبقية في بلدانها من مواجهات سابقة، او ترثها بعدما استحال اجتثاثها جذرياً، كما في حال من يشار اليهم من شيشان وسواهم… وهذا أبرز أكثر من أي وقت مضى الصفة «الأممية» للظاهرة التي باتت تمتلك ارضاً تسرح فيها وتمرح، وساهم في تعزيز جاذبيتها في عيون من تستهويهم.

لكن خطة «الحرب المحتواة» تلك لا تبدو مثمرة. فقد قفز الى الواجهة التطور العراقي في الأسابيع الأخيرة، وهو تغير نوعي يقلب رأساً على عقب ما رسا خلال السنوات الثلاث من عمر الأزمة السورية. ها إن الأرض «السيبة» تلك تلد سواها في استــعراض يخاطب تحديداً الشعور بالقوة وباللحمة وبالتحدي، تعبر عنه مرة جديدة مشهدية رمزية لأرتال من سيارات الدفع الرباعي ترفرف فوقها الأعلام السود ويمتطيها رجال مسلحون ملثمون، تريد وقفتهم التعبير عن البأس والتصميم.

أما المفاجأة والذعر المقابلان فلا يفعلان غير تعزيز تلك الانطباعات المبتغاة، تماماً كما تفعل التقارير العالمية التي يختلط فيها الإدهاش الصحافي بالتسريب المخابراتي، وآخرها غلاف مجلة «تايم» الذي يحمل خريطة للعراق يتفجر من قلبه وعنوان «نهاية العراق»، بلا مزيد ولا نقصان (ولا حتى علامة استفهام قد تُبقي خط الرجعة مفتوحاً)، فيما الكلام يعيد بكل خفة تقسيم المنطقة انطلاقاً من خطوط صدع مذهبية.

أتيح أمام تلك الظاهرة مجال حيوي جديد، يعتمد على أسس اجتماعية- قبلية تغرف من معين الاضطهاد المعيب الذي طاول السنّة العراقيين بعد قلب صدام حسين ثم إعدامه على تلك الشاكلة الاستفزازية، ومن تعنت رئيس الوزراء نوري المالكي واستخدامه مزيجاً من العنف المفرط والإهمال مع الاعتصامات المدنية في الأنبار، علاوة على فساد مشهدي هو الآخر، حوَّل الحكام الى أثرياء في صورة فاحشة. وهذا بينما يدَّعي الحاكم توفير الفرص للشيعة العراقيين مقابل ما حرموا منه طويلاً، ويغلف الأمر برمّته باستعراضات دينية تتراوح بين مسيرات الملايين الى الأماكن المقدسة مرات سنوياً، والميليشيات العسكرية المستنفرة دفاعاً عن «المقدسات»، يستعرضها تارة عمار الحكيم وطوراً مقتدى الصدر، كلاهما باللباس المرقّط ومن دون التخلي عن العمامة! ها قد اكتمل المشهد المركّب: استقطاب مذهبي متقابل، وعسكرة غير محدودة، وأراضٍ- قواعد للجهاد متقابلة هي الأخرى ومفتوحة على العالم… بما يعد بحروب بلا حدود في التاريخ والجغرافيا.

ولعل ما يجري في لبنان يكمل المشهد. ثمة ما يبدو أنه عشرات الشبان (على الأقل)، من جنسيات مختلفة، مستعدون للموت كانتحاريين في مقابل أهداف يظهر أكثر فأكثر أنها غائمة. استهداف الأرض- القاعدة التي تمثلها الضاحية الجنوبية معقل «حزب الله»؟ ليس فحــسب، بدليل وجود أهداف متنوعة، منها مسؤولون يُقصد اغتيالهم، و «جيش صليبي»، ومطاعم مكتظة في ســاعات الذروة على ما قيل انه كان هدف الانتحاريَّيْن اللذين لم يبلغا بعد العشرين من العمر، لكنهما بدوا مستعدين للموت بسهولة، واحد مُفجراً حزامه الناسف بوجه القوة التي دهمت غرفته، والثاني ساعياً الى القفز من النـــافذة. وهـــؤلاء يعملون في مهمات فردية، لكن تلك العزلة في التنفيذ تُظهِّر بقوة شديدة حبل الوريد القائم: الشعور بالانتماء الى جماعة.

بقيت الإشارة إلى أن تلك «الجماعة» تقدم نفسها (وتستهوي) بوصفها نقيض الميوعة والخواء العامين السائدين: الترهل والتشتت والفساد المريع الذي يطبع المؤسسات والسلطات العامة في المنطقة، والذي يُدام بمزيج من القمع والتيئيس عبر تغييب البدائل… كأن كل ذلك يستحضر القانون الخلدوني عن العصبية معدّلاً وفق مقتضيات الزمان.

وهكذا أيضاً تبدو صورة هؤلاء «الجهاديين»، بكل حالاتهم وطوائفهم، وسواء ظهروا جماعياً او فردياً، كجواب على الثورات المجهضة التي عمّت المنطقة منذ ثلاث سنوات ونيف، وكانت عبارة عن انتفاضة في الوعي المدني وفي التمسك بمستقبل آخر. إجهاضها غذّى ما يبدو أنه نقيضها، وهو كذلك، لكنه ايضاً استكمال لها ولو بالمقلوب.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق