أنتروبولوجيا الخوف في المجتمعات المعاصرة

ملخص:
لم يحظ مفهوم الخوف بالدراسة والتحليل اللازمين في مجال العلوم الإنسانية، ولم نشهد أبحاث اجتماعية حول المعنى الذي يعطيه الإنسان لمخاوفه ومصادر هذه المخاوف. إذ نجد أن الكثير من السلوكات والتصرفات اليومية للإنسان غالبا ما يحركها هاجس الخوف، لدرجة أنه أصبح بنية ثقافية في مجتمعاتنا المعاصرة. فرغم التطور المعرفي الحاصل في مجالات علمية كثيرة، لازال الإنسان المعاصر لم يتجاوز حالة اللأمن التي كان يعيشها في العصور السابقة. في هذا الصدد نجد أن المجتمعات العربية هي من تعرف منسوبا كبيرا من هذا الخوف، يعود في جزئه الأكبر إلى رواسب، تم توارثها كأنماط ثقافية، كبلت تفكيره وشلت قدراته وطاقته الإبداعية على التحرر من تلك المخاوف.

تقديم:
لم تول الدراسات الأنتروبولوجية الكثير من الاهتمام لظاهرة الخوف، كظاهرة اجتماعية ومجتمعية تستدعي طرح الأسئلة حول الآليات التي من خلالها يتم إنتاج هذا الخوف، هل يتعلق الأمر بمحدد بيولوجي فطري؟ أم أنه معطى اجتماعي وثقافي؟ وفي جميع الحالات، ما هي الآليات المتحكمة في إنتاج الخوف؟ هل هذه الآليات فردية سيكولوجية أم أنها إنتاج اجتماعي مرتبط بثقافة المجتمعات؟ وهل يمكن للأفراد تكسير هاجس الخوف من أجل العيش في مجتمع يضمن الأمن النفسي والاجتماعي؟
• الخوف كخاصية ثقافية:
حاول ستروس C.L. Strauss أن يبحث في الحدود بين المكون الغريزي البيولوجي والثقافي المكتسب للسلوك الإنساني ونقط التقاطع والاختلاف بينهما وذلك عبر التفكير في أداة منهجية من خلالها يمكننا أن نميز الثقافي عن الطبيعي. هذه الأداة سماها “القاعدة”، في إشارة منه إلى ما هو ثقافي يميز جماعة اجتماعية معينة، أو ما يوحد الناس، وفي نفس الوقت يميزهم كجماعة ذات نمط ثقافي يعطي لتلك الجماعة خصوصياتها السوسيوثقافية. أي أن كل ما يرتبط بضوابط ومعايير ومحددات فهو يدخل حتما في مجال الثقافة، وأن كل ما يشترك فيه الأفراد مع باقي الكائنات ويأخذ بعدا كونيا عاما فهو يدخل في مجال الطبيعة وما هو غريزي.

هناك إذن علاقة “تمفصل” كما يقول ليفي ستروس بين الغريزي البيولوجي والثقافي المكتسب، والخوف سواء كان سلوكا أو إحساسا أو حالة نفسية، تنطبق عليه هذه العلاقة إذ من الصعب رسم الحدود بينهما. “فأحيانا يستدعي المثير الفيزيائي ـ البيولوجي والمثير النفسي ـ الاجتماعي ردود أفعال من نمط واحد”. أي أن الخوف قد يكون رد فعل عن مثير بيولوجي كما يمكن أن يكون رد فعل عن مثير اجتماعي، ويمكن في هذه الحالة أن نتساءل كما فعل ستروس، أين ينتهي الجانب البيولوجي ويبدأ البعد الثقافي حينما يتعلق الأمر بالخوف؟

انطلاقا مما سبق يجب أن نميز بين معنيين لمفهوم الخوف، بالرغم من وجود عنصر الترابط بينهما، يتعلق الأول بالخوف كمعطى نفسي ذاتي يأخذ طابعا بيولوجيا، أي كإحساس أو انفعال طبيعي غريزي مرتبط بذات الفرد. فحينما يحس الفرد بأن حياته مهددة، كأن يسقط من علو شاهق مثلا، ينتابه إحساس بالخوف نظرا لغريزة حب البقاء التي يتمتع بها كل كائن وهو قاسم مشترك بين جميع الكائنات.

