في الردّ على فتحي المسكيني

لبناء الدولة الحديثة ينبغي نقد االسلطة والدفاع عن الحرية كما ينبغي نقد المقالات من صنف مقال الدكتور فتحي المسكيني المعنون“ينبغي الدفاع عن الدولة” والصادر ب“ألآوان بتاريخ 28جويلية2014.

ورد بالمقال ما يلي”يبدو لنا أنّ قيمة الحرية وأنّ أفق التحرر إنّما هي حالات معيارية تختلف من “مجتمع” إلى آخر. وبما أنّنا لا نزال “شعبا” ولم نصبح “مجتمعا” بعد، أو نحن ما نزال مشروع مجتمع، فإنّ معركة الحرية عندنا لا تطرح نفسها بنفس الطريقة“
كان على صاحب المقال أن يذهب إلى حدّ النهاية ليعلن أن الدولة التي يريد الدفاع عنها في”مجتمعاتنا“ليست”كدولتهم“ ولا تشبه دولتهم في شيء. هل أننا مختلفون معهم في كل شيء ولكن لدينا دولة تشبه دولتهم وعلينا الدفاع عنها.

ينطلق الكاتب من توصيف لمجتمع لم يرق لمستوى أن تكون له دولة وتترقب نتيجة ذلك التوصيف الإعلان عن”يجب بناء الدولة“وليس الدفاع عن الدولة. كان من الافضل إنارة القارئ –مثلي- حول ماهية الدولة التي يتحدث عنها الكاتب والتي يجب الدفاع عنها. ومن هو المنوط بالدفاع عنها. انطلق في مقارنة بين مستوى تطور وحاجيات مجتمع”نا“ومجتمع”هم“ليقرّ بأننا لا نلتقي معهم في شيء لكن لنا دولة ولهم دولة؟؟ يتخذ الكاتب المجتمعات الغربية كمعيار او وحدة قياس ليقول:”نحن ما نزال مشروع مجتمع“وبنفس هذا المنطق ونفس هذا المعيار،”نحن ما نزال مشروع دولة“. أم أن هذا يدخل ضمن ما قال عنه:”ولا يغرّننا استعمال نفس التسميات“ممّا يعني أنه من المغرر بهم.

إنّ القول:”فإنّ معركة الحرية عندنا لا تطرح نفسها بنفس الطريقة“. نعم إن طرح مسألة الحرية لا تطرح في جميع الاماكن -وليس فقط معركة الحرية- تطرح نفسها بأشكال مختلفة وذلك وفق السياق التاريخي والثقافي لكل بلد أوحتى لكل جزء من نفس البلد. فمسألة الحرية تختلف طريقة طرحها بين تونس وليبيا وبين مدنين وتونس العاصمة وكذلك طريقة طرحها تختلف بين ألمانيا وفرنسا وفي داخل الولايات المتحدة لكل ولاية طريقة في طرح مسالة الحرية. طريقة طرحها تختلف من زمان إلى آخر. فطرح مسالة الحرية في تركيا سنة 1924 يختلف عنه تماما في 2014. لذلك سيكون من الخطإ الفادح اعتبار”الهم“و”النحن“مجموعاتان لكل واحدة منهما ماهية وعناصرمحددة واضحة وخاصة بكل مجموعة. هاتان المجموعتان صناعة إيديولوجية بحتة. ومضمون”الهم“و”النحن“متغير حسب ما نريد تحقيقه فتارة”الهم“هو الغرب المسيحي الذي سرق الحضارة العربية الإسلامية ومرة اخرى هو الإمبريالية الاستعمارية الرأسمالية وأحيانا الغر ب الذي قطع مع الأسطورة باكتشافه أن الأرض مجرد كوكب كروي الشكل ولا يمثل مركز الكون…إلخ. ووفق المراد تحقيقه نُشهِـر ماهية”الهم“. فإن أردنا تعبئة العامّة وشحنها لنتلذّذ بالأمواج البشرية الهائلة المزمجرة ضد الغرب المسيحي نستنجد بكاريكاتور في جريدة منسية في قرية في الدنمارك.

إنّ الاكتفاء بالقول أنّ”طريقة طرح الحرية عند“نا” تختلف عنها عند“هم”. دون الخوض في الكيفية التي نطرح بها “نحن” هذه المسألة يعني الالتفاف على المسألة ومقايضتها “بالدفاع عن الدولة” والتي هي بحد ذاتها غائمة لدى “نحن” باعتبار أن الدولة-وفق منطق الكاتب- هي من إنتاج العصر الحديث “للهُم” إلا أن يكون للكاتب قناعة أن “نحن” هم الذين سبقوا الغرب في إنشاء دولة لكن هذا الغرب الماكر سرق من ال“نحن” إنجازاتها.

إنّ الإدّعاء بأنّه “لا يوجد مفكّر غربي يمكن أن يجد نفسه أمام ضرورة التفكير الفلسفي في ماهية الإرهاب، إلاّ عرضا..” مجانب للصواب ومجرّد تخمين كالإدّعاء مثلا أنه ليس هناك من مُختبرعلمي طرح على نفسه إيجاد لقاح لفيروس أيبولا والسبب أنّ هذا الفيروس مرض خاص بإفريقيا. هذا الإدّعاء تفنده الوقائع.فالإرهاب ظاهرة عالمية تخصص له أبحاثا ونشريا ومراكز دراسات. وهو محل ندوات ومطارحات في القنوات والنشريات المتخصصة في جميع أنحاء العالم. ومنذ تفجيرات سبتمبر2011 لم يعد الإرهاب موضوعا خاصا بدوائر بحث متخصصة أو بدوائر أمنية واستخباراتية بل جرّ جمهورا كبيرا – في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا – للقراءة والبحث في الثراث الإسلامي وقفزت مبيعات مصاحف القرآن في هذه البلدان. هذا الجمهور يريد تكوين فكرة خاصة ومقنعة عن ثقافة هذا الآخر ليفهم الأسس “النظرية” للإرهاب. ومن ضمن ما يريد فهمه هذا الجمهور: “لماذا تتحرك أمواج بشرية بالملايين للاحتجاج على قسّ أمريكي هدّد بحرق مصحف القرآن- إلى حدّ خلق أزمات دبلوماسية بين بلدان إسلامية وغربية- وتتبخّر هذه الأمواج ولا تنزعج من اغتصاب الأطفال أو موت عشرات الفتيات في حريق بمدرسة بسبب عدم الاختلاط و سبي مائتي فتاة واغتصابهنّ في نيجيريا، بل لا تحرّك هذه الأحداث مظاهرة بعشرة أشخاص مسلمين؟. إنّ تهجير آلاف المسيحيين بالعراق وافتكاك منازلهم لا يثير الإشمئزاز ولا يدعو”النحن“المتسامحين لطرحه حتى على منابر تلفزية تدعو لاحترام الآخر.

إنّ سلوك هذا الإنسان”العادي“في علاقته بالأحداث الآنفة الذكر جعلت منه”إرهابيّا بالقوة“لدى الجمهور الغربي، وأعني ان هناك مسؤولية مباشرة لعربي مسلم او لمسلم من جنسية أخرى قاطن في بلد غربي – وله جنسية هذا البلد- في أن يعتبره مواطنو هذا البلد إرهابيا بالقوة. فهذا المسلم يذهب للمسجد ليؤمّه خطيب يدعوا إلى الجهاد ضد الغرب الكافر ويعتبر هذا الغرب دار حرب وإن لم ينخرط في هذا الخطاب ففي أحسن الحالات لا يبالي ولا يشارك مع مواطنيه في احتجاجات في قضايا عادلة -سواء تعلقت بالبيئة أو بالإنسان- إلا إذا كانت تلك القضية متعلقة بمسلمين في بقعة ما من الأرض.

إنّ إخلاء هذا العربي أوالمسلم من المسؤولية- بكونه إرهابي محتمل- بقول الكاتب:”شخص عادي من أصل عربي أو إسلامي، يعيش في بلد غربيّ …مثار للشبهة الإرهابية، سلفاً. الاسم واللقب كافيان. فإذا أضفت لهما اللون واللغة واللباس، فأنت سخيّ جدّا، سخاء قد يكلّفك حياتك البسيطة، أيها الحيوان الهووي رغم أنفك“يعدّ شحنا لهذا”الحيوان الهووي“ولكن بإرادته وليس رغم أنفه.
وللتأكيد عن ما سبق فلو أن الهندوس قاموا بنفس الأفعال التي يقوم بها المسلمون لأصبحوا محل ريبة مثلهم مثل”الحيوان الهووي.“فالشبهة الإرهابية ليست سلفا ولو كانت كذلك لدخل الكاتب في مأزق حاد مع التصور الذي أدرجه عن المجتمعات الغربية بقوله”…خطة تفسير الموجودات (لدى المجتمعات الغربية) والسيطرة عليها وفقا لمبدأ العلة“فعبارة سلفا تحيل أن هذا الغرب متآمر على العربي المسلم المستقر بالغرب والذي يقع استهدافه إلا لكونه”هوويّا رغم أنفه“.

يقول الكاتب:”إنّه من المراهقة الفلسفية أن نواصل نقد ماهية السلطة …“فهل يعني هذا-من ضمن ما يعنيه- أنه”على المراهقين“التريث حتى يصل قطار”السلطة“في مجتمعاتنا التي لم تكتسب –حسب الكاتب-بعد صفة”مجتمع“لما وصل له قطار السلطة في الغرب ليتسنّى”لنا نقدها“.
فبمنطق التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع كل مجتمع” ابتدع“السلطة التي تلائم وضعه وانتقد تلك السلطة التي ابتدعها وطورها وفق حاجاته وقد” تتشظى“تلك السلطة بين عديد المراكز وتتناحر فيما بينها مثل ما يجري في اليمن أو ليبيا والعراق. ورغم ذلك فهي سلطة. إن عدم تطابق سلطة ما ،في زمان ومكان ما، مع” السلطة في الغرب“يفقدها صفة سلطة وبالتالي لا يمكن نقدها. قد تفقد صفتها”السلطوية“في حال فقدان”الرعايا “موضوع التسلط.

فالفترة التي حكم فيها عثمان بن عفان كانت هناك سلطة قائمة تمارس نفوذها بأدوات وأساليب مختلفة عن السلطة في العصر الحاضر في الجزيرة العربية والتي بدورها تختلف عن السلطات بالغرب . السلطة كانت عبر جميع العصور وفي جميع الأماكن محل نقد. إن عدم قبول السلطة -في مجتمعاتنا- بالتعاطي مع النقد جلب كوارث قد تستمر لعشرات السنين ونتائج ذلك ماثلة أمامنا بالعراق حيث كانت سلطة صدام مقدّسة وتتعاطي مع منتقديها من المثقفين وغيرهم بالذبح والتشريد. وكذلك في سوريا وليبيا واليمن .
إن في قول الكاتب:”لكنّ ما حدث لنا –ما حدث “لنا” وليس “لهم” …هو شيء خرافيّ أو مستحيل من نمط جديد تماما …. ولكنّ المستحيل الجديد أو غير المسبوق الذي ضربنا هو واقعة روحية لا يمكن لأيّ تحليل تفكيكي- أي يقوم على النقد الجذري“.

نلاحظ من هذا القول أنه حين يرتهن شخص لثنائية”نحن“و”هم“تتحول هذه الثنائية إلى خزان لا ينضب لتفسير او تبرير”مسلمات“على أساس أنها بديهيات وعلى جميع الناس التسليم بها وتدفع بصاحبها إلى نكران الوقائع وتفصيل واقع منضبط للثنائية. ويجد –معتنق هذه الثنائية نفسه غير مطالب بالبرهنة على أي شيء. فبما أنّنا نحن”نحن“والآخر”هم“فبالضرورة إذا أنّ”ما حدث لنا لم يحدث لهم“رغم انّ الإرهاب الذي طال”الهم “هو إرهابـ”نا“ثم تطور ليطال هذا الإرهاب الـ”نحن“. فبفضل الثنائية السحرية”هم“ و”نحن “يتحول الإرهاب الذي حلّ بيننا إلى نمط جديد وغير مسبوق ولكي نضمن ونطمئن لكون كل أدوات”الهم “عاجزة عن تحليل الظاهرة نُوصّف الظاهرة بكونها روحية- أمّا ماذا تعني روحية فهذا أمر بديهي للمسلمين- وهذه طريقة غير مكلفة بتاتا في مجال المعرفة للتأكيد على ان”الهم“و”النحن“لا يلتقيان ولن يلتقيا إلا بإذن الله.

”النحن“و”الهم“مفتاح لجميع”الألغاز“.ولتفادي استعمال آلية ”الهم“التفكبكية يقوم الكاتب بنحت آلية خاصة بنحن يمكننا أن نطاق عليهالـ”نحن“آلية”النّحن والهم التعويمية“.
ثم يندفع الكاتب في سرد مسلمات لا تحيلك على التاريخ المشترك لـ”نحن“بالقول -مثلا-”بل هم (الإرهابيون) ما لبثوا يكرّرون أنّ الهدف الأكبر هو النداء المجرّد وغير التاريخي بضرورة “تطبيق الشريعة” أي “شرع الله”،
أمّا لماذاهذا النداء هو مجرّد وغير تاريخي فذلك ليس من مشمولات الكاتب وعلى القارئ أن يسلم بذلك حتى وإن كانت معلوماته الضئيلة عن تاريخ الـ“نحن” غير متطابقة مع الإدّعاء. ثم يتوالى القصف العشوائى: “وعلى ما ينطوي عليه هذا النداء -في عين المنصف- من مشروعية إيمانية، ترتبط بفضائل العدل والتقوى والكرامة الإنسانية،”.ها أننا نكتشف أن النداء المجرد والغير تاريخي لتطبيق الشريعة(نعم مجرد وغير تاريخي) ينطوي على ما ينطوي عليه (ماهي المنطويات الأخرى يا ترى؟ الله أعلم بذلك) من مشروعية إيمانية مرتبطة بفضائل العدل والتقوى والكرامة الإنسانية – ولكن في عين المنصف فقط – .فبفضل المشروعية الإيمانية (والتي لا نعلم عنها شيئا وعن ماهيتها وهل هي كائن فلسفي أم شيء غير قابل للتعريف أم هي إضافة للبديهيات المتعارف عليها) يصبح مجتمع “نحن”والذي لم يصل بعد لمرحلة كونه مجتمع -حسب الكاتب- به فضائل العدل والكرامة والتقوى (وهذا كائن آخر مجهول الهوية) بما يعني أن مجتمع “تجاوز الحداثة وفي مرحلة ما بعد الحداثة.

في المقال يعتبر الكاتب أن فوكو وهابرماس ودريدا وغيرهم لا حول لهم ولا قوة ولا يمكن لهم ان يقدموا لنا شيئا -إلا البريكولاج- وهذا مبرر كاف ومقنع جدا لينفرد بالاكتشاف العظيم الذي قد يضاهي اكتشاف امريكا وهو أن الإرهاب”محاكاة ميتافيزيقية سيّئة أو استعمال كلبيّ متعمّد لنموذج السلف الصالح“. و اخيرا”النحن“أمسك بماهية الإرهاب التي تحدّت جميع أنواع الفلاسفة. 

ليس هذا فقط فلقد اهتدى ال”نحن“كذلك إلى فك شيفرة المؤامرة الكبرى التي يتعرض لها الإسلام حيث يقول الكاتب:”بل لا نجازف إذا قلنا: ثمّة نيّة مبيّتة لتدمير فكرة الإسلام من الداخل، أي تدبير الأساس الأخلاقي العميق لرسالته إلى الإنسانية“.
هناك”النحن والهم “وأصحاب النية المبيتة هم”الهم“وللنجاعة”فالهم“يعوّلون على تواطئ جماعة من”نحن“وكل هذا لتدمير فكرة الإسلام من الداخل ( كما دمرت طروادة) لكن الأساطير حول طروادة تعطي الأسباب المعقولة لتدمير طروادة من الداخل. لكن ان نبرر فكرة تدمير الإسلام بتدمير الأساس الأخلاقي العميق لرسالته الإنسانية تصطدم بإقرار الكاتب ان الشعب لم يصل مرحلة المجتمع ومنذ خمسة عشر قرنا و”النحن“لديه أساس أخلاقي عميق لرسالة للإنسانية لكنه فاقد لإنسانيته لحد اللحظة. وفي هذا الوضع المزري ل”النحن“ليس عليه غير ترقب ما وقع لابو حامد الغزالي”قذف النور في الصدر”. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق