المونودراما النسوية

(I)

لماذا تُقبِلُ المرأةُ المسرحية العربية بشكل متزايد على ممارسة المسرح من خلال هذا الجنس ألا وهو المونودراما ؟
إن الأمر ببساطة : هو الحب .
“الحبُّ هنا ليس إهراقا للسّر أو بوْحًا به، إنه تلك القوة التي تُحوّل الفعل إلى وعي، ثمّ إلى تنفيذ : إنه الحب الذي يفتح عينيه . هل من الواجب أن نتحوّل إلى” متعصّبين “لبريشت، لكيْ نتحقّق أن هذا المسرح يحترق ؟” (1). هكذا يَختِمُ رولان بارط R. Barthes مقالته الشّهيرة حول مسرحية “الأم” لغوركي مؤكدا أن موضوعها الجوهري هو الأمومة، الأمومة المقدّسة، منبّها الجمهور الفرنسي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي من خلوّ هذه المسرحية من الكولسترول الأيديولوجي .
لكن بارط في سياق اهتمامه بمسرح بريشت يتوقفُ كثيرا في تفكيك مسرحية “الأم كوراج و أبناؤها” عند بؤرة مفصلية في عمل الممثلة هايلن فايغل H . Weigel التي يعتبرُ عملها الأدائي من أهمّ اللوحات في المسرحية، حين يشيرُ إلى صرخة الأم عندما يصلها نبأ مقتل إبنها في الجبهة . تعبّرُ الأم عن هذا الحدث بصرخة مرئية غير مسموعة شبيهة بصرخة إدوارد مونش E. Munch في لوحته الشهيرة “الصرخة” Le Cri .بارط يعتبر إن هذه اللحظة هي عبارة عن لوحة حيّة كما الحالُ في الرّسم السّردي، إذ هي عبارة عن حركة معلقة مثبتة افتراضيا في اللحظة الأكثر هشاشة و الأعمق دلالة في التعبير، و يُسمّي بارط هذا اللحظة المعلقة بـالمفردة “نومان numen” التي تعود إلى الحركة القديمة في المسرح الإغريقي حين توافق الآلهة أو ترفض مصيرا ما (2)، لكن المصير هنا فاجعٌ و موغلٌ في القتامة و الحُنق . إن المتأمّل في بلاغة الصّرخة، صرخةُ الأم كوراج، تدفعني إلى التفكير في مسألة أساسية مفادها أن مسرحية بريشت التي ذكرتُ هي لاشيء غير مسرحية مونودرامية كان بإمكان بريشت أن يُنجزها دون اللجوء إلى القالب الدرامي الذي قدمها فيه، و كان بإمكان رفيقة دربه الإبداعي هالين فايغل أن تتقمص كل الأدوار بما في ذلك دور الأبناء و بقية الشّخصيات.

(II)

تتمتّعُ المونودراما كجنس مسرحيّ كتابيّ و فرجويّ بفتنة آسرة، فتنة لا تقاوم و لا نعرف بالذات مردّها، لكنها فتنة كأدَاءٌ تتحدّى المتلقّي إذْ تُطالبُه بمزيد من النّباهة و التّركيز، فالمقبلُ على المونودراما كأنه محمولٌ على رهان عسير، رهانُ الفوز بوّد إمرأة صعبة المنال و المراس . النقدُ عادة و التنظير حول المونودراما لا يجدان في الحقيقة ما يتلقفاهُ من الأداء المونودرامي حين يكون تألقا محضا إلا الفُتاتَ . ففرجة المونودراما قد لا تحتاجُ إلى النقد و التنظير اللهم ما يستوجبه التفكيك الإجرائي للأداء عند العارفين بعمل الممثل و أسراره، و قد يتعثرُ هذا التفكيكُ نفسهُ حين يُوَاجِهُ تلك الذّرى الدرامية العالية التي تستعرضها المونودراما من خلال عمل الممثل (ة) كتألق أدائي أي كـ : برفرمونس Performance .

الفتنةُ قد تكون كامنة في تاء التأنيث، أو قد تكون كامنة في حَدْسِ المتلقي بأن هذا الفن مرتبط أشد الإرتباط بالمرأة، أي بالمرأة الكاتبة أو المخرجة أو الممثلة أو ثلاثتهن معا، و قد يعود هذا – و الحال أننا نشهد تزايد الأعمال المونودرامية على الخشبات العربية منذ عقدين من الزمن تقدمها فنانات مسرحيات عربيات – إلى أن الفن المونودرامي هو فن الملحمية بلا منازع و فن العودة إلى المسرح في لحظته الأمومية المكثفة.

إن المقصود بالملحمية هنا هو الشّعرية ذات التأصل بالإنشاء الشفوي أو السّرد الشّفاهي أو الحكي, و كلاهما متأصل في رحم الذاكرة الأولى، ذاكرة الكائن التي تتشكل على لسان السّند الأمُوميّ منذ التطلع إلى بهرة هذه العالم بدهشته الآسرة . و الأموميّةُ هنا في تباين تعبيريّ مع الذكورية البطرياركية القاهرة بسلطة القلم و الكتابة و التدوين . أليست جداتنا و أمهاتنا في ثقافتنا العربية متأصلات في فن القول و السّرد و الحكي . أليستْ جدّاتنا و أمّهاتنا أوّلُ من مارس بشكل ملحمي المونودراما ؟ 

أقولُ هذا الرأي و أنا أفكر في الملحمة الهومرية تحديدا، في الإلياذة و الأوديسا . و أكاد أقول أن الإلياذة التي يعتبرها الكثير من المحللين رواية ذكورية فإن أحداثها قامت من أجل إنقاذ أو استرداد امرأة ( أنثى) هي هيلينا Hélène جدّةُ الإغريق و باسْمِها تسمّى الإغريق هيلينيين، و بالمقابل فإن الأوديسا ثمة من يعتبرُها رواية أنثويّة بإمتياز قامت من أجل إنقاذ أو استرداد رجل هو أوليس أو أوديسيس من الضّياع و التّوهان . هذا التباينُ بين الملحمتين يجعلني أتذكّرُ الأطروحة التي اجترحها الكاتب البريطاني صاموئيل بتلر Samuel Butler حين اعتبر أن الأوديسا لم يروها شاعر إغريقي أعمى اسمه هوميروس، بل أن رَاوِية إغريقية من صقلية هي التي تولت سرد الأوديسا، و هي نفس الأطروحة التي تولى بلورتها الفيلسوف الفرنسي رايمون روير Raymond Ruyer في مؤلفه الشّهير “هوميروس في المؤنث، أو الشابة التي روت الأوديسا” (3) .

(III)

إننا نعتقد أن فن المونودراما ملحمي بامتياز بمعنييه، المعنى الملحمي المنسوب للقول الشفوي الذي كان في الأصل الرّحم التعبيري الذي ولدت منه الدراما، أي دراما كما تفهم انطلاقا من التصور الأرسطي، و نعتقد أن العودة إلى المونودراما، هي عودة للأصول المخفية للتراجيديا بمفهومها الشاسع، و ليست التراجيديا كما قننها أرسطو . و نعتقد أيضا أن العودة إلى الأصول مسألة في غاية الأهمية، ذلك أنها تنفض الغبار عن المخفي في أساليب القول و تكشف في ذات الوقت عن العناصر الأصيلة التي تم تهميشها في التاريخ الطويل للإبداع الإنساني لعدة أسباب لعل من بين أهمها غلبة النّسق الذكوري عن الميراث الأمومي الأول عند نشأة الحضارات.

و لعله في هذا السياق لابد من التذكير بالأصول الدينية للمسرح الإغريقي، حين كان الوحي “الإلهي” في معبد دلف تتلقاه الكاهنات المقدسات حارسات ديونيسوس Dionysos و عذاباته . ديونسوس كاختزال للألوهية الخصبة و القوة الجذلي المبشّرة بالبعث و الرّخاء و النشوة في الوجود و بالوجود، أي الحياة و لا شيء غير الحياة، ديونيسوس إله المسرح البدائي . و هل كان من باب الصدفة أن يلهم فردريك نيتشه في نصه حول “ميلاد المأساة” منظر المونودراما الروسي نيكولاي إفراينوف N.Evreinoff أن المسرح في جوهره هو صلاة الممثل الأوحد في الخشبة تبسيس Thespis من أجل ديونيسوس المتألم الذي تحول إلى بطل تراجيدي بدائي (4).
و المعنى الثاني لملحمية المونودراما هو المعنى البريشتي، أي اللادرامي القائم على كسر قوانين الدرامي و التعـويل على المشافهة و التركيـب و الازدواج اللامتنـاهي للشخصيـة قصد تحـقيق التغريــــب
Distanciation لدى المتلقي . ألم ينتبه بريشت Brecht و كان مصحوبا بإزنشتاين Eisenstein و تراتيكوف Tretiakov و مايرهولد Meyerholdو قبل أن يطور نظريته في المسرح الملحمي إلى حدث تاريخي جذاب، حين تكشف على المونودروما الصينية على أثر مشاهده للتألق الأدائي للفنان المسرحي الصيني القادم من أوبيرا بيكين الدكتور ماي لان- قانغ Mei Lan- fang الذي قدم أمامهم في بداية ثلاثينات القرن الماضي إلى جاء الإتحاد السوفياتي تمرينا تألقيا حول كيفية نقمص الممثل الصيني لأدوار متراصة لحالات المرأة في شتى نوازعها التعبيرة و العودة إلى شخص الممثل ( أي الدكتور ماي لان- فانغ ) و هو يؤدي كل هذه الأدوار (5) . ألم تكن هذه المونودراما الكشف القادح لمنهج مسرحي برمته عرف كيف يستثمره بريشت في مسرحه نظرية و ممارسة ؟, و من هنا فإن بريشت مدين لتجليات المونودراما و قوتها التكثيفية سواء على المستوى الدراماتورجي أو على المستوى الأدائي .

(IV)

انطلاقا من هاتين الخاصيتين للمونودراما و المتمثلتين في الملحمية سواء من بمعنى النسغ الشّفوي ذي العلاقة الوطيدة بالأمومة أو القدرة على التملص من قوانين الدراما القاهرة، فإن هذا الجنس المسرحي علاوة على كل ذلك هو مسرح الذاتية بلا منازع، الذاتية هنا مقابلة للموضوعية التي يدعيها مسرح الأطروحة بكل أنواعه . و نعتقد أن هذه الخاصية أي “الذاتية” هي مربط الفرس في هذا الجنس المسرحي الذي نكاد نقرّ مجازفين بأنه جنس مسرحي نسوي .
لا يذهبن بكم الأمر بأن إقبال العنصر النسائي على المونودراما سببه على الأقل عند الممثلات المسرحيات رغبتهن في تأكيد موهبتهم التمثيلية فهذا أمر ثانوي و نسبي، إنني أعتقد أن إنجذاب العنصر النسائي للمونودراما أكثرا تعبيرا عن تلك “الحاجة الداخلية” nécessité intérieure على حد تعبير كندنسكي
Kandinsky الكامنة في الذات النسوية في مجتمعات القهر الإجتماعي و الثقافي و السياسي .
لن أذكّر بوضعية المرأة العربية في مجتمعاتنا، و لن أذكر أيضا بالنظرة الدونية للفنانة المسرحية في الذهنيات التقليدية، كما لن أذكر أصلا كيف تنظر الجموع في المجتمعات العربية إلى فن التمثيل أصلا منذ نكبة أبي خليل القباني مرورا بخلو بعض المسارح من العنصر النسائي وصولا إلى الإعتداء على المسرحيين نساء و رجالا في شارع تونس الرئيسي بعد “الثورة” و تحديدا أمام المسرح البلدي و تكفيرهم و قذف أعراضهم .
إن المسرح لن ينقطع عن الحياة و عن حاضره و هذا أمر بديهي . و قد يجد بعض المنظرين المسرحيين في “نظرية الأنانية” la théorie de l’égoïsme القاعدة التي قامت عليها المونودراما في نهاية القرن التاسع عشر في تاريخ المسرح الغربي تحت تأثير الشعراء الرمزيين الذين نادوا بعلوية الذاتية و التي مفادها في نظرهم أن العالم يدور حول “الأنا”، أي الأنا المبدعة للفنان التي يحولها الفنان نفسه إلى موضوع للتأمل الجمالي, و هو ما عبر عنه بشكل صريح منظر المونودراما نيكولاس إفراينوف بضرورة تحويل حياة الفنان نفسه إلى عمل فني، الشيء الذي دفعه إلى ابتكار فكرة الفنان المخلص لا فقط فوق الخشبة المسرحية للمونودراما، بل الفنان المخلص في الحياة، و هو ما دفعه أيضا طوال تفكيره في المونودراما إلى إبتكار شخصية “المسيح – الأرلكان” Le Christ – Arlequin بوصفها ذاتا مخلصة عبر الطاقة التحويلية للمسرح (6).

غير أن هذه النظرية و إن كانت صحيحة في المسرح الغربي كردة فعل عن إبتذال المونودراما في نهاية القرن التسع عشر التي بات عبارة عن مسخ مسرحي يعتمد مونولوغات متتابعة من مشاهد تراجيدية يقدمها ممثل واحد ليبرهن على موهبته التمثيلية كنجم مسرحي، فإن المسألة بالنسبة للمونودراما التي تقبل عليها الممثلة المسرحية العربية لا علاقة لها في الحقيقة بهذا النزوع لجعل ذات الممثلة المسرحية عملا فنيا في حد ذاته، فإنه ليس من الواضح أصلا أن الممثلة المسرحية العربية التي تصعد إلى الخشبة دافعها الأول حب الظهورية أو استجابة لما يفرضه نظام النجومية إلا إذا كان الأمر متعلقا بنوعية المسرح الإستهلاكي ذي العلاقة الوطيدة بما كرسه التلفزيون عبر تسويق الممثل النجم كما يتجلى هنا و هنالك في ظاهرة الوان مان شو .

(V)

أجل أن نزوع الفنانة المسرحية العربية إلى ممارسة فن المونودراما، و هو أن الممثلة المسرحية العربية بوصفها امرأة – إذ أنها لا تختلف على كل نساء الكون و كل الفنانات المسرحية في العالم – تحبذ بل تعشق أن تشاهد عامة، و أن تشاهد واقفة على الخشبة وحدها لا يزاحمها في أحد، وحدها في العتمة و الضوء، كأن الحياة و التكوين يبدأ بها و ينتهي عندها . أجل ثمة نوع من النرجسية، لكنها ليست النرجسية المرضية التي يتحدث عنها علم النفس، أنها نرجسية من درجة ثانية لا تخرج عن نطاق إفتكاك دور نرسيس ( النرجس )، لكنها نرسيس أنثوي جديد لا يحدّق في وجهه المنعكس على مرآة الماء، و لا يحدق كما يشير جون بودريار Jean Baudrillard في سديم الهوّة السّحيقة أو العدم الذي من تحت صحيفة أو صفيحة الماء العاكسة (7)، أنها نرسيس جديد يدرك أن المسرح مرآة، و هي المرآة التي تفرض على الجمهور مشاهدتها و في نفس الوقت فإنها تشاهد نفسها و في نفس الوقت تشاهد نفسها تشاهد من يشاهدها .
المرأة أي الممثلة في المونودراما لا تبحث عن شقيقتها أو عن شقيقها كما يفعل نرسيس محدقا في مرآة الماء عله يعثر عن شقيقته أو شبيهته إلى أن ينتهي ب هبه الأمر إلى الفناء، إنها النرسيس الجديد الذي من خلاله يجد المتفرج نفسه التي ضيعها، لأن في المونودراما لا هروب، لا استسلام لا تجزء لا مصالحة، إنها المجاهدة العنيدة الفاتكة بين الممثلة و المتفرج، المونودراما هنا قاتلة متربصة تتحدى المسرح العادي الذي يذرذر الإنتباه و يجزء زاوية النظر و الإهتمام . و يصيب هنا إفراينوف حين يؤكد على الرؤيةالمركزة كشرط أساسي لإكتمال لعبة المونودراما . أجل في المونودراما عود على رمزية الرؤية القاتلة رؤية الميدوزا أو أكاد أقول رؤية “البومة العمياء” على رأي الروائي صادق هدايات أو أكاد أقول رؤية البومة المتيقظة كترميز لأثينا بالاص Athéna Pallas و هي تحرس المدينة بل تحرس الحضارة و الحياة .

(VI)

إن المرأة المسرحية العربية و هي تُقدم على المونودراما، إنما هي في الحقيقة تمارس فعلا سياسيا بشكل فوري و مباشر و هي المطرودة أصلا من حياة السياسة التي تولتها الذكورة و الفحولة و الباطرياركية، و فعلها السياسي في هذا السياق فعل أكثر حيوية باعتباره يتجاوز السّياسي في جانبه السّلطوي ليحقق ما نُسمّيه التماثل أو التعرف الكلي Identification totale الحاصل عند المشاهد خاصة و أن حضور المرأة في حياتنا العربية يشكل دائما حضورا لافتنا و خارقا و استثنائيا، و أكاد أقول أن خشبة المسرح في الموندراما بالنسبة للفنانة العربية هي فضاؤها السّياسي بامتياز و حلبة نزالها المفضلة بوصفها هي الأنا التي الحقيقة و المتخيلة في نفس الوقت التي تقارع الأنا الأخرى المشاهدة أو المتلصّصة . على خشبة المونودراما بإمكان الممثلة أن تلعب كل الأدوار بما في ذلك دور الآخر الذي ينفيها في الواقع و الضمير و في الوعي و في اللاوعي .
خشبة المسرح تحت قدميها تتحول إلى دائرة . ميالة الدراماتورجيا في المونودراما النسوية إلى الدائرية، تذكير خفي بالحضن، و الدائرة التي هي قطبها و أفعالها و مقولها أقطار هذه الدائرة، كما تذكرنا هذه الدائرة بالأغوار، و دائرية الأغورا كما دائرة الأركسترا في المسرح الهيليني الإغريقي تذكر كما يؤكد الفيلسوف ميشال سير Michel Serres بدائرة السياسية أو بدائرة المدينة (8) و من ورائها دائرة الحضارة أو ما يسميه الفضاء الممركز، و في هذا الفضاء الممركز المكتض بالطاقة الكهربائية بين الباث و المتلقي تمارس المرأة سياستها و سياستها إستراتيجية الإبلاغ الكلي و تكتيكها الغواية ثم الغواية ثم الغواية .

(VII)
لماذا تقبل المرأة المسرحية العربية بشكل متزايد على ممارسة المسرح من خلال هذا الجنس ألا و هو المونودراما ؟ .
إنها مرّة أخرى وهج اللغة، المرأة العربية تستأهل الإحتفال باللغة في بعدها البدئي و ليس بعدها البياني، فاللغة هي المساحة الوحيدة لرسم ملامح الهويّة، لأن الهويّة لا ينشئُها البيان بل يتمّمها، اللغة الطمْي كخلاصة للترسّبات . أليس نكرّر دون وعي و دون تثبّت في سياق خطاباتنا كلمة “اللغة الأم”، و يكرّرها كل العالم الغربي بنفس الدلالة بوعي أو بدون وعي . اللغة دائما هي الأقرب لتثبيت الهوية، والمرأة هي الأقرب لثبيت هذه الهوية عن طريق اللغة . و عكس ما يذهب في أذهان البعض أن الهويّة تثبّتها القوانين، و ديابيج أو ديباجات الدساتير كما هو الحال عندنا ( في تونس ) حين يتوهّمُ البعضُ أن تثبيت الهوية قد حُسم أمره في الدستور الجديد بمقولة الديباجة “تونس دولة حرة مستقلة، الإسلام دينها، و العربية لغتها” . إن هذا الأمر مجرد وهم على الورق، لأن هوية الأمة في هوية الأم، في هوية المرأة الحمّالة للغة و الحارسة الوحيدة للهوية، و لا غرابة أن المرأة في بلدي تونس هي رأس حربة كل إحتجاج و رفض لكل التلاعبات البيانية في اللغة و في العنف الرّمزي الذي يتم تصريفه سياسيا من خلال اللغة التي المنطوقة ذكوريا في قالب سياسي و قانوني . كم تحتاج الدساتير من لغة و نحو صرف و بلاغة لكي تلحق باللغة الأم، اللغة – المرأة التي كلما حنقت تنوب عنها المرأة على الخشبة في المونودراما .
و لأن المرأة ثابتة و الرجل متحوّل فإن المرأة الجديرة بأن تكون اللغة على الخشبة حتى و إن لم تتكلم، لأن كل شيء فيها لغة، و كل شيء فيها ينقذ ذواتنا من الخراب . إنها كافلة الأمن الغذائي الرّمزي، مؤسّسة الحضارة و الزراعة، و لم يخطئ رولان بارط حين كتب “المرأة مستقرة و الرّجل صياد”، بمعنى آخر المرأة بينيلوب و الرّجل أوليس . و لدينا في ثقافتنا العربية أكبر شاهد مدونة “ألف ليلة و ليلة” و هي ملحمة العرب الجمالية بعد الشعر و القرآن التي يجمع الدارسون أنها ملحمية بإمتياز لأنها شفوية، و لأنها أيضا تصور شهرزاد أيقونة المرأة التي تنجى من الهلاك عن اللغة كل ليلة في حلم نهاري، تسمح للرجل الشهريار بالحفاظ على دولته ( كتورية سياسية على أوج الدولة في زمن الرشيد العباسي ) كل يوم لأنها تنقذه كل ليلة في الحكاية من الجنون و تنقذه من الإنتحار، بل تنقذه و تعيد إنشاءه في الخرافة كل ليلة إذ هو خارج الحكاية هباء .
أليست شهرزاد العربية مبتكرة الميلودراما قبل قيامها في المسرح الغربي . أليست الدولة و السياسة و الحضارة إلا شهريار لا خلاص لها إلا باللغة و من خلال شهرزاد ؟ .

(VII)
قلت لعله الأمر ببساطة :
الحب .
أنا في الحقيقة أهرب من الجواب لأني ببساطة لا أملكه قدر امتلاكي للسؤال . لكنني أملك يقينا واحدا تشكل عندي حين أشاهد المرأة في المونودراما، يقين مفاده أنها لا تؤدي دورا، أي دورا مسرحيا مهما كانت درجة الأداء في الكذب الصادق أو الصدق الكاذب، و مهما كانت درجة اختيارها للأنساق في قواعد التمثيل …
إنها بكل بساطة لا تمثل، إنها تعيش، و أكاد أبالغ حين أقول أن الممثلة المسرحية عاجزة تماما على التمثيل في المونودراما، لأنها فقط تحيا و تعيش . أفكر في صور ممثلات عربيات في الميلودراما : جليلة بكار، ثريا جبران، جليلة بكار، ناجية الورغي، رجاء بن عمار, صونيا، مها الصالح، سميرة أحمد، زهيرة بن عمار، ندى الحمصي، أمل عرفة، ميراي معلوف، زايخة برّاح، سناء محمود، نورا أمين، ريمحجاب، سندرا ماضي، غادة الفيحاني، سماء إبراهيم، ، لطيفة أحرار, ريهام عبد الرزاق … و غيرهن كثيرات، أفكر فيهن في عزلتهن على الخشبة . وحدهن يملكن الإجابة عن السؤال :
لماذا تُقبِلُ المرأةُ المسرحية العربية بشكل متزايد على ممارسة المسرح من خلال المونودراما ؟
إنهن نوّارات ملح في مسرح يحترق … ثمة رائحة حريق في المسرح العربي .

الإحالات و المراجع:

(1) – مقالة رولان بارط، التي عنوانها “حول الأم لبريشت”Sur la Mère de Brecht التي نشرها في مجلة المسرح الشعبي، 1960, أنظر المقال أيضا في كتاب “كتابات حول المسرح” Ecrit sur le théâtre لرولان بارط Roland Barthes، جمع نصوصه جون – لو ريفيار، دار سوي للنشر، Edition du Seuil باريس 2002 .
(2) – ظهر كتاب “هوميروس، أو الشابة التي روت الأوديسا” Homère au féminin، la jeune femme auteur de l’Odyssée لرايمون روير عام 1977 عن دار كوبرينيك Copernic، و للتذكير فإن رايمون روير (1909 – 1987) أستاذ الفلسفة في جامعة نانسي الفرنسية و باحث في مجال الإبستيمولوجيا و علم الأرحام .
(3) – أنظر مقالة رولان بارط “تعليق، مقدمة لبريشت، الأم كوراج و أبنائها” Commentaire ; Préface à Brecht، Mère Courage et ses enfants (avec des photographies de Pic)، ك

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق