الدينى و السياسي في الانتفاضة التونسية (1/5)

مع تتالي أحداث الانتفاضات العربية برز الدين أكثر فأكثر باعتباره إشكالا من حيث علاقته بالسياسة بل إنه أصبح في حد ذاته مشكلة سياسية و اتخذت الخطابات السياسية التي وظفته طابعا مخاتلا في الغالب و من ثمة فإن أي مسألة تتعلق بالسياسة إلا و يتدخل الدين في مناقشتها، و لا يمكن الحديث عن الانتفاضة التونسية دون تبين صلتها بما هو ديني و بالأخص بالجماعات الدينية التي تمارس السياسة تحت غطاء الدين بإيحائها أنها تسير على الصراط المستقيم، وإضفائها رموزا قدسية على نفسها تميزها عن غيرها، فـ“انقلب الحماس لنشر الدين إلى شهوة و طموح مزر (1).
يسود الإسلام كدين في بلاد العرب وهذه البلاد توجد الآن في عين العاصفة أي في قلب الهجوم الاستراتيجي الشامل الذي بادرت الامبريالية الأمريكية بشنه غداة 11 سبتمبر 2001 على الشعوب و الأمم المضطهدة فـ” الولايات المتحدة قد أصبحت أو إنها في طريقها إلى أن تصبح ما لم يكنه أحد قبلها ـ إلا هتلر في خياله ـ أي القائد العسكري للعالم “(2).


 ومن هنا فإن ردة الفعل الشعبية لا يمكنها الإفلات من تأثير الدين كما أن الدين كان من بين الأسلحة الإيديولوجية الموظفة في هجمات سابقة من هذا القبيل.
ولا ريب أن هناك فرقا بين تدين الشعب ومعظمه من الكادحين، الذين يتوارثون دينهم جيلا بعد جيل، ويتعاملون معه كبداهة لا تستوجب شكا وحيرة، ويمارسونه بعيدا عن التوظيف السياسي، وبين تديين السياسة وتسييس الدين اللذين نجدهما لدى أفراد وجمعيات وأحزاب لها مصالح تخصها وارتأت في الدين وسيلة لإدراكها (3).

 
 لقد كان الدين إلى حد كبير خافت الحضور في الانتفاضة التونسية، خاصة قبل القصبة الثانية بينما قوى حضوره بعد ذلك، أما في الأقطار العربية الأخرى فكان حضوره أكبر، ربما في استفادة من الحالة التونسية حيث انخرطت الجماعات الدينية في سير الانتفاضات منذ البدء قبولا أو رفضا.
 وغني عن البيان أن الدين عبر في السنوات الأخيرة عن نفسه كحصن لدى الشعب ضد الامبريالية و لكنه أستعمل أيضا كحصن ضد الثورة (4).
 
وذلك باختلاف القوى التي سعت إلى توظيفه لحسابها، ومن هنا فقد ارتبط به المشهد السياسي في غالب الحالات، و لم تكن معارك الحجاب و النقاب والرسوم الكاريكاتورية وما شابهها، غير معارك سياسية من حيث جوهرها.
ولا يجب النظر هنا إلى الدين كما لو أنه مجرد مؤامرة جاء بها جمع من الشيوخ المحتالين، أو أنه مجموعة من الخرافات التي نسجت على عجل، وإنما هو نظرة ورؤية للكون وموقع الإنسان فيه، وللمعاملات و الطقوس والمعتقدات، فمن الخطأ اختزاله في بعد واحد من أبعاده المتعددة، و هو يؤدي وظائف مختلفة يمكن أن تكون متضادة بتضاد المصالح التي تسندها، والفكر الدينى خلاصة موسوعية للواقع في لحظة تاريخية محددة، وهو أقرب إلى الفلسفة الشعبية التي يجد فيها المعدمون أجوبة سريعة و بسيطة عما يخالجهم من أسئلة، منها ما يتعلق بالحياة الواقعية، و منها ما يتعلق بعالم آخر يخيم وراءها،  لذلك تزدحم فيه الأجوبة عن المعاملات والعبادات و ما جاورها.


