هل بدأ الخريف العربي؟!

عندما أشعل التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه إحتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بوزيد لعربة كان يبيع عليها الخضار والفاكهة لكسب رزقه .. لم يكن يدري ـ هو أو أى مواطن عربي آخر ـ أن ثمة ثورة ستشتعل ، لتتحول بعدها إلى كرة نار تدهس أنظمة الحكم العتيقة فى بلدان الجوار ، وينتج ما سُمِّىَ بـ “الربيع العربى”، فأتت البشائر بأن حقبة تاريخية جديدة ومزهرة فى طريقها إلى بلاد العرب بعد عقود من الجفاف.

تخرج الشعوب إلى الشوارع والميادين تطالب بسقوط الحكام ، وتتحول كلمة الشرطية التونسية “فادية حمدي” التى قالتها للبوعزيزى بعد أن صفعته : “إرحل” (بالفرنسية: Dégage) إلى شعار لثورات الربيع العربي ، ويصبح تساقط الحكام والأنظمة أشبه بسقوط ورق الدومينوز المرصوص واحدة تلو الأخرى ، لكن يبدو أن الذاكرة الشعبية للعرب ذاكرة سمكية قصيرة جدًّا؛ لأن هذه الشعوب قد نسيت أو إختارت أن تتناسى أن لكل ثورة أعدائها ، وأن نظاماً مكث رجاله في السلطة لسنوات طويلة وتشعبوا في مفاصل الدولة سوف يسقط بمجرد تنحي رئيسه أو قتله.

في الواقع أن الإنسان هو من يعطي للتغيير قيمته ، فقد نغير الدستور والقوانين ونعيد رسم النظام الإداري للدولة بما يحسن حياة الناس ويغيرها للأفضل، ويمكن تسمية هذا التغيير “ثورة”، لكن من أين يأتى النفع إذا كانت الثورة مجرد تغيير للدكتاتور وإستبداله بآخر، وإستبدال العَلَم وتغيير النشيد ؟!، هذا ليس نقداً للثورة أو تقريعاً للثوار ، إنما هو قراءة واقعية للثورات العربية وهي في طريقها نحو الخريف ، فهل بدأ الخريف العربي حقاً ؟!

في مصر يعود العسكر إلى الحكم من خلال إنتخاب وزير الدفاع السابق “عبدالفتاح السيسي” ،ويعود معه رجال نظام مبارك إلى الواجهة ويصيروا ملء السمع والبصر و يتم الإستعانة بالحرس القديم لتشكيل حكومة جديدة، وفى الجزائر ـ التى لم تخرج مظاهراتها عن كونها مظاهرات إحتجاجية لم تصل حد الثورة والإطاحة بالنظام ـ يُنَصِب “بوتفليقة” نفسه لولاية رئاسية رابعة ، أما سوريا وبعد ثلاث سنوات من بداية ثورتها يُهْدِي بشار الأسد نفسه ولاية رئاسية ثالثة على التوالي ، لكن الفرق هذه المرة أنها جاءت عبر الإنتخابات المباشرة للوصول إلى السلطة بدلاً من الإستفتاء الشعبي الذي دأب والده “حافظ الأسد” على تنظيمه منذ السبعينات ، لكن حتى لو كانت الولاية الثالثة من خلال الإستفتاء ، فإن شيئاً لن يتغير ، فبحسب تقاليد العائلة الأسدية ، يتم إعداد كل شيء حتى تكون نتيجة الانتخابات جاهزة حتى قبل إجرائها.

إذن أين ذهبت الأحلام الوردية بالدولة المدنية الرشيدة القائمة على مبادئ الدستور فى مصر؟ ، أين دولة سيادة الأمن وإحترام القانون فى ليبيا ؟ ، أين الإصلاح والأمن والتنمية فى اليمن ؟، وأين التطور والإستثمار فى تونس؟ ، متى نرى محاكمات عادلة و واضحة لرموز الأنظمة القديمة ؟ ، متى تعود الأموال المهربة فى بنوك أوروبا إلى الأوطان العربية ؟ .. وأين العرب من مساندة الثورة السورية التى مازالت فى مرحلة المخاض العسير حتى اللحظة ؟! ، ثلاث سنوات من الربيع العربي ، أفرزت أمامنا حالة غير مسبوقة من الفوضى والعنف والقتل وإستباحة الدماء ، وقتل للإنسان وهدم للبنيان ،فهل تساقطت أوراق الربيع وبدأ خريف الثورات العربية ؟!

يقول السياسي الأمريكي أدلاي ستيفنسون : “من الممكن إيقاف الثورة في بدايتها ،وليس فى نهايتها” ، ربما كانت البدايات غاية في البساطة، لكنها سقطت جميعها في مستنقع لا يعلم أحد كيف سيكون الخروج منه ، حيث توغلت الأنظمة القديمة فى مفاصل الثورة تفسدها ، هذا إلى جانب النقائص الموجودة لدى كثير من الثوار أنفسهم وخلافاتهم التى لا تنتهى ، حتى صاروا جميعاً مرضى بما يسميه علماء الإجتماع السياسي revolutionary romanticism أي الرومانسية الثورية، وهي حالة من التمجيد العاطفي للتحول والتغيير والثورة ، ثم حين تظهر بوادر الفشل يتحول هؤلاء إلى حالة من التخبط والإنكار، وإتهام النظام السابق بالسعي لإجهاض الثورة وهدمها ، دون الأخذ فى الحسبان أنهم ـ هم أنفسهم ـ من أعطوا الفرصة للنظام القديم كي يفعل فعلته المزعومة ويسعى لإجهاض الثورة.

يحزننى أن أرى جذوة الثورات العربية آخذة في الخمود والتراجع ، الصورة لم تعد زاهية مثل الإحتفال الأول بميدان التحرير القاهري بسقوط مبارك ، وغابت رائحة الياسمين عن ثورة تونس ، و زاد جدب الصحراء الليبية بعد أن كثرت المشكلات الأمنية على حساب إستزراع الفيافى ، أما سوريا فوضعها يتحول من “سئ” إلى “أسوأ” ، غريب حقاً أن تجد بعض الناس فى حالة مفاجأة من أن بشار قد فاز فى مسرحية الانتخابات الرئاسية الاخيرة ، لكن الأغرب أن تجد نسبة المشاركة وقد بلغت 73.4% ، بمعنى أن“11 مليونا و634 الفا و412” من أصل 15“مليونا و840 ألفا و575” ناخباً من داخل سوريا وخارجها قد شاركوا فيها ، بالرغم من أن نصف مساحة البلاد خارج سيطرة السلطة و أن نحو ثلاثة ملايين سوري لاجئ في دول الجوار ونحو سبعة ملايين نازح داخلها ، هذه نسبة ضخمة مقارنة بنسبة المشاركة فى الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة التى تمت على مدار ثلاثة أيام ، وفى جو أكثر هدوءاً من سوريا ، وفى ظل عمليات تحشيد ضخمة من قِبل وسائل الإعلام المصرية ، حيث بلغت نسبة المشاركة 47,45% فقط ! ، حتى نسبة المشاركة فى الإنتخابات المصرية الأخيرة تعد قليلة بالنسبة لسابقتها ، وهو ما يعنى أن المواطن لم يعد يكترث بشأن الإنتخابات وما ستفرزه ، لأنه قد جرّبها على مدى ثلاث سنوات مضت ولم تًعُد عليه بأى نفع ، و“ظاهرة التراجع” هذه قد تكون أول بشائر الخريف العربي.

وكما قال اليكس دو توكوفيل :“في الثورة كما في الرواية ، ان أصعب مرحلة هي الخاتمة” .. لا نجد من بين خواتيم الثورات العربية حتى ألان ما يشبع من جوع أو يؤمن من خوف ، بل من المحزن حقاً ألا ينعم المواطن العربي بفرصة حقيقية لقطف ثمار ثورته ، ومستفز بقاء الطغاة والفاسدين وتكاثرهم في مواقع السلطة وصنع القرار، ومن المخزي قبول وجودهم وكأنهم قدر لا فكاك منه ، لكن المحزن حد البكاء هو أن تنهار أحلام الربيع ويبدأ الخريف قبل موعده.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق