الديني و السياسي في الانتفاضة التونسية (3/5)

 إن هيمنة الديني على السياسي في البلاد العربية لا تيسر السيرورة الثورية بقدر ما تعسرها، وإذا كان هناك من سبب يفسر أكثر من غيره تلك الهيمنة فهو ضعف تطور وسائل الإنتاج، إذ يتعلق الآمر بوضع اقتصادي و اجتماعي متخلف لا تزال فيه البُنى القديمة بمعايير تطور التاريخ العالمي سائدة، ففي تونس مثلا نجد مجتمعا زراعيا متخلفا، لم تتغير تركيبته الطبقية بصورة جذرية عما كانت عليه زمن الاستعمار المباشر، ورغم القشرة الحداثية و المدنية فإن العلاقات الاجتماعية لا تزل تقليدية، فالرابطة الدموية ظلت قوية، والتنظيم القبلي والأعراف والقيم والعادات العشائرية هي المهيمنة، وفضلا عن الانتماء الديني ، هناك شعور بنخوة الانتماء إلى القبيلة، وفي المنعطفات الحاسمة يقوى الرابط الديني و القبلي متغلبا على رابطة الانتماء إلى وطن واحد، وفي حالات الهدوء والسكينة تجده مثلا في الأفراح و المآتم .

وعندما مرت الرجعية إلى الهجوم ثانية وجدت في القبلية والانتماءات الدينية سلاحا فتاكا فاستعملته، وترتب عن ذلك القتل والنهب والاغتصاب والحرق الذي عانت منه مناطق كثيرة، و تساوى في هذا الريف والمدينة، فحتى في المدن الكبرى بما في ذلك العاصمة تونس نجد العصبية القبلية حاضرة وهناك أحياء تجمع بين ظهرانيها أبناء قبيلة بعينها، وفي جهة الساحل تفجرت معركة كبيرة بين أولاد عيار القادمين من الشمال الغربي وبين “السواحلية”، ورغم أنه لا وجود لطوائف دينية متصارعة فإن تقسيم صفوف الشعب يتم أيضا باصطناع معارك بين شيعة وسنة ومتصوفة ومذاهب مختلفة،  وهو ما لم تنج منه حتى المساجد التي أصبحت تقام فيها أكثر من صلاة في نفس الوقت لكل منها إمامها.

 إن حضور الديني عند الحديث عن العرب في الميديا العالمية يفسر بأن الأمر يتعلق بدين منتشر لدى أمة تمتلك ثروات طبيعية طائلة، وبوطن يصح وصفه بأنه يمثل على صعيد الاستراتيجيا سُرة العالم، وفي الغالب يجرى تصوير العربي في لباس الإرهابي الديني المتعصب، ولم يكن الوضع مختلفا قبل اشتداد ساعد الجماعات الدينية، ففي الستينات و السبعينات من القرن الماضي أستعمل التوصيف نفسه عند الحديث عن الجبهة الشعبية أو جماعة أيلول الأسود الفلسطينيتين مثلا، ولو تعلق الأمر ببلدان فقيرة لا ثروات لها لخبا الاهتمام بـها وتركت لمصيرها، فالعامل الاقتصادي منظورا إليه من زاوية تحكم الامبريالية في إنتاج البترول والغاز بشكل خاص مهم جدا في إدراك طبيعة ذلك الاهتمام.

وبالعودة إلى الوقائع التاريخية القريبة المحيطة بالانتفاضة التونسية نرى أنه بينما كان العمال والمعطلون عن العمل و النقابيون و شرائح واسعة من الشعب يخوضون مواجهات دامية مع سلطة بن على خاصة في الحوض المنجمى، كانت حركة النهضة منهكة تعد لتسوية مع تلك السلطة (1)،  وهناك من عاد من بين رموزها إلى تونس و بدأت الحلقة تضيق حولها و أصبحت في المهجر منقسمة على نفسها،  فضلا عن انفضاض الكثير من مريديها في الداخل و تمرد أقرب أتباعها عليها، ومنهم من حط به الرحال في الحزب الحاكم (2) و بينما كان التجمع الدستوري في موقع قوة كانت هي في موقع ضعف، تبحث عن خشبة إنقاذ فوجدتها بتوجس في “السلفي الصغير” (3)، و كانت تستعد للتسليم بقدرها المحتوم، إذ يكفيها حفاظا على ماء الوجه أن يكون هناك حل لورطتها من داخل السلطة نفسها (4)، وعندما ادلهمت السبل أمامها ظهر بيرق في سماء الوطن فأنقذها، لقد أطلقها الشعب من قيدها، وجاءت الامبريالية لتضع لمساتها الأخيرة على عملية الإنقاذ تلك، وبدت النهضة في اللحظات الأولى غير مصدقة لما حصل، فأسرعت إلى لملمة أوراقها المبعثرة و تغيير وجهتها مصرحة في البداية أنها لم تكن وراء ما جرى، ومع مرور الأيام قالت العكس فالثورة حصلت بفضل شراكة بينها وبين قناة الجزيرة والشيخ القرضاوى على وجه التحديد.
وعلى هذا الصعيد تجد النهضة نفسها في مأزق فقد كانت تحلم بالقيام بعمل ما، تدعي بعده أنها صاحبة الفضل على الشعب لتحريرها إياه ، غير أن الذي حدث هو أن الشعب هو الذي حررها وليس العكس، بل إنه إذا نظرنا إلى الانتفاضة من زاوية القوى التي أطرتها وانخرطت فيها أمكننا القول أن المفارقة التونسية تتــمثل في أن تونس قد تكون البلد الوحيد الذي حرر فيه اليسار اليمين (5).


الهوامش:
1-  كان للتيار الإسلامي المهيمن الذي نشأ أولا باسم الجماعة الإسلامية ثم الاتجاه الإسلامي و أخيرا النهضة علاقته الوثيقة في وقت ما بسلطة بورقيبة و سلطة بن على أيضا، فالمجلة الناطقة باسمه( المعرفة (خلال السبعينات كانت تطبع في دار الحزب الاشتراكي الدستوري و قد ساند ذلك التيارقمع بورقيبة للانتفاضة العمالية سنة 1978 ، وندد بها قائلا “إننا نؤكد من جديد أن التيار الإسلامي هدفه البناء و الإصلاح و لا يرى جدوى في إحداث الفوضى في الشارع، باعتبار أن الفوضى لا تخدم الإسلام ولا مصلحة المسلمين، وأن هذا التيار حريص على تحقيق أهدافه في كنف الحوار والقانون والأمن الاجتماعي.”،  كما ندد بعملية قفصة العسكرية التي نظمها قوميون قريبون من ليبيا القذافى و يوسفيون سابقون و يساريون انتمى بعضهم إلى الجبهتين الشعبية و الديمقراطية لتحرير فلسطين، و عندما جاء بن على إلى الحكم وقع الاتجاه الإسلامي على ما سمى “الميثاق الوطني” الذي اقترحه بن على، و عند التقائه في قصر قرطاج بالجنرال بن على صرح راشد الغنوشى قائلا : ثقتي في الله و في السيد الرئيس زين العابدين بن على،  وبين الغنوشي مجيبا عن سؤال حول تفسيره لمساندة حركة النهضة لابن علي بعد انقلاب 1987 :“عندما جاء بن علي للسلطة رأينا أنه تبنى برامج المعارضة ولاحظنا أنه أطلق سراح عشرة آلاف سجين فوافقناه” جريدة الصباح التونسية بتاريخ 20 آذار (مارس) 2011‎ في نقلها للشهادة التي قدمها الغنوشى على منبر الذاكرة الوطنية بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات، غير أن هذه العلاقة قد شابتها التوترات المتلاحقة أيضــــــا .
و تُتهم الحركة بأنها تقف وراء تفجير بعض الفنادق و حرق مقر للتجمع الدستوري بباب سويقة بالعاصمة التونسية الذى نجم عنه وفاة حارسه الليلي و رغم أنها تنفى ذلك فإن أحد شيوخها يعترف بأن قسما منها اختار العمل المسلح إذ يقول عبد الفتاح مورو “هناك خلاف تاريخي جد في ما مضى في صلب الحركة تمحور حول اختيار النهج المتبع: إما العمل السياسي أو المسلح، وقد قلت آنذاك أن لا للخيار المسلح وهو ما أثار حفيظة البعض .” عبد الفتاح مورو، جريدة الصباح التونسية بتاريخ 28 شباط (فبراير) 2011‎.


2- يُؤاخذ الغنوشي على هروبه من تونس في اللحظة الحاسمة و ترك أتباعه وحدهم في الميدان مما جعل الكثير منهم ينخرطون في صفوف التجمع الدستوري و أنه كان يعيش حياة الرفاه في بريطانيا، غير أن الغنوشى لدفع هذه التهمة يقارن نفسه بالرسول قائلا “إن الهجرة السياسية هي نوع من التمرد.. وهي ليست غريبة على المسلمين فالرسول صلى الله عليه وسلم هاجر أيضا.” جريدة الصباح التونسية بتاريخ 20 آذار (مارس) 2011‎ فى نقلها للشهادة التى قدمها الغنوشى على منبر الذاكرة الوطنية بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات ، و لم يتوان هانى السباعى رئيس مركز المقريزى في العاصمة البريطانية و القريب من تنظيم القاعدة عن اتهام راشد الغنوشى بالعمل لصالح المخابرات البريطانية في منفاه الانكليزي .


3-  “السلفي الصغير” هو صخر الماطرى الذي أنشأ إذاعة دينية في تونس تحت حكم بن على و قد هنأه راشد الغنوشى على ذلك و ورد في برقية التهنئة ما يلى : “يسر حركة النهضة أن تهنئ رجل الأعمال السيد محمد صخر الماطري بتأسيسه لإذاعة”الزيتونة“لخدمة القرآن الكريم، أول مشروع من نوعه في تونس” بيان مؤرخ في 3 رمضان 1428، جريدة البيان الإماراتية بتاريخ 19 سبتمبر 2007.


4-  يقول الغنوشى مشيرا إلى ذلك الانقسام “الاختلاف ينحصر حول المقاربة من السلطة وكيفية مواجهتها… وكنت شخصيا نافضا يدي من إمكانية أن تتطور سلطة بن علي نحو الديمقراطية والحريات” جريدة الصباح التونسية بتاريخ 15 فيفري2011.


5- يتحدث الغنوشى عن البعد الديني لـ“لثورة التونسية” رابطا بينها و بين الشعب المسلم و يتهم البعض بأنه يريدها ثورة لماركس على محمد و هم كارهي الإسلام و الأغراب و اللفيف الأجنبي، يقول : “بقدر ما يستبشر المؤمنون بقدوم رمضان باعتباره شهر البركة والرحمة والرضوان، يتوجس منه كارهو الإسلام وينزعجون، بسبب ما يفرضه عليهم من عزلة بين السكان الأصليين وسط مجتمع مسلم وكأنهم لفيف أجنبي وبقية من بقايا الغزو الاستعماري”. الجزيرة نت، المعرفة : وجهات نظر بتاريخ 3/8 / 2011،  و في هذا تكفير صريح ، فهو من محبي الإسلام لذلك هو وطني أما خصومه فهم كارهين للإسلام و بالتالي كفارا و لا وطنيين و خونة.

الديني و السياسي في الانتفاضة التونسية (3/1)

الديني و السياسي في الانتفاضة التونسية (3/2)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This