الدينى و السياسي في الانتفاضة التونسية (2/5)

 بالعودة إلى التاريخ القريب نرى أن اللحظة الإيرانية مثلت منعطفا على صعيد تنامي الجماعات الدينية في الوطن العربي، وهنا تدخلت قوى إقليمية خليجية بالأساس للتحكم بهذه الظاهرة وتعديل الكفة بالمعنى الطائفي، أي قطع الطريق أمام التمدد الشيعي مستثمرة أموالا طائلة لنشر إيديولوجيتها السنية بنكهة اخوانية حينا، و وهابية أحيانا أخرى، و رأت في ذلك طوق نجاة لها قبل أن يصيبها ما أصاب حليفها البهلوى السابق، وقد استعملت القنوات الفضائية للغرض، فأطلقت منابرها الدينية لتسرح وتمرح في كل بيت ، فضلا عن الشيوخ الأثرياء الذين أصبحوا يمتلكون قنواتهم الخاصة و جرائدهم و دور نشرهم و جمعياتهم الخيرية بل و وامعاتهم أيضا (1) .

ويتبارى إلى حد الآن المركزان السني والشيعي في إغداق المال بسخاء على المنظمات والأحزاب التابعة لهما، في صراع مفتوح ما فتئ نسقه يتسارع، و معه تتفاقم معضلة التفتيت الطائفي، منذرة بنتائج كارثية، فالشحن الطائفي وعسكرة الأتباع وتلقين التكفير والتحكم في الناس بالفتاوى مـعناه اغتيال عقولهم، وتيسير التحكم بهم من قبل متلاعبين كبار يقفون خلف الستار، بما يمكن أن يؤدى إلى حرب المائة عام تحت يافطة الخلافات المذهبية.


ولا يجب فصل اللحظة الإيرانية عن لحظة أخرى لا تقل أهمية و نعنى هزيمة 1967 و قبول جمال عبد الناصر بمشروع روجرس، وصولا إلى اجتياح بيروت وضرب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية سنة 1982، ومن ثمة سيادة سياسة الاستسلام القومي عربيا و بداية ما يمكن تسميته بالحقبة السعودية في رسم السياسات و تنفيذها .
و على هذا النحو يمكن القول أن الجماعات السياسية اليمينية بغض النظر عن منابعها الإيديولوجية قد وجدت في الدين تجارة رابحة وظفتها إيديولوجيا لبلوغ مآربها، بما في ذلك السلطة السياسية المهيمـــنة في تونس قبل 14 جانفى 2011، التي كانت حريصة على الظهور بمظهر حامية الحمى والدين كما إظهار أن الله يباركها (2)، مثلما كانت حريصة في وقت ما على تسهيل عمل الجماعات الدينية لقطع الطريق أمام انتشار اليسار الثوري في الجامعات والنقابات العمالية، و من هنا ضرورة التخلص من تأثير ذلك الزعم الذي نسج خيوطه اليمين الديني حول طبيعة علاقته بسلطتي بورقيبة وبن على.


و اليوم و مثلما كان عليه الحال بالأمس البعيد يستعر الخلاف بين جماعات مختلفة حول من له أحقية الكلام باسم الدين، وبالتالي احتكار تمثيله، بينما ظل المشهد السياسي العربي يفتقر إلى يا ما يشبه لاهوت التحرير في أمريكا الجنوبية مثلا،  ومن هنا خطأ النظر إلى الجماعات السياسية التي تعتمد الدين كايدولوجيا على أنها متماهية دائما.
تقدم التيارات الدينية غالبا حلولا وهمية لمشاكل واقعية، غير أن المضطهدين يجدون فيها تلبية لبعض حاجاتهم، إذ يظهر رجال السياسة المرتدين لجبة الدين كمفسرين و دعاة و مرشدين و مؤولين، أي في صورة ممثلين لله على الأرض زاعمين أنهم يفعلون ذلك طلبا لرضوان الله وحده (3)، ولكن مواقفهم تكون في خدمة طرف دون آخر بالنظر إلى الصراعات السياسية و الاجتماعية المحتدمة من حولهم، و التي لا يمكنهم إلا الانخراط فيها، و جراء ذلك انقسم رجال الدين باستمرار إلى ملل و نحل، ففي الدين الواحد نجد مئات الفرق وكل فرقة تدعي أنها الناجية لا في العقيدة فقط بل في السياسة أيضا، و تستعر تلك الخلافات أحيانا لتصل حد الاقتتال المدمر، فـ“الانقسام إلى شيع لا ينشأ عن رغبة صادقة في معرفة الحقيقة بل عن شهوة عارمة للحكم” (4).

ومن هنا فإن المعركة ضد الاضطهاد والاستغلال والفقر والجهل هي الأصل الذي من شأنه أن يجعل تلك الخطابات التكفيرية تفقد بريقها، وتتــلاشى شيئا فشيئا، علما أن هذه العملية معقدة جدا، وسوف تستمر ربما لقرون قادمة، أما الأساليب القمعية من تعذيب واضطهاد وغيره فلن يكون لها إلا الأثر العكسي، فإن شئت تقوية نفوذ جماعة دينية فما عليك إلا قمعها و ستشهد تكاثرا في أتباعها حتى أن الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، في جانب منها، قد انتشرت جراء الاضطهاد.


 يجد البعض حلا لهذه المعضلة في الدعوة إلى الفصل بين الدين و السياسة، بين الدين و الدولة، وضمان الحق في المعتقد مهما كان اسمه، بل ضمان حقوق من لا يتبع أي دين كان، وتتخذ تلك الدعوة طابعا حقوقيا غالبا، من خلال المحاجة على أن الدولة الدينية تستند إلى أسس خاوية على صعيد الدين ذاته، حيث يزعم الحاكم الثيوقراطى لنفسه الحكم باسم المقدس، غير أنه وكما يبينه سبينوا (5). فإن الناس لو أرادوا تفويض حقوقهم إلي الله لكان عليـهم عقد حلف معه، ثم قبول الله لذلك الحلف، بينما يخبرنا الله أنه ليس بكائن حسي، فهو متعال، ووجوده مجرد ومطلق ومفارق، فكيف يمكن إرساء عقد سياسي اجتماعي معه ؟  بالتالي فإن العقد يجب أن يكون بين البشر أنفسهم، و هو قابل للتعديل بل للاستبدال بعقد جديد، متى دعت الحاجة ، أما إذا كان العقد مقدسا فإنه لن يتغير البتة، فهو لا يخضع لإرادة المواطنين العامة، بل لإرادة متعالية يزعم البعض منهم النطق باسمها واحتكار تفسير وتأويل أقوالها، وهذه المقاربة الحقوقية مهمة دون شك، غير أنها تتغافل عن الجانب السياسي  الاجتماعي، فالتخلي عن تسييس الدين وتديين السياسة لن يحصل إلا إذا زاال الواقع الموضوعي الذي يجعل مثل ذلك المنزع حيا في المجتمع، أي القضاء على الاضطهاد الذي يسلطه بعض البشر على البعض الآخر.


و إذا كان مقبولا أن ترتدي الانتفاضات في القرون الوسطي لباس الدين مثلما يبينه فريدريك أنجلس بالنسبة إلى حرب الفلاحين في ألمانيا مثلا، حيث هاجـــــم لوثر “الحكومات بشدة و قال أن اللوم يقع عليها في قيام الثورة نظرا لحكمها الظالم و أن الذي ثار ضدها ليس الفلاح بل الإله نفسه” (6).
 فإنه من غير الممكن أن يحدث هذا في القرن الواحد و العشرين في أوربا التي عرفت انتصار الثورة البرجوازية الديمقراطية، و أصبحت هيمنة الدين على السياسة فيها أمرا من الماضي عدا استثناءات قليلة، أما لدى العرب فإن تلك الثورة لم تقع فئ الماضي، و لن تقع في المستقبل أيضا، بنفس الهوية الطبقية السياسية و الاجتماعية التي عرفتها أوربا،  فقد جرت مياه كثيرة في نهر التاريخ العالمي، على النحو الذي نجد فيه البرجوازيات السائدة عربيا اليوم مرتبطة بالمراكز الاستعمارية، فاقدة لذلك الدور التاريخي، و من هنا استحالة قيادتها لعملية تغيير ثورية للأوضاع القائمة، لأجل ذلك فإن الانتفاضات العربية تندرج بالمعنى التاريخي ضمن الثورة البروليتارية على الصعيد الكوني، و لا يمكنها أن تندرج ضمن الثورة البرجوازية التي فات أوانها، و هذا الذي نشير إليه، هو الذي يفسر لنا كيف أن تلك الانتفاضة عندما خضعت في البداية لمحدداتها الداخلية فقط،  لم تكن لها أي صلة بما هو ديني، بينما حضرت فيها مطالب اجتماعية ذات صلة بالعمال و الفلاحين و المعطلين و المهمشين،  و إذا كان هناك من ألبسها بعد ذلك اللباس الديني، فإن تلك عملية قيصرية تضافرت للقيام بها قوى محلية و دولية وحدتهما منذ وقت طويل المصلحة، و هذا وجه من وجوه المأزق الذي تردى فيه حتى الآن من أشعل لهبها .

 

الهوامش:
1-  على سبيل المثال يعد الشيخ اليمنى عبد المجيد الزندانى داعية و مؤسسا للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن، و هو في نفس الوقت مؤسس لجامعة الإيمان .

2- قبل أشهر قليلة من هروب بن على تردد الشعار التالي في بعض تظاهرات التجمع الدستوري : ّ الله واحد الله واحد و بن على ما كيفو حد “كما كانت بعض الكتابات الدعائية تصفه بـ” أنه رجل منهج و صراط، و لأنه حُبى بنضج استثنائي هو هبة من الله تعالى “على طعمه، تونس و عصر الزين، تحول من أجل الإنسان، بيروت ، مؤسسة الهيثم للطباعة و النشر1999، الطبعة الأولى، ص 208 . و بعد ذلك انتقلت الشعارات ذات الخلفية الدينية إلى تصويره في ثوب إبليس بما يذكر بكلمات سبينوزا التالية :” إن الخرافة هي أكثر الوسائل فاعلية لحكم العامة، و لذلك كان من السهل باسم الدين دفع العامة تارة إلي عبادة الملوك كأنهم آلهة و دفعهم تارة أخري إلي كراهيتهم و معاملتهم و كأنهم طامة كبري علي الجنس البشري “ رسالة في اللاهوت و السياسة، مصدر سابق، ص 113.

3-  ثار الداعية وجدى غنيم عاصفة من الاحتجاجات أثناء زيارته لتونس فقد انقسم الناس بين مؤيد و رافض لما يقوله و انتشرت فتواه التي تبيح ختان البنات، و في جامع سيدي اللخمى بمدينة صفاقس اجتمع المئات لمتابعة خطبته بينما تظاهر آخرون في الشوارع ضده و حصلت مشادات بين الطرفين، و من بين الشعارات التى رفعت”يا نساء عار عار هاو جاكم الطهار“و قد رأيت رجلا يصرخ بغضب قائلا : تدبروا أمركم أنا أسكن الريف ولن يأتيني الطهار أما انتم يا ساكنى المدينة فإن الطهار سيختن بناتكم و نساءكم” 

4-  سبينوزا، رسالة في اللاهوت و السياسة، مصدر سابق، ص 452 ..
5-  المصدر نفسه،  ص 390
6-  فريدريك أنجلس، حرب الفلاحين في ألمانيا، مصدر سابق، ص 58 .

 

الدينى و السياسي في الانتفاضة التونسية (3/1)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This