إن الخوف من وجهة نظر نفسية يشمل خصائص انفعالية يعبر عن إحساس مثله مثل باقي الإحساسات الأخرى كالفرح والسعادة والغضب والحب. لكن ما يميز الخوف – كمعطى نفسي – عن هذه الإحساسات والانفعالات كونه الإحساس الأقل ارتباطا بالمواقف الاجتماعية، إنه يرتد إلى وضعيات ومواقف تمثل التهديد والخطر والرعب…، كما يجب في نفس الوقت أن نميز بين الخوف كرعب وحالة مرضية وبين الخوف المعتاد الذي يرتبط بالحذر من الوقوع في خطر يهدد الفرد.

أما المستوى الثاني فيرتبط بالخوف ك“بنية ثقافية” ترتبط بتنشئة اجتماعية للأفراد في فضاء وجو قائم على الإرهاب النفسي وعلى سُلَّم قاس وصارم من النواهي والمحرمات تُبعد عنه أي إمكانية للتفكير في الأسباب التي وضعت ذلك السّلم. في هذا الإطار يجب البحث في الشروط المنتجة لثقافة الخوف بما هي ثقافة تولد الخوف وتنتجه وتعيد إنتاجه بأشكال مختلفة. فالثقافة التي تكون سائدة في المجتمع وتحاول أن تجعل الفرد مسلوبا من أية إمكانية في الإحساس بالأمن، تربي الأفراد على الخوف من أبسط الأشياء. وتحاول بذلك أن تخلق شروطا تتميز بالمراقبة الدقيقة للأفراد تنتج عليها حالة من الفوبيا الجماعية التي تجعل من العلاقات الاجتماعية علاقات محددة بالخوف ومؤسسة عليه.

إذن فالخوف حينما يتجاوز بعده البيولوجي ويصبح بنية نفسية فردية وظاهرة اجتماعية وجماعية عامة، في هذه الحالة يتحول إلى حالة مرضية، تستدعي البحث عن أسبابها دوافعها ثم النتائج المترتبة عنها. إنه يتولّد عن واقع اجتماعي وشروط اجتماعية يسودها الإرهاب فيتحول إلى سلوك يومي ونمط ثقافي لا يعي الفرد خطورته ولا إمكانية التحرر منه.
• من الخوف الفردي إلى الفوبيا الجماعية:

لا يمكن الحديث عن ثقافة الخوف إلا كفعل ثقافي ناتج عن شروط موضوعية مرتبطة بنظام اجتماعي سياسي محدد يعمل على خلق آليات تهيئ الشروط والظروف لنماء الاستعداد لتقبل الخوف لدى الفرد واستدماجه في بنيته الفكرية والسلوكية، فهي تستهدف فيه شل إرادته، وإعادة تكوينه إنسانا سلبيا محاطا بشبكة عنكبوتية من النواهي والمحرمات.
في ظل وجود شروط اجتماعية يسودها الخوف، والمتمثلة في وجود جو عام قائم على الخضوع والاستسلام، من الطبيعي جدا أن تكون سلوكات الأفراد انعكاسا لوعيهم الاجتماعي المطبوع بالخوف، ويسعون إلى تبرير تلك السلوكات دون أن يفسرونها بأنها سلوكات ناتجة عن شروط اجتماعية محددة بالخوف. تعمل مؤسسات المجتمع على إنتاجه وإعادة إنتاجه بصيغ مختلفة كون هذا الخوف يؤدي أدوارا ووظائف سياسية محددة تعمل على الإبقاء على حالة الخوف لدى الفرد من أجل السيطرة عليه وتهديده كلما حاول تجاوز وضعيته وشروطه الاجتماعية المنتجة لفعل الخوف.

