تعليق – ويسألونك عن “داعش” / محمد صالح ابو الحمايل

اعتاد أبو صالح في نهاية كل شهر أن ييمم شطر المستوصف الذي يتابع فيه أيضا علاجه وفحوصه المخبرية، لشراء أدويته الموصوفة له. كان سعيدا بتيسر الحصول على الدواء بخفض الثمن الذي يقدمه المستوصف بما يبلغ النصف أحياناً، على رغم أن هذه السعادة كان يشوبها بعض القلق من إمكان نقص أحد الأدوية الغالية الثمن فيضطر لشرائها من السوق العادية بثمنها العادي أيضا فتهتز الموازنة وتضطرب.

وكانت عملية التوفير تتجاوز المئة والخمسين ألف ليرة لبنانية لأدوية القلب والضغط والسكري والدهنيات، وأبو صالح هو واحد ممن يزيد على نصف سكان لبنان الذين لا يستفيدون من أي تقديمات إجتماعية أو صحية. هذه الفئة من الناس الذين يسمّون متكسبين أو شبه عاطلين عن العمل أو عاطلين بالكامل، تدبر أمور حياتها وعلاجها من طريق تقديم المستوصفات القليلة الموجودة هنا وهنالك. كعادته توجه أبو صالح مع نهاية هذا الشهر إلى المستوصف المعتاد وهو يدعو أن لا ينقص عليه أي دواء مما هو موصوف فيضطر لشرائه من الخارج ويدفع ثمنه كاملا من دون خفض. وصل الرجل إلى المستوصف وتقدّم من شبّاك الصيدلية وبيده “الوصفة” كالمعتاد. ألقى التحية، لكن الصيدلانية أخبرته، أن تعميماً صدر من “وزارة الصحة العامة” يمنع على المستوصفات من الآن وصاعدا بيع الدواء للمرضى. نزل النبأ عليه نزول الصاعقة وأحدث في رأسه دواراً كاد يتهاوى من أثره إلى الأرض لولا أن أدركه بعض الحضور وأجلسوه فوق كرسي قريب.

مضت دقائق قليلة استجمع فيها أبو صالح ما بقي من قواه، فهو قد تجاوز السبعين بقليل، واتجه ثانية نحو نافذة الصيدلية ليتأكد من حقيقة الأمر، فأكدت الصيدلانية له ذلك. عاد بالذاكرة، يوم انتخب مجلس نقابة أصحاب الصيادلة، وفاز بمنصب النقيب أحد الصيادلة المنتمين إلى التيار السياسي الذي يؤيده، وكان أول قرار أصدره مجلس النقابة الجديد، منع الخفوضات على أسعار الدواء وتوحيد التسعيرة تحت طائلة توقيع العقوبة ضد الصيدلية المخالفة، أي منع المنافسة بين الصيدليات التي سوف يستفيد منها المريض، والقرار الآخر منع الصيدليات من القيام بخدمة الزبائن بتوصيل الدواء إلى المرضى العاجزين في بيوتهم، فأخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة تطوعاً.

يتذكر وهو عائد إلى بيته ليخلو إلى نفسه ويدبر أموره في ما استجد، ويستعرض تاريخ الصراع بين محتكري الدواء وتجار آلام المواطنين وبين التعاونيات التي خفضت في زمانها أسعار الدواء بنسبة بين الثلاثين والخمسين في المئة، وكيف ربح تجار البؤس والشقاء الدعوى على التعاونيات أمام القضاء، وارتسمت في مخيلته صورة وزير الصحة إميل البيطار النجم المضيء في سماء الفقراء وعدوّ محتكري الدواء الذي رفض رشاواهم وتهديداتهم بفبركة الأكاذيب التي جنّدوا لها الصحافة المأجورة لينالوا من شموخه وعزته، شهيد البؤساء والمحرومين الذي قضى حسرة وقرفا من حقارتهم. كانت لحظات يأس التفّت حول أبو صالح وهو يسير مفكراً كيف يصارع هذا الطغيان وينتصر عليه. وإن مرت به لحظات يأس عارضة يردد معها “ويسألونك عن داعش” فقل إن داعش هي من صنع أيديكم وأطماعكم.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق