الديني و السياسي في الانتفاضة التونسية (4/5)

شيئا فشيئا أضحى اليمين الديني في تونس و حركة النهضة كإحدى تعبيراته مزهوا بانجازاته ومنها المقاعد التي حصدها في انتخابات المجلس التأسيسي(1)، و لكنه شعر أيضا أنه في ورطة باستلامه السلطة في لحظة أزمة، وأمام إخفاقاته المتتالية في حل المعضلات الاجتماعية ردد أن الحكومة السابقة زرعت الفخاخ في طريقه، فقد اتخذت جملة من الإجراءات خاصة على المستوى الاجتماعي مثل تمكين بعض قطاعات الوظيفة العمومية من منح خصوصية لا سابق لها تعجز ميزانية الدولة عن الإيفاء بها . 

 إن وصول اليمين الديني إلى السلطة قد تم رئيسيا في ظل تفـاهم دولي و إقليمي، وما فرضه ذلك التفاهم من قيود وما فتحته من آفاق، فما هي الشروط التي حفت بذلك التفاهم؟ هل هي الالتزام بالواجهة الديمقراطية والتسليم بوجود الكيان الصهيوني والليبرالية الاقتصادية والسياسية؟ وهل يدخل ذلك في إطار مخطط جيوسياسي أكبر تريد من ورائه الامبرياليات الغربية السيطرة على الثروة والاستفادة من المنطقة عسكريا ضمن استراتيجيا تطويق روسيا (2) والصــين، الأعداء التاريخيين للولايات المتحدة، التي تتزعم التحالف الغربي ؟ إننا نجيب عن هذه الأسئلة بالإيجاب، و من هنا استبعاد القول أن اليمين الديني وجد أرضا خلاء فعمرها، جراء تخريب سلطة بن على للحياة السياسية، و أنه كان الأقرب إلى الجماهير لدفاعه عن الهوية و ما شاكلها. صحيح أن سلطة بن على المستندة إلى آلة بوليسية ضخمة قد فرضت رقابة شديدة على المشهد السياسي، مما ساهم في إعاقة نمو القوى الثورية، غير أن هذا ليس العامل الوحيد المتحكم بوصول اليمين الديني إلى السلطة إذ يجب أن ينضاف إليه ارتباطه بالامبريالية، أما طبيعة خطابه السياسي و الإيديولوجي و بنيته التنظيـمية، و هي عناصر مهمة دون ريب فإنها تلعب أدوارا ثانوية، ورغم أن هذه العناصر تمنح اليمين الديني تفوقا تكتيكيا فإن الآفاق أمامه مقفلة بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، فهو لا يقدم حلولا للمشاكل الاجتماعية المستفحلة و هي تلك التي تهدد بإصابته في مقتل (3). 


 تجيد حركة النهضة، و هي التيار الأبرز ضمن اليمين الديني اعتماد الأساليب البراغماتية في ترجمة سياساتها إلى ممارسات فعلية، فالمهم بالنسبة إليها إدراك أهدافها بغض النظر عن الوسائل المستعملة ، من ذلك مـوقفها من غير المتحجبات، فهي ترحب بهن في صفوفها، و قد تنبهت بعض الأحزاب الأخرى إلى هذا الجانب و أصبحت تنتهج نفس أسلوبها فالأمين العام لحزب العمال الشيوعى التونسي 4مثلا ظهر خلال حملة انتخابات المجلس التأسيسي في صور و محجبة على يمينه و أخرى على يساره مثل راشد الغنوشى الذي تحيط به في بعض الصور الدعائية شابات سافرات جميلات، وقد استعملت النهضة حلفاءها في 18 أكتوبر و عندما قويت لفظتهم، و يعض الآن هؤلاء أصـابعهم ندما على ما فات.


و هي تنتهج أساليب براغماتية أيضا في التعامل مع الأطراف الإقليمية المؤثرة في رسم السياسات حتى أن الغنوشي عبر للعقيد الليبي بعد أيام قليلة من تهريب ابن على عن إكباره له ، و ذهب إلى حد القول أن لجان و مجالس الانتفاضة مستوحاة من الكتاب الأخضر، ثم لما واجه القذافي نفس المشكل الذي واجهه بن على أصبح يتحدث عن مأزق في ليبيا و أنه ضد التدخل الأجنبي لأن ذلك سيكون كارثة، و عندما مالت الكفة لصالح جماعة المجلس الوطني الانتقالي اعترف بذلك المجلس ممثلا لليبيين، وأما عندما سقطت طرابلس و سحل العقيد في سرت فقد أصدرت الحركة بيانا تبارك فيه “الثورة الليبية” و سكتت تماما عن التدخل العسكري الأجنبي، بل إنها أسرعت إلى إرسال مبعوث عنها إلى طرابلس، الذي ظهر في صور و هو يتفحص قنابل أستعملت في الحرب و من حوله بعض مقاتلي المجلس الانتقالي .


و لا يعرف ماذا قال راشد الغنوشى للسلطات الجزائرية الخبيرة على أي حال في قراءة ما يخفيه اليمين الديني، فقد اتصل بها لخطب ودها، و هناك شيخ آخر من شيوخ الحركة لم يتردد في القول إن الزعيم العربي الوطني الوحيد هو أمير قطر(5) لذلك يربط كثيرون بين ميزانية النهضة الضخمة و الأموال التي قد تكون وافدة من تلك الإمارة النفطية (6).


و وصلت هذه البراغماتية على الصعيد العالمي إلى حد إرسال وجه من وجوه النهضة البارزين إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة ثار حولها الكثير من الجدل، فقد تم تداول أشرطة على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيها حمادى الجبالي و هو يمدح ديمقراطية “اسرائيل” التي بها حسب رأيه أحزاب دينية غير أنها لم تشكل في أي وقت تهديدا لديمقراطيتها، بما يعنيه ذلك من طمأنة للولايات المتحدة الأمريكية فالأحزاب الدينية في تونس لن تمثل تهديدا للديمقراطية المزمع تركيزها، و قد كانت وقتها انتخابات المجلس التأسيسي على الأبواب.


و إذا عدنا إلى وقائع أقدم من ذلك فإن هذه البراغماتية جعلت الحركة في أحلك أيام حكم بن على ترسل في شخص الغنوشي برقية تهنئة لصخر الماطري، بمناسبة انطلاق بث إذاعته الدينية المسماة الزيتونة وهو ما ذكرناه، و معروف عن صهر بن على هذا توظيفه للدين في مشاريعه السياسية و التجارية، فقد بعث بنكا إسلاميا و أطلق أسماء الله الحسنى على معابر ضيعة ضخمة من الأشجار المثمرة يمتلكها في ولاية زغوان(7). 


كل هذا يدعو إلى استنتاج أن الحركة مستعدة لتغيير جلدها ألف مرة و مرة خدمة لأغراضها و هو ما يدخل ضمن مجال المخاتلة في الدين و السياسة الذي نحاول هنا رسم حدوده و تسييج معانيه و دلالاته ، و من ثمة يخطئ من يعتقد أنها جماعة دينية ملتزمة بحدود الشرع و أحكامه، و أن مهمتها الدفاع عن المقدسات لوجه الله تعالى، فهي منظمة سياسية ترى في الدين أيسر سبيل للسيطرة على الحشود، و تعرف أن القرآن حمال أوجه، لذلك تنتقي منه في كل مرة ما يناسب توجهاتها و تكتيكاتها في هذه اللحظة أو تلك، فهي تجيد فن المناورة و المخاتلة، لذاك تحاول أن تكون مرنة، و تركز في خطابها على الاعتدال و الوسطية و تسهر على عدم تنفير القوى الإقليمية و الدولية منها، فهي حركة منضبطة و مسؤولة مما يؤهلها للحكم، و لكن عندما يتطلب الأمر الظهور لأتباعها في ثوب الحريص على النص في حرفيته فإنها سرعان ما تقلب ظهر المجن لمن أغوتهم لبعض الوقت.

الهوامش :

 

1 تقدم الحكومة التي تقودها النهضة نفسها على أنها حائزة على الشرعية فقد جاءت بها انتخابات ديمقراطية و قد بينا في غير هذا الموضع زيف تلك الديمقراطية و يهمنا هنا ملاحظة انه في مختلف الانتخابات التي تمت في تونس و لم يتدخل فيها المال السياسي و الإعلام الفاسد كانت النتائج فيها لغير صالح النهضة مثل انتخابات الاتحاد العام التونسي للشغل و المجالس العلمية في الجامعات و هيئة المحــــامين و القضاة و الأطباء الخ….
2 نرجح أن الامبرياليات الغربية تستعد للأخطر و هو المواجهة مع روسيا و الصين، و ما قامت به عربيا هو حفر خنادق لاستعمالها في المواجهة الكبرى، و إلا كيف نفسر خطة نشر الدرع الصاروخية رغم تفكيك الاتحاد السوفياتى و زوال الخطر الاشتراكي.
3خلال الحملة الانتخابية وعدت النهضة بتوفير مئات الآلاف من فرص الشغل و بعد أشهر عديدة تبخر ذلك الوعد و اليوم يتزايد الانتحار بين صفوف المعطلين و يصرح وزير التشغيل فى الحكومة التي تقودها النهضة أن الملائكة نفسها لا يمكنها حل تلك المعضلة. 
4 غير لاحقا هذا الحزب اسمه متخليا عن صفة “الشيوعي” ليصبح حزب العمال التونسي.
5 اللافت هنا التقاء شيوخ دين مثل القرضاوى و مفكرين ليبراليين مثل على حرب فى تمجيد دور إمارة قطر حيث يقول على حرب مثلا : “ إن الثورات تعيد الخلط للأوراق، بحيث يصبح الفرز لا على أساس ثنائية الممانع و الخاضع أو المقاوم و المذعن، بل على أساس من مع الثورات و من هو ضدها. و بقدر ما تنجح هذه الثورات و تقوى، يتضح الفرز في موقف الدول و الأنظمة، و لا جدال في أن قطر تحمل المشعل عربيا ” على حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، من المنظومة إلى الشبكة، بيروت ، الدار العربية للعلوم ناشرون 2012، ص 153.
6 وصف رئيس الحكومة السابق الباجى قائد السبسى ما تحصل عليه الحركة من مال بأنه أشبه بشلال، و توجه الى الحركة تهمة تلقي أموال من الخارج فالحركة التي كان أفرادها في وضع مالي لا يحسدون عليه أصبحت فجاة من أقوى الأحزاب ماليا، و في ظرف وجيز اكترت ما يزيد عن مائة و خمس و أربعين مقرا، و يكلفها مقرها الرئيسي في تونس العاصمة بحسب بعض الصحف ما يناهز خمسة عشر الف دينار، و يشبهه بعضهم من حيث ضخامته بمقر التجمع الدستوري السابق في شارع محمد الخامس، و هي تصدر جريدة أسبوعية و تمتلك آلاف المواقع و الصفحات على النات، فضلا عن قناة تلفزيونية بعثها ابن وزير تباهى في إحدى اللقاءات التلفزيونية بأنه كان يعيش زمن بن على من بيع البقدونس، و هو نفسه الذي وصف الأمير القطري بأنه الزعيم الوطني الوحيد فى بلاد العرب.
7 نفس هذه البراغماتية نلمسها في علاقة النهضة بحكومة السبسي ففي البداية كان التهليل لها و إبراز تطابق وجهات النظر معها ، تقول جريدة الصباح نقلا عن الغنوشي بعد إحدى لقاءاته بالسبسي : “إن اللقاء خصص للتشاور حول الأوضاع التي تمر بها البلاد مبرزا تطابق وجهات النظر بين الحركة والحكومة في مجمل المسائل المطروحة وأضاف رئيس حركة النهضة أنه تم كذلك بحث السبل الكفيلة بانعاش الوضع الاقتصادي والتصدي لمحاولات التخريب للممتلكات العامة والخاصة وحماية الأشخاص، مؤكدا رفضه لكل محاولات المس بمؤسسات الدولة.” جريدة الصباح التونسية بتاريخ 12/ 5/ 2011.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This