وفي مجتمع عانى من انحباس و ركود في تطوره الاقتصادي والاجتماعي و السياسي والثقافي، على مدى قرون، يغدو مفهوما إلى حد ما لماذا يمارس الدين حضوره في السياسة، و بالتالي غرق الانتفاضات العربية شيئا فشيئا في بحور الدين، أي إنه ليس غريبا أن يؤم جمهور واسع من الناس الذي فتح عينه فجأة على الحياة السياسية غير الخاضعة للمراقبة البوليسية المجال الديني بحثا عن أجوبة للمعضلات التي يقع تحت وطأتها، فأن ترتدي الانتفاضات العربية ثوب الدين في هذه اللحظة أو تلك ليس بالأمر المستغرب،  فتقاليد الأجداد تجثم فوق رؤوس الأحفاد” وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط بتحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم في خلق شئ لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد نراهم يلجأون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم “(5).
 وهو ما لم تخل منه أغلب الانتفاضات والثورات، ففي انكلترا القرن السابع عشر مثلا، و خلال الثورة ”استعار كرومويل و الشعب الانكليزي الكلام والعواطف والأوهام من “العهد القديم” لثورتهم البرجوازية وعندما تم الوصول إلى الهدف الحقيقي، عندما تم انجاز التحويل البرجوازي للمجتمع الانجليزي حل لوك محل النبي حبقوق “ .

وفي تونس حدث هذا بعد أيام قليلة من تهريب بن على، عندما دخل اليمين الديني ميدان الصراع، و لكن بشكل عكسي، قياسا إلى ما عرفته الثورة الإنكليزية، أي إنه إذا كان قد حدث ذلك في تلك الثورة بغرض السير إلى الأمام فإنه يحدث عندنا بهدف الرجوع إلى الوراء، يقول ماركس متحدثا عن الثورات البرجوازية الديمقراطية في أوربا ” وهكذا كان بعث الأموات في تلك الثورات يؤدي مهمة تمجيد الصراع الجديد وليس التقليد الساخر للصراع القديم، مهمة تعظيم الواجب المعين في الخيال و ليس الهروب من إيجاد حل له في الواقع، مهمة اكتشاف روح الثورة مرة أخرى و ليس جعل شبحها يحوم ثانية “(6). و إذا أخذنا” الربيع العربي “ في كليته فإن الأعين تبدو فيه مشرئبة إلى الوراء مما يدعو إلي التساؤل عن طبيعة توظيف الفكر الديني سياسيا في عصر الامبريالية و ما إذا كان توظيفا سلبيا بوجه عام .
و لا ينبغي الحكم على الجماعات الدينية التي تمتهن السياسة من خلال ما تقوله هي عن نفسها و إنما من خلال سياساتها و ممارساتها، و هو ما ينطبق على غيرها من الجماعات، التي لا يخلو خطابها هي أيضا من توظيف للدين، فمن اللافت أن الجماعات الليبرالية أيضا قد أدلت بدلوها في بحور الدين، و أصبحت لا تجد حرجا في الدفاع عن دينها هي و فهمها هي للدين، موظفة المقدس في معركتها السياسية، و في خضم المعركة على هذه الأرضية، كانت المنازلة تقتضي تعديل البوصلة و تغيير المفاهيم و الشعارات و انتقاء الكلمات و المصطلحات، و بينما تحاصر الجماعات الليبرالية الجماعات الدينية من جهة الالتزام بالديمقراطية والقوانين والتشريعات الوضعية تحاصر الجماعات الدينية الليبراليين من جهة الهوية والإيمان والكفر، غير أن الصراع بين الطرفين يظل بعيدا عن المطالب التي رفعها المنتفضون. و في الأثناء يجرى التخلي عن بعض ما يقوم عليه الخطاب السياسي لدى هذا الطرف أو ذاك و محاولة إيجاد أرضية مشتركة تقوم على المخاتلة مثل استبعاد كلمة العلمانية وتعويضها بكلمة مدنية، والاتفاق على الهوية الإسلامية للشعب، و التداول السلمي على السلطة، ولا يحدث ذلك جراء صراع محلى فقط و إنما يرتبط بمجريات الوضع العالمي أيضا.


يقدم اليمين الديني على تنازلات ظرفية تكتيكية، وهو يفعل ذلك وفق براغماتية عنوانها التدرج والتمكن، حتى أن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية نأى بالإسلام عن الحكومة التي تشكلت غداة انتخابات المجلس التأسيسي و كانت خاضعة فعليا لنفوذ حركته، فهي ليست حكومة إسلامية و كأنه يريد القول : لا تحاسبونا عما نفعل الآن، حاسبونا عما سوف نفعل غدا، عندما يكون التمكين قد حصل، بينما تريد قوى الثورة ترويض الثعلب المحتال بنزع مخالبه و أنيابه، وهي تردد في سرها مع أحمد شوقي : مخطئ من ظن يوما. …. أن للثعلب دينا. 


وتحاول الآن حركة النهضة و أخواتها أسلمة الانتفاضة، و فرض السيطرة على المجتمع كله، وهنا بالذات لا يمكن إنكار تبادل الأدوار بين مكونات اليمين الديني أو ما يسميه سمير أمين” تقسيم العمل “بينها (7) فالنهضة تترك للجماعات الإسلامية” المنفلتة “مهمة القيام بذلك من خلال رفع شعارات الخلافة و الحاكمية لله، بينما تحاول هي التكيف مع شعارات المرحلة، وخاصة الديمقراطية و التعاقد و الدستور و المواطنة، غير أن بعض فلتات اللسان تفضح مقاصدها بين الفينة والأخرى (8). 
و من هنا أهمية تحليل إشكالية الديني و السياسي ضمن” الربيع العربي “من خلال ما تحيل إليه من وقائع ملموسة تقدمها لنا سيرورة الانتفاضة ذاتها دون التغافل عما مهد لها، و عدم التورط في أحكام مسبقة قد تذهب بالتحليل إلى مجاهل الدغمائية، و بالتالي تسجنه ضمن دائرة القوالب الجاهزة، كما ينبغي النظر إلى الحامل الحزبي للخطاب الديني من زاوية السياسة و الايدولوجيا، و ما يعبر عنه خطابه من مصالح طبقية.

 

الهوامش:
1سبنوزا، رسالة في اللاهوت و السياسة، الطبعة الثالثة، ترجمة و تقديم حسن حنفى و مراجعة فؤاد زكرياء، بيروت، دار الطليعة، 1994 ص 115.
2 سمير أمين: بعد حرب الخليج ، الهيمنة الأمريكية الى أين ؟، ورد ضمن : العرب و تحديات النظام العالمي، بيروت ،مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2004، ص 73.
3 يقول فريدريك أنجلس إن” ما يسمّى الحروب الدّينيّة فى القرن السّادس عشر، كانت تتضمن مصالح طبقية مادية ايجابية، فقد كانت هذه الحروب حروبا طبقية “فالأطراف المتصارعة يرتدي كل منها قناعا معينا و هناك بطبيعة الحال من يختار قناع الدين،  فريدرك أنجلس، حرب الفلاحين في ألمانيا، تعريب محمد أبو خضور، دمشق،  دار دمشق، دون تاريخ، ص 46 
4 يقول حليم بركات :” قد يستخدم الدين من قبل الأنظمة السائدة في تثبيت شرعيتها و هيمنتها أو من قبل القوى المعارضة للتحريض و إثارة السخط ضد النظام القائم، أو من قبل الطبقات و الجماعات العاجزة المحرومة البائسة بحيث تستمد منه العزاء و المصالحة مع أوضاعها التي تحيلها إلى كائنات ضعيفة معرضة للاضطهاد و القمع “المجتمع العربي في القرن العشرين، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى ، 2000، ص424.
 5 كارل ماركس، الثامن عشر من برومير لويس بونابارت، موسكو ، دار التقدم 1980، ص ص 8 /9.
6 المصدر نفسه، ص 10 ،
7 المصدر نفسه، ص 10.
8 Samir Amin. 2011 : le printemps arabe ? Publié par Mouvements, le 1er juin 2011. http://www.mouvements.info

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This