الديني و السياسي في الانتفاضة التونسية (5/5)

 تكرر حركة النهضة القول أنها ليست حزبا دينيا، مشددة على هويتها المدنية الوسطية، و لكن علامات كثيرة تبين أنها توظف الدين رئيسيا في خطاباتها السياسية ، و في أكثر من مرة تم الإمساك بها متلبسة باستعمال الجوامع للدعاية السياسية، من ذلك خطبة ألقاها راشد الغنوشي غداة عودته إلى تونس في جامع الزيتونة، و هو الجامع نفسه الذي أسبغ فيه إمامه عليه رضا الله) 1)مشبها إياه بالصحابة قبل أن ينقلب عليه و يبسط سيطرته علي هذه المؤسسة الدينية العريقة مدعيا أن الرسول زاره في منامه مطالبا إياه بعدم الاستقالة من تأدية هذه الوظيفة الدينية ) 2 ).  

و هى تعزف على أوتار عديدة في نفس الوقت، و تخصص للمقام الواحد أكثر من مقال، أي إنها تناور لكي تصل إلى مبتغاها، فالوسيلة لا أهمية لها أيا كانت طبيعتها، الا بقدر ما تكون مفيدة في الوصول إلى الغاية التي حددتها، و هي السيطرة على السلطة، و هذا ما ظلت تحلم به طيلة عقود. و ينتقي الغنوشي من الدين ما يحلو له فهو لتأكيد الارتباط بين الدين و السياسة و لعسكرة الأتباع يستشهد بالرسول الذي كان قائدا للجيوش و يضع جانبا قوله أنتم أولى بأمور دنياكم، و عندما تدعو الحاجة لتقديم تنازلات و يكون في منبر فكري و تحت الأضواء لا يستنكف من القول ان الصراع في تونس ليس عقائديا بل هو صراع سياسي و أن “للإسلاميين و العلمانيين أرضية مشتركة للعمل” ) 3 ) فالمخاتلة تقتضى ذلك.


تراكم الحركة جزءا من رأسمالها السياسي و الإيديولوجي من خلال استهداف اليسار متهمة إياه بأنه كان وسيلة استعملها نظام بن على ضدها، وأنه طعنها مرات كثيرة، و يرد اليسار بأنها هي من وجه تلك الطعنات عندما استعملها بورقيبة عصا له و طبع مجلتها في دار الحزب الدستوري فوقفت ضد إضراب الشغيلة العام سنة 1978، و خلال عملية قفصة 1980أصدرت بيانا وقفت فيه إلى جانب بورقيبة و قالت إنها مستعدة لحمل السلاح دفاعا عن الوطن، أما بن على فكان حليفها في السنوات الأولى من فترة حكمه،  و شاركت في انتخابات تشريعية تحت سلطته ، و هو الذي مكنها من إصدار جريدة سياسية و أخرج من السجون من وضعهم بورقيبة فيها من بين أعضائها.


و يوجه الإسلاميون إلى اليسار الاتهام بأن الكثير من رموز سلطة بن على كانوا يساريين و قد تذمر الغنوشي في التسعينات من هجرة هؤلاء إلى التجمع، فأصبحوا وزراء و سفراء و إعلاميين مشهورين، بينما كانت حركته تقمع )4 )، غير أنه تغافل عن أن تلك حالة عامة يتساوى فيها انتهازيون من مشارب إيديولوجية و سياسية مختلفة، حتى أن أحد الإسلاميين السابقين الذي أصبح من الأثرياء الكبار، و يمتلك قناة فضائية و صحيفة، و كان من قادة حركة الاتجاه الإسلامي في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي، لم يتوقف عن التهليل لبن على و القسم بأغلظ الأيمان أن ليلى الطرابلسي مسلمة ملتزمة تؤدى صلواتها في إبانها. و هذا السجال بين الطرفين لا يكاد يتوقف و هو على أي حال لم يبدأ الآن و لكنه أواره اشتد أكثر فأكثر عندما أصبحت الحركة مهيمنة على الحكم.


و اللافت أن اليمين الديني أصبح يخوض اليوم معاركه على الساحة الإيديولوجية بشكل خاص، مكفرا خصومه دون مواربة، مما جعله في تناقض مع أطياف واسعة، فعلى سبيل الذكر شنت الحركة هجوما مركزا على فكرة العلمانية، معتبرة أن نظام بن على و بورقيبة كان علمانيا، وهو ما يجانب الحقيقة فذلك النظام كان يستند في مختلف تشريعاته و قوانينه إلى خلفية إسلامية، و حتى عندما أراد بورقيبة صياغة مجلة الأحوال الشخصية فإنه كلف بذلك رجل دين مشهور، و كان هواه مع المساواة في الميراث بين الجنسين و لكنه لم يقدر على تجسيده حقوقيا، بالنظر إلى ما يتضمنه النص القرآني من تعارض مع ذلك المطلب، و غنى عن البيان أن دستور بورقيبة ينص في أول فصوله أن دين الدولة هو الإسلام.


و رغم أن الحركة لا تفوت أية فرصة للتشهير بالعلمانية، فإنها تمتدح في نفس الوقت النظام السياسي في تركيا، دون أدنى تلميح إلى أن ذلك النظام علماني في جوهره، و أن حزب العدالة و التنمية يشتغل ضمن دائرة النظام العلماني لا خارجها، فهي في حرج بقبولها العمل السياسي وفق شروط علمانية، مثل الاحتكام إلى دستور وضعي و المشاركة في البرلمان و التداول على السلطة و اعتماد الديمقراطية، هذا الحرج الذي تحاول الخروج منه بلعبة اصطلاحية فاقدة للمضامين السياسية و الفكرية، باستبدال علمانية الدولة بمدنيتها )5 )، وفضلا عن هذا فإنها بوصلها بين بورقيبة و بن على من جهة و فكرة أيديولوجية هي فكرة العلمانية من جهة ثانية، تريد تصفية الحساب مع خصومها بوصل التكفير بالتخوين.


و إذا نظرنا إلى المسألة موضوع حديثنا من زاوية المتحكم الرئيسي بـ“الربيع العربي” أمكننا ملاحظة أن الامبريالية تستعمل اليمين الديني بشقيه المتطرف و المعتدل، فالشق الأول تستعمله لقمع قوى التقدم، وهى تخيف به الشعب ، و تخلط بواسطته الأوراق متى تطلبت خطة الفوضى الخلاقة ذلك، وهى تتركه ينمو و يتوسع و في اللحظة المناسبة تضربه جزئيا ، فتبدو كمنقذ و قوة إطفاء للحرائق المشتعلة ، و هنا بالذات تستعمل الشق الثاني لتأدية هذا الدور، فهو الذي يمثل الحلول الوسطى بعيدا عن المغالاة، مرممة من خلاله الأنظمة القائمة، لضمان القبول الشعبي،  فالمطلوب كما ذكرنا هو إضفاء النظام و الانسجام على بنيانها العام، و بالتالي سد الأبواب أمام إعصار الثورات، و ما تهتم به ليس الديمقراطية و إنما الثروات.
إن اليمين الديني المتطرف هو عصا الامبريالية بينما يمثل اليمين الديني المعتدل جزرتها،  فالامبرياليون الأمريكيون بصدد رسم ملامح وضع جديد في الوطن العربي كله يتمتع فيه الناس بحرية تأدية الطقوس الدينية و إطلاق اللحى وارتداء النقاب وفي نفس الوقت يحترقون في أتون حروب أهلية يتقاتلون خلالها لأسباب طائفية لعشرات السنين القادمة، بينما يتمتعون هم بالثروات المتدفقة على شركاتهم ومصارفهم.

و لكن هل اليمين الديني على وعى بعملية التوظيف تلك ؟ هل هو شريك آم مجرد وسيلة ؟ بمعنى هل هناك علاقة عضوية بين الطرفين آم مجرد التقاء موضوعي حول مصالح واحدة ؟ إن اليمين الديني يعرف مع من يلعب، و هو يجيد لعبة التجاذب و التنابذ مستندا إيديولوجيا إلى موروث ضخم من الأسانيد و الممارسات التي تبيح المحظورات و المحرمات لتحصيل المنافع و الضرورات، هذا ما لا ينبغي إنكاره ، غير أنه لا يجب النظر إلي الأمر فقط من الزاوية الإيديولوجية و السياسية للإجابة عن تلك الأسئلة، و إنما من زاوية الاقتصاد أيضا أي الطبقات التي يعبر اليمين الديني عنها و هي الطبقات السائدة المرتبطة عضويا بالامبريالية.
إن لعبة أمريكا مع حركة النهضة لعبة قديمة، و ليست منفصلة عن لعبتها مع الحركة الأم ونعنى حركة الإخوان المسلمين، و هناك شكوك تحوم حول العلاقة بين انقلاب 7نوفمبر 1987 الذي وقع فعلا و حالفه النجاح بقيادة بن على، و انقلاب 8 نوفمبر من نفس العام الذي لم يقع و هو الذي كانت تستعد له مجموعة من العسكريين اليمينيين الدينيين، و نحن نرجح أن الامبريالية الأمريكية كانت وراء الانقلابين و أنها احتاطت للأمر، ففي حال عدم نجاح الانقلاب الأول كانت ستحرك مباشرة خيوط الانقلاب الثاني، و هذا ما يفسر كيف أن العناصر المورطة في الانقلاب الثاني سرعان ما تم العفو عنها من قبل بن على نفسه، و إذا دفعنا بهذا التحليل إلى منتهاه فإن ما يحصل الآن ليس إلا تتمة لنفس المسار، فبعد أن استنفذت ورقة بن علي غرضها، جاء دور الورقة الثانية التي أستبعدت لبعض الوقت و لكنها لم تفقد رصيدها تماما، غير أنــها بعد وقت ربما لن يطــول كثيرا ستصبح تالفة )6 ).


و في قلب اللوحة التي رسمت للربيع العربي يبدو اليمين الديني راضيا عن مكاسبه و انتصاراته كما بيناه، دونما إدراك حقيقي لما يحصل، بما يسمح بالقول أنه بانخراطه في “المسار الديمقراطي” )7 ) بأعين أمريكية يخاطر بأن يمنى بخسارة تاريخية كبرى فاليمينيون الدينيون سيدفعون الثمن غاليا على المدى الاستراتيجي، و مثلما تخلصت الامبريالية من بن على و مبارك ستتخلص من الأسماء الجديدة متى أصبحت مستهلكة شعبيا،  و هذا التخلص لن ينتظر وقتا طويلا لكي يتم، فنسق الأحداث في عصر العولمة أسرع مما كان سابقا، و الأزمة الاقتصادية )8 ) التي تقرع الأبواب ستعجل بتلك النهايات، التي قد تكون دراماتيكية فاللعب مع الكبار مكلف جدا، و ربما تُضرب قبل هذا مراكز اليمين الديني خلال الموجة الثانية من الزلزال الحاصل الآن، و نعنى مراكزها الإقليمية، التي يتدفق منها الدعم المالي و الإعلامي و التسليحى أيضا،  تحت عين أمريكا الساهرة.

الهوامش:

1ـ أثار قول ذلك الإمام “الشيخ راشد الغنوشى رضي الله عنه” موجة من الانتقادات منها ما صدر عن عبد الفتاح مورو و هو من الوجوه التاريخية المؤسسة لحركة النهضة و الاتجاه الإسلامي غير أن راشد الغنوشى انبرى مدافعا عن ذلك الوصف و حاول إيجاد تأويلات دينية له.
2 ـ ذكرت جريدة الصباح نيوز الالكترونية بتاريخ 13 – 05 – 2013 أن إمام جامع الزيتونة أكد زيارة النبي محمد له في المنام ومطالبته إياه بعدم التخلي عن الإمامة في الجامع قائلا:“أقسم بالله أني هممت بأن أتخلى عن منصبي كإمام لجامع الزيتونة ولكن ليلتها رأيت رسول الله (صلعم) بالمنام وقال لي بالحرف الواحد :” وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ويئس الْمَصِيرُ ” فقرر مواصلة مهمته و كانت وزارة الشؤون الدينية التونسية أعفت في وقت سابق الإمام المذكور من مهامه غير انه لم يستجب لطلبها . 
3 ـ الشهادة التي قدمها الغنوشى على منبر الذاكرة الوطنية بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات، مصدر سابق.
4 ـ يتعلل النهضويون بأنهم ضحايا للاستبداد و أنهم قدموا مئات المساجين و يستعملون ذلك كميزة نضالية يتفوقون من خلالها على بقية الأحزاب و لكن رد أستاذ جامعي و مفكر تونسي معروف يشاركهم الدفاع عن الإسلام كان مفحما فهؤلاء لم يسجنوا من اجل الحرية و إنما من اجل استبداد آخر يلونه الدين، مما يعني أن التجمع و النهضة وجهان لعملة واحدة من هذه الناحية على الأقل.

5 ـ من مظاهر الخلط و الضبابية المقصودتين يجرى غالبا الحديث عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية و دولة مدنية تفصل بين الدين و الدولة أحيانا أخرى.
6ـ يرى سمير أمين أن الاسلاموية ليست قدرا و حتى إذا ما دعمت الدول الغربية بوضوح هذا التوجه لصالح الاسلاموية” المعتدلة “فإن هذه الأخيرة لن تنجح في البقاء طويلا خاصة في مصر و تونس، و يعزو ذلك إلى وجود قوى تقدمية مؤثرة في هذين البلدين، أنظر تقديم سمير أمين لكتاب المازرى حداد : الوجه الخفي للثورة التونسية. Mezri haddad. la face cachée de la révolution Tunisienne. islamisme et occident.une alliance a haut risque. Préface par Samir Amine. ed.Arabesques2011.p13
7ـ غنى عن البيان أن المسار الديمقراطي الذي يجرى الحديث عنه الآن في تونس و ترعاه أمريكا و الاتحاد الأوربي يذكر في الكثير من وجوهه بما كانت تردده الآلة الدعائية لسلطة بن على الذي يقول احد وزرائه” هل الديمقراطية خيار جديد ؟ نقول نعم، خيار جديد، لم يتهيأ له ورثة الحزب الواحد، و لم تنشأ عليه المعارضة القديمة، خيار جديد يتطلب التجديد في الآليات و في السلوكيات، بدأ مع الرئيس بن على، طريق صعب و طويل و لكنه الطريق الصحيح “، الصادق شعبان، من ديمقراطية المعتقدات إلى ديمقراطية البرامج، البناء الديمقراطي في تونس، تونس ، الدار العربية للكتاب 2005، ص ص 9/10 .
8 ـ يرسم جلبير الأشقر لوحة قاتمة للاقتصاد التونسي خلال حكم النهضة محاولا رصد الأسباب المؤدية إلى تلك الأزمة فبرأيه” إن أداء الاقتصاد التونسي في ظل حكومة النهضة سيكون أسوء منه في ظل الديكتاتورية. و يعود ذلك إلى عدد من العوامل : عدم الاستقرار في تونس ما بعد الديكتاتورية، انعدام كفاءة النهضة في مجال الإدارة الرأسمالية، ضعف ثقة الرأسمالية التونسية في حركة شعبوية برجوازية صغيرة تستلهم الدين وتشمل فصيلا أصوليا متشددا، كما أنها تتودد للسلفيين، وفي المـــقام الأول، قصور الحركة عن وقف تصاعد النضالات الاجتماعية التي حفزها انتصار الانتفاضة ” جلبير الأشقر، الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافي ، الساقي، بيروت 2013، ص 276.

 

الدينى و السياسي في الانتفاضة التونسية (5/1)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This