في هذه الحالة، أي في غياب الوعي بمصادر ومحددات تلك السلوكات، نتيجة الأدوار التضليلية والإيديولوجية التي تقوم بها مؤسسات المجتمع من أسرة ومدرسة وكنيسة ومسجد ووسائل إعلام… تصبح الوضعية أكثر تعقيدا إذ يصعب تحرير الأفراد من الحالة الاجتماعية التي يعيشونها، لأنهم يحاولون دائما أن يبرروا واقع الخوف المفروض عليهم من طرف الأدوات الإيديولوجية بالقول أن أي تفكير في تجاوز الوضعية والتمرد عليها يؤدي إلى نتائج كارثية تهدد وجودهم. يتم مقايضتهم بأمنهم وحياتهم أو الفوضى العارمة. السؤال الذي يطرح نفسه علينا: كيف تتشكل ثقافة الخوف؟ وهل من سبيل لتجاوزها؟

تلعب مؤسسات التنشئة الاجتماعية في المجتمع دورا محددا في إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة الخوف، فالأسرة بحكم طبيعة بنيتها كونها قائمة على النموذج البتريركي الذي يُسَيِّدُ الثقافة الذكورية، حيث الحواجز والحدود قوية بين عالم الكبار وعالم الصغار بين عالم الذكور وعالم الإناث. يُسيّج عالم الصغار بمنظومة من الأفكار والتصورات والتمثلات الخاطئة المستمدة من الخرافات والأساطير والقصص الخيالية. تترسخ على أنها حقائق تشل قدرتهم على التفكير والنقد، ويسيج عالم الإناث بمنظومة كاملة من النواهي والمحرمات فيحد من حركيتهن وتحركهن، فتستدمجن الخوف في وعيهن ولاوعيهن. عبر تقسيم الفضاء أو المجال واحد حكرا على الذكور والآخر خاص بالنساء وتحت مراقبة الذكور. وإذا ما حاولن تجاوز حدود ما هو مرسوم لهن يُقابَلن بعنف إما مادي ورمزي أو هما معا. الغاية من ذلك زجرهن حتى لا يتجرأن على اكتساح وولوج فضاء ليس من حقهن ولا يجب أن يطالبن باكتساب حق التحرك فيه. ويتم تخويفهن واضطهادهن ومحاصرتهن والتضييق عليهن إذا ما حاولن التشبث والمطالبة بهذا الحق (ولنا في الحركات الاسلامية نموذج عن الفصل القاسي والصارم للمجال والفضاء عبر محاولة إجبار المرأة على عدم الاختلاط في الأماكن العامة، وإلا سيتم وصفها بأنها فاجرة ومحرضة على الفتنة).
النتيجة المترتبة على واقع كهذا هو خلق نموذج اجتماعي يرتكنُ إلى الوراء ويخاف من أي رد فعل بحيث يتم نقل هذا الخوف عبر الأجيال وتنشئة الأفراد عليه، حتى لا يتم تقويض النظام أو الأخلاق أو القيم. في حين أن منظومة القيم هاته والأخلاق والمعايير وضعت وتم ترسيخها في المجتمع لأنها تؤدي وظيفة إيديولوجية متمثلة في سيادة وعي مزيف ومشوه عن حقيقة الواقع الذي ينتمي إليه الأفراد كونه يخدم مصالح الفئة السائدة في المجتمع. كما أن هذه القيم لا يتم تداولها وإعادة إنتاجها إلا من خلال مؤسسة الأسرة كونها مؤسسة محافظة إلى حد كبير لا تغير أنماطها الثقافية إلا إذا أصبح وجود هذه القيم مُهدِّدا لاستمراريتها. آنذاك يمكنها أن تقدم تنازلات قد تصل حد وضع هذه القيم جانبا (السماح للفتاة بالعمل والتأخر في العودة إلى البيت إذا كانت هي المعيل الرئيسي للأسرة).
المستوى الثاني الذي تركز عليه الدولة في إنتاج ثقافة الخوف وإعادة إنتاجها هو مؤسسة المدرسة. إنها إحدى أهم المؤسسات التي يتم من خلالها تصريف إيديولوجية الدولة عبر تلقين الأفراد المعارف والتأثير على وعيهم من خلال البرامج التعليمية التي تتجه إلى تعميم وعي معين على فئات المتعلمين. الغاية من هذا الوعي “القطيعي” هو إبعاد طرح الأسئلة المُحرِجة والمقلقة والمستفزة التي تُصنف في خانة المحرمات والطابوهات مُحاولة قتل قيم التفكير والنقد والسؤال والحوار والمجادلة.
بالمقابل تعمل المدرسة، بمناهجها وبرامجها الدراسية، على تعميم قيم الطاعة والخضوع وتبعد أية إمكانية لتنشئة أفراد محررين من الأوهام والمخاوف. لأن تحرير الأفراد من هذه الأوهام والمخاوف سيُعجِّل بتقويض النظام الاجتماعي القائم بقيمه السائدة. ولهذا يتم مراقبة المدرسة كونها أداة إيديولوجية في يد الفئة الحاكمة لأن من خلالها يتم إعادة إنتاج نفس علاقات الإنتاج القائمة في المجتمع والتي تتسم بالاستغلال والاضطهاد، فالمدرسة تقوم بتلقين التلميذ وعيا زائفا ومشوها عن واقعه الاجتماعي. الهدف من هذه العملية هو جعله فردا خاضعا وتابعا ومنفذا لكل ما يتم اتخاذه من قرارات دون مساءلتها أو نقدها. وإذا ما حاول ذلك يتم اضطهاده ومضايقته بل وحتى تصفيته حتى يكون عبرة لمن خطر على باله القيام بفعل مماثل، لنا في الأنظمة الاستبدادية في الدول العربية نموذجا لذلك.

كل المجتمعات تنتج أجهزة أمنية ومخابراتية وعسكرية من أجل المراقبة المستمرة للأفراد حتى يتم تخويفهم وإرهابهم في حالة ما إذا فكروا في أية إمكانية للتحرر من سيطرة الدولة واستغلالها لهم. إن هذا الخوف الجماعي يتم تلقينه عبر مجموعة من الآليات ومؤسسات التنشئة الاجتماعية. إذ بالإضافة إلى الأسرة والمدرسة نجد الدور الذي أصبحت تقوم به وسائل الإعلام لأنها إحدى أهم الأدوات التي تمتلكها الدول من أجل خلق رأي عام. ولنا في “الحرب على الإرهاب” نموذجا على صناعة ثقافة الخوف التي أصبحت الدول الكبرى تسوقها في وسائل الإعلام من أجل إرهاب الأفراد والمؤسسات والدول التي يمكنها أن تفكر في انتقاد ومعارضة النظام النيوليبرالي القائم على عولمة الاستغلال.

لقد أدى قانون “محاربة الإرهاب” الذي تم التشريع له في أغلب الدول بعد أحداث 11 شتنبر إلى خلق فوبيا جماعية أصبح كل فرد مهدد إلى أن يتحول إلى متهم إما بالإرهاب أو التحريض عليه بمجرد القيام بأي رد فعل معارض ضد سياسة الدول. كما قامت أغلبية الدول بحملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضين لسياسة الدولة من أجل تخويف الناس من عدم الاقتراب من حقل السياسة، والغاية من ذلك هو إنتاج ثقافة الخوف وتعميمها.

إن الخوف كبنية ثقافية ليس وليد اللحظة الراهنة بل هو ضارب في اللاشعور الجمعي لأغلبية المجتمعات. ذلك أن لكل مجتمع مخاوفه كما له أيضا آماله وتطلعاته. وإذا ما حاولنا أن نقوم بحفريات في هذه المخاوف الجماعية في المجتمعات العربية فإن الكثير منها يرتبط بالشروط الاجتماعية والسياسية التي عرفتها عبر تاريخها الطويل. ويمكن في هذا الإطار أن نأخذ المجتمع المغربي كنموذج، حيث ارتبطت الاضطرابات السياسية في العصور الوسطى والحديثة بالكوارث الطبيعية كالمجاعات والأوبئة. إذ نجد أن تعاقب الدول والاستيلاء على السلطة يكون ناتجا في أغلب الأحيان عن هذه الكوارث أكثر منه نتاج عوامل أخرى. بحيث تساهم القحوط والأوبئة في تغيير البنية المورفولوجية للساكنة مثلما تغير البنية السياسية للبلد. وقد أوردت كتب التاريخ كيف أن المجاعات والأوبئة كانت سببا مباشرا في الاضطرابات السياسية وخروج العديد من القبائل وعصيانها عن السلطة المركزية وهو ما يعرف في الأدبيات السياسية والأنتروبولوجية ب “السيبة”.

نشير في هذا الإطار إلى العديد من الدراسات الأكاديمية التي تطرقت للموضوع وحاولت أن تربط بين سلوكات الأفراد وتصرفاتهم وما بين الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي هم نتاج لها. فقد أورد الباحث المغربي محمد الأمين البزاز في أطروحته تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب كيف ساهمت القحوط والأمراض في خلق نوع من الفوبيا الجماعية تحولت إلى بنية ذهنية تجلت في الإحساس باليأس والتشاؤم الذي أصاب الأفراد جعلهم ينتجون أنماط تفكيرية غارقة في الخرافة والدجل عن طريق تفسير تلك المظاهر بأنها غضب إلهي مما سمح ببروز بعض المظاهر الدينية كالزوايا والأضرحة وظاهرة المجاديب.

لقد سبق هذه الدراسة أخرى مماثلة اقتصرت على القرنين 16 و17 بعنوان المجاعات والأوبئة في المغرب بينت كيف ساهمت العوامل الطبيعية وتأثيرها على التمثلات الذهنية للجماعات البشرية مثلما غيرت أيضا البنية الديموغرافية للمجتمع. حيث خلص البحث إلى أن للكوارث الطبيعية دورا فاعلا في سيرورة تطور المجتمعات التي تنعكس بدورها على الأنماط السلوكية والفكرية لأفرادها. لقد شكلت هذه التحولات بنية فكرية قائمة على الخوف خصوصا إذا ما عرفنا أن دورات الأوبئة والمجاعات خلال القرنين 18 و19 مثلا، توالت بمعدل مجاعة أو وباء أو هما معا كل 13 سنة. ما جعل الخوف هو الإحساس المسيطر على الأفراد لأن القحوط تجعل الأفراد عاجزين عن تأمين شروط الحياة ولا حتى الحفاظ عليها.

ونتيجة لتعاقب دورات الأوبئة والمجاعات تشكل لدى الأفراد مخاوف من تكرار المآسي المرتبطة بمثل هذه الظواهر الطبيعية والتي تخلف تأثيرا نفسيا بليغا، متجلي في الخوف، إلى جانب الآثار الاقتصادية والاجتماعية. كما أصبح الأفراد يفقدون الثقة في كل ما هو آتي من المستقبل كونه يحمل المآسي أكثر مما يمكن أن يحمل الأفراح. ويمكن أن نلمس هذه المخاوف من المستقبل في السلوك اليومي للفرد حيث لا يستطيع أن يستمتع بلحظة السعادة والفرح التي قد يعيشها ويتنذر من أنها بداية لمآسي آتية يظل يترقبها.

إن العودة إلى التاريخ الاجتماعي للمجتمعات يساعد إلى حد كبير في فهم الكثير من السلوكات والمظاهر كونها نتاج شروط محددة تترسب وتترسخ في الذاكرة الجماعية للأفراد يقومون بإعادة إنتاجها بطريقة لاواعية دون أن يدركوا الخطورة التي تحملها على حياتهم اليومية.
• الخوف كسلوك اجتماعي:
لقد أعادت أنظمة الاستبداد عبر التاريخ إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة كاملة من الخوف مؤثثة بمظاهر اجتماعية وثقافية أصبحت ضاربة في اللاوعي الجماعي والفردي، بفعل التجارب التي ترسخت في الذاكرة الجماعية للأفراد، جعلتهم يعيدون إنتاج الوعي الجماعي المشكِّل لهذه الثقافة. حيث أصبح حاجزا أمام إمكانية دفع المجتمع إلى التحرر من هذه الفوبيا الجماعية التي يرزح تحتها ولا يحس بالمعاناة التي تكبله وتشل فكره. يمكن للضغط والقمع الذي يتعرض له الأفراد أن يحولهم إلى كائنات تخاف من لا شيء حتى يمكنها ضمان استمرارها في الحياة. كما يمكنه أن يتحول أيضا إلى رد فعل إما عفوي أو منظم كما حدث مع الثورات العربية التي انبعثت فجأة من تحت الخوف الذي كان يشل حركة هذه المجتمعات ودفعها إلى التمرد على ذلك الخوف والتحدي عن طريق الاندفاع والتضحية بالذات من أجل ضمان الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية باعتبارها مقومات الحياة الإنسانية في بعدها الكوني.

تشكل التجربة التونسية نموذجا على الدور الذي يمكن أن تلعبه الشروط المادية والحياتية في تكسير حالة الخوف الجماعي الذي يرزح تحته الأفراد. فالانتفاضة لم تكن نتاج وعي سياسي مؤطر بمشروع اجتماعي/مجتمعي. لقد كانت رد فعل عن الضغط والخوف الذي يعيشه الأفراد تحت نظام قمعي استبدادي لم يكتف بسلب الحريات وإنما تجاوز ذلك إلى سلب شروط الحياة الكريمة، وهو ما يعيدنا بطبيعة الحال إلى دور الجوائح والمجاعات في خلق الفتن والقلاقل وتغيير هرم السلطة.

كما يشير التاريخ الوسيط والحديث كيف ساهمت المجاعات في انهيار دول وقيام أخرى، لقد وصل الموحدون إلى الحكم نتيجة المجاعات التي ضربت المغرب ونفس الشيء حصل مع العلويين حيث مهد استمرار المجاعات والأوبئة في ضعف الدول السعدية وعدم قدرتها على تأمين شروط الحياة. وهو ما يضعنا أمام الدور الذي يمكن أن تلعبه العوامل الطبيعية في تشكل الوعي لدى الأفراد والمتجلي أساسا في ثقافة الخوف. خوف من المجهول كون الطبيعة كانت تشكل لغزا يجب خلق أشكال تعبدية وتقربية لتجاوز حالة الخوف والاستسلام له وهو ما نلحظه في المجتمعات العربية من خلال انتشار ظاهرة الأولياء والصالحين.

لقد أصبح ينظر إلى الحرية في هذه المجتمعات بأنها نتاج الإكراه (La contrainte) والخوف. ولولا الحرمان الذي عاشه الأفراد والذي أخذ جميع أشكاله المادية (سلب الحقوق ونهب الخيرات) والرمزية (التضييق والقمع والتهميش والإقصاء والتعتيم وتشويه الحقائق…) لما اضطر الأفراد إلى التضحية بأنفسهم من أجل العيش في مجتمع يسوده الأمن والأمان. لكن بالرغم من ذلك حاولت الدول إنتاج أشكال جديدة من المراقبة الاجتماعية للأفراد في حركاتهم وتحركاتهم، بحيث أصبحنا أمام نبوءة (أرويل)J. Orwell المراقبة التامة والشاملة من خلال تطوير تقنيات جديدة يتم فيها الاعتماد على ضبط الجسد وتطويعه.
إن الخوف كبنية ثقافية لا ينتج إلا ضمن شروط موضوعية تُفقِد الإحساس بالأمن والأمان كيفما كانت هذه الشروط، وتجعل الأفراد يرتكنون إلى الماضي أكثر مما تجعلهم يتجاوزون تلك الشروط. هذا الارتكان للوراء يعمق الخوف ويقويه مما يجعل من الصعب تجاوزه أو التخلص منه.

البيبليوغرافيا
• محمد أمين البزاز: تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس الرباط 1992.
• حميد التريكي وفريديريك روز نبيرجي: المجاعات والأوبئة في المغرب خلال القرنين 16 و17 ترجمة عبد الرحيم حزل. دار الامان، الرباط، 2010.
• إبراهيم فرحان خليل: حول ثقافة الخوف ووهم الاستفراد. مجلة الآوان.
http://www.alawan.org/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81.html.

• Althusser Louis: Idéologie et appareils idéologiques d’Etat. In: positions. Editions sociales. Paris. 1976.
• Delumeau J: La peur en Occident, XIVe-XVIIIe siècles. Ed Fayard. Paris. 1978.
• Foucault Michel: Surveiller et punir, naissance de la prison, Paris, Gallimard, 1975.
• Judelet Denise: Dynamiques sociales et formes de la peur. Nouvelle revue de psychosociologie 2011/2. N°12.
• Nicol Valérie de Courville: Pour une sociologie culturelle foucaldienne de la peur..Sociologie et sociétés, vol. 38, n° 2, 2006
• Rocher Guy: Introduction à la sociologie générale. L’action sociale. Ed: Points. 1968. Paris.
• Strauss; C.L.: les structures élémentaires de la parenté. Ed: Mouton. Paris. 1967. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق