الشخصيات المؤسسة للبابية والبهائية عند محمد إقبال

عندما أراد الباحث التونسي المنصف بن عبد الجليل أن يكتب أطروحته عن (الفرقة الهامشية في الإسلام) (1) لم يستطع أن يلتفت إلى ما كتبه المسلمون عن الفرقة البابية والبهائية بتاتاً معللاً ذلك، والحق معه، بأنّ جميع هذه الكتب وُضعت أساساً للرد على البهائية أوالبابية، فكانت مشحونة بالمطاعن، وطافحة بالتجني، فأحجم عنها، ويمم وجهه شطر المستشرقين: براون، وسميث، وماك أوين، لأنهم كانوا أكثر دقة وموضوعية وكفاءة.

أذكر ذلك وأنا أتتبع ما كتبه إقبال حول الشخصيات المؤسسة للبابية والبهائية، والأصداء التي خلفتها كتابته، محاولاً أن أستخلص الدرس الذي يمكن أن يتلقاه المسلم في طريقة رؤيته وتقييمه للأفكار والأشخاص.
وبداية أقول لقد ذكر إقبال، على خلاف بقية عموم المؤلفين المسلمين، أئمة البابية والبهائية: (الباب – البهاء – قرة العين) بنوع من التعاطف والإعجاب، ولكن هذا لم يرق لمترجميه ودارسيه العرب الذين راعهم أن يجدوا مؤلفاً مسلماً يتناول المخالفين له بدون تهجم أوتقريع، أوحتى بدون تجهّم واكفهرار.. فتفننوا في تشويه رؤية إقبال لهذه الشخصيات، وفي كل مرة اشتموا فيها نوعاً من إعجابه بهذه الشخصيات بادروا للاستدراك والتعليق والتنويه بأنّه قال هذا الكلام قبل أن يطلع الاطلاع الكافي على هذه الحركة، وأنه في أواخر حياته غيّر موقفه.

يعلق مترجما كتاب محمد إقبال (تطور الفكر الديني في إيران)(2) الأستاذان الدكتوران حسن الشافعي ومحمد السعيد جمال الدين عند حديث إقبال عن (البهائية) بما يلي: “يجد القارئ للأصل بعض التعاطف من جانب المؤلف مع هذه الفرقة المنشقة عن الإسلام لا عن التشيع فحسب، والواقع أن موقف إقبال قد تطور في هذا الصدد عن التعاطف إلى الإنكار بعد أن زادت معلوماته عن البابيين والبهائيين” (3).

ويقول محمد البهي: “على أن الشيء الذي يبدو فيه ضعف إقبال ثقته ببعض الحركات الإسلامية الحديثة، على أنها تمثل التجديد الفكري في الإسلام، وعلى أنها تمثّل الوثبة المطلوبة للعالم الإسلامي، وأنها النموذج الذي يجب على العالم الإسلامي أن يقتدي به، وربما لم يدرس إقبال هذه الحركات من مصادرها، بل قرأ عنها من وصف المستشرقين إياها، فصدّق ما وصفوا، والمستشرقون إن وصفوا شيئاً في الإسلام أو في الحركات الإسلامية على أنه حسن فلأنه يصادف غرضاً خاصاً، يتصل بإضعاف الإسلام والجماعة الإسلامية” (4).

إنّ هذين التعليقين أنموذجان قريبان للحساسية المفرطة التي تصيب بعض كتابنا المتدينين حين يتعلق حديثهم بالآخر المخالف، فهي التي تسوّغه بل تدعو إليه… وإن كان الواقع لا يسعفه ولا يؤيده، ولا بأس عندها بالتعلق بأوهى الأسباب، ومن التفتيش عن إشارات داعمة، ولو كانت من خيال، فمن أين لهما أن معلومات إقبال كانت ناقصة ثم زادت؟ وما أدلتهم على ذلك؟ وأين وجدا الإنكار؟ ومن أين لهم أن إقبالاً لم يطلع على البابية والبهائية إلا من المستشرقين، لذا كان اطلاعه ناقصاً، وفكرته مشوشة!!!

وهل غاب عن بال الأستاذ محمد البهي أن إقبالاً كان معايشاً لصعود هذه النحلة الناشئة، وأنه كتب أطروحته التي تناول فيها البابية والبهائية ما بين عامي 1907 و1908 قبل أن يدوّن معظم المستشرقين، ما خلا براون، بحوثهم ومقالاتهم المستفيضة الواصفة، وأنّه لا يُعقل أن يكتب إقبال أطروحة دكتوراه فيكتفي بالمصادر الثانوية دون المصادر الأساسية المباشرة.

وينبهنا مترجم ديوان (جاويد نامه) محمد السيد جمال الدين إلى ما يلي: “وقد تبيّن لي أن إقبالاً ظل ينظر إلى (البابية) باعتبارها حركة إصلاحية حتى سنة 1933، يتضح ذلك من الخطة التي وضعها في تلك السنة لتأليف كتاب جديد باللغة الإنكليزية بعنوان:”مقدمة لدراسة الإسلام“. ولكن يبدو أن إقبالاً بدأ في المرحلة الأخيرة من حياته، وبعد نشر (جاويد نامه)، يغيّر نظرته إلى دوافع الحركة البابية، فقد كتب في أحد مقالاته التي بعث بها إلى صحيفة”ستيتسمان“البريطانية والتي تحدث فيها عن القاديانية. يقول:”يعمل الروس على نشر المذهب البابي، ويسمحون للبابية بإقامة أول مركز للدعوة إلى مذهبهم في (عشق آباد)، في الوقت الذي تعمل فيه بريطانيا على نشر الأحمدية (القاديانية)، وتسمح لهم بإقامة أول مركز للدعوة لمذهبهم في (دوجنج). إن الفصل بين هاتين الظاهرتين عندي أمر جد صعب، فما السبب الذي يدعو الروس وبريطانيا – رغم اختلاف المشارب – إلى الاتفاق في هذا المجال“؟ وانتهى إقبال إلى أن هذا العمل ينطوي على تفتيت وحدة المسلمين. كما نشر في ديوانه (ضرب الكليم) قطعة تتضمن معنى السخرية والتهكم بالباب عنوانها:”علي محمد الباب“. غير أنني لم أعثر على دليل يبيّن أنّ إقبالاً غيّر رأيه في (قرة العين) هذه، على غزارة وخصب ما كتب بعد نشر (جاويد نامه)” (5).
وهنا أقول: إن تساؤل إقبال عن سرّ دعم الروس للبابية ما هو إلا تساؤل عن دوافع الروس أنفسهم، وليس عن دوافع الحركة البابية وتالياً البهائية، وليس في هذا أدنى دليل على أن اطلاع إقبال على البابية والبهائية كان ناقصاً، فاكتمل بهذا التساؤل؟

إقبال والباب الشيرازي:
وأما دعوى محمد السيد جمال الدين أنّ إقبالاً استهزئ بالباب، وتهكم عليه في آخر دواوينه (ضرب الكليم)، فما هو إلا عكسٌ متعمد للصورة التي ظهّرها إقبال لـ “علي محمد الباب” في مقطوعته التي تحمل العنوان نفسه، حيث يتوقف إقبال عند حادثة جرت مع الباب فيصوغها شعراً، وخلاصتها أن جماعة من العلماء في إيران ناقشت الباب، فلحن في إعراب كلمة السموات، فضحك الحاضرون وشغبوا عليه. فقال الباب: “إنّ بشرى إمامتي تحرير الآيات من الإعراب”. فههنا نرى جلياً ما نسمّيه (مرض الولاء للشكل)! هذا المرض الساري الذي أصاب فئة من الشيوخ وطلاب العلم، فصدهم عن إدراك المرمى والمغزى، وأصدفهم عن تلمس المضمون والمقصد! ويبدو أن إقبال كان يعاني من هؤلاء (الشكليين)، لذا فقد استثمر هذه الحادثة فقال:
 أجاب (البابُ) في حفلٍ مُفيضاً في مقالاتِ
 وفاتَ الشيخَ توفيقٌ بإعرابِ السمواتِ
 سرتْ في الحفلِ غلطتُهُ فلاقَوْهُ ببسماتِ
 فقال (البابُ): لم تدروا وفاتَتْكم مقاماتي
 ثوى القرآنُ بالإعرابِ في حبسٍ وإعناتِ
 وإنَّ إمامتي جاءتْ بتحريرٍ لآياتِ (6)

وهكذا نرى أن إقبالاً لم يذكر هذه الحادثة ولم يصغها شعراً إلا لأنها لامست وتراً حساساً في نفسه، فقد راعه أن يغدو القرآن الكريم حبيس عالم (الشكل)، وأن يكون أقصى همّ المسلمين أن يجوّدوا (اللفظ)، ويحسّنوه، ويُعنوا به عناية لا حدّ لها ولا حصر، ولا غاية لها ولا نهاية! فالحادثة إذاً تتسق مع رؤيته، وتنسجم مع دعوته في الإغراء والحض على الاستفادة التامة من القرآن، وعلى تلمس مضامينه، واستجلاء مقاصده ومراميه، وعلى عدم الاقتصار على جانب منه دون جانب، فأين الاستهزاء بالباب، وأين السخرية منه ؟!

إقبال وقرة العين:
وكذلك يطالعنا تشويه آخر، يجود به علينا رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية الدكتور حسين جمعة، حيث يقرر في دراسةٍ له بعنوان: (القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي)، فيقول: “ومن بين القواسم المشتركة بين (رسالة الخلود [جاويد نامه]) ورسالة الغفرانِ محاكمةُ الزنادقة؛ فإذا كان المعري قد حاكم بشاراً وأمثاله فإن محمد إقبال حاكم ثلاثة من الزنادقة حين وصل إلى فلك المشتري وهم: المنصور الحلاج, والشاعر الهندي أسد الله غالب، وشاعرة المذهب البابي في إيران قرة العين الطاهرة التي أُعدمت سنة (1852م) لاعتناقها هذا المذهب”(7).

وهنا نجد التجني في دوره الأعلى، فإقبال يعلن منذ البداية تقديره وإكباره لهذه الشخصيات حين يصف أرواحها بالأرواح الجليلة، لأنها تشكل بالنسبة إليه غاية ما يمكن أن تصل إليه الذات الإنسانية في رحلة بحثها عن (الحق)، وفي شوقها إليه، وموتها في سبيله، وما يهمنا هنا في هو الشخصية الأخيرة، أعني قرة العين التي يضاهي مقامها في الديانة البابية مقام السيدة الزهراء عند الشيعة، وقد مرت هذه المرأة برحلة فكرية شاقة ومتوترة، حتى إنها قالت لعمها الملا علي: “عندما يأتي ذلك اليوم الذي تنزل فيه قوانين جديدة على الأرض، سأكون أول من يتّبع تلك التعاليم، وسأفدي نفسي من أجل بنات جنسي” (8).

نعم إن إقبالاً في ديوانه (جاويد نامه)، وهو من أواخر دواوينه – ألفه في سنة 1932م – يضع الشاعرة (قرة العين) شهيدة المذهب البابي في إيران في مقام واحد مع الحلاج، وأسد الله غالب الهندي، حيث يلتقي الشاعر بهم في أثناء رحلة عروجه، في فلك المشتري، ويعنون إقبال هذا الفصل بقوله: “فلك المشتري: الأرواح الجليلة للحلاج وغالب وقرة العين الطاهرة، وقد رغبت عن البقاء في الجنة، وفضّلت أن تجول إلى الأبد”، ويختار إقبال مقطوعة من نظم قرة العين تعكس مشاعر نفس تشعر بآلام الغربة، وحرقة الفراق، وتبحث حولها عن المحبوب فلا تجده، فتعود أخيراً إلى قلبها، فلا تجد فيه أحداً سواه. تقول قرة العين مخاطبة المحبوب:
“لو وقع عليك ناظري وجهاً لوجه فسوف أصف لك حزني بكل دقة، نقطة بنقطة، شعرة بشعرة.
لقد انسبت كريح الصبا لعلي أرى وجهك، من منزل لمنزل، من باب لباب، من درب لدرب، من طريق لطريق.
إنّ فراقك يجعل دماء قلبي تنصب من عيني نهراً وراء نهر، بحراً وراء بحر، نبعاً وراء نبع، غديراً وراء غدير.
إنّ قلبي الحزين ينسج حبك على قماش الروح، خيطاً بخيط، وتراً بوتر، سدة بسدة، لحمة بلحمة.
لقد عادت الطاهرة إلى داخل قلبها، فلم ترَ أحداً سواك، صفحة بصفحة، فصلاً بفصل، ستارة بستارة، طيّة بطية”(9).

يقول مترجم جاويد نامه: “أما قرة العين الطاهرة فنعتقد أن إقبالاً معجب بصفة خاصة بهذه الحرقة التي تتجلى في أشعارها، وقد نقل من شعرها غزلاً في غاية الروعة والإبداع، يفيض بالمعاني الصوفية العميقة، وينبئ في الوقت نفسه عن مأساة هذه السيدة التي لقيت مصرعها لتمسكها بعقيدتها”.
غير أنه يستدرك قائلاً: “على أننا إذا كنّا نعترف بعلو كعب الطاهرة في نظم الشعر، وحسن العبارة، وطلاوة الأسلوب، وعميق المعاني وتأثيرها، إلا أنه لا يغيب عن بالنا – ونحن نقرأ أشعارها – تاريخ حياتها، وما نسب إليها من فتن وتحريض ودعوة إلى الإلحاد” (10).
ثم يعرض لترجمتها ترجمة مغرضة مستقاة من الكتب المناوئة للبابية، ومما جاء في هذه الترجمة أنها كانت شاعرة ناثرة خطيبة محدّثة حافظة للقرآن، ولكن ما إن بلغتها أخبار الباب حتى مالت إليه بكل جوارحها وآمنت به، و“قد كثر أتباعها لخلابة لفظها ولجمالها وفتنتها، فلما رأت ما لسلطتها على القلوب أمرت بقتل أبيها وعمها وزوجها وجميع العلماء والفقهاء وكل من لا يجيب دعوتها” (11) !!!

ولا شك في أن هذين السطرين الأخيرين اللذين يصوران قرة العين مصاصة دماء يذهلان المرء بما ينطويان عليه من انعدام للإنصاف، ويعقدان لسانه بما يكشفان عن خلاصة مركزة للتجني الذي يزين معظم كتابات كتابنا الغيورين على دينهم غيرة عمشاء بل عمياء.
ثم يقول: “غير أني لم أعثر على دليل يبيّن أن إقبالاً غيّر رأيه في قرة العين هذه، على غزارة وخصب ما كتب بعد نشر (رسالة الخلود). وذلك بالرغم من أن مذهب (القرية) يتناقض في جوهره مع فكرة إقبال الأساسية عن (ختم النبوة) فأصحاب قرة العين يرون أن الوحي غير منقطع، ولكن إقبالاً يرى أن النبوة ختمت بمحمد (ص)، وهذا الختم يحمل معه أمرين:”أن النبوة في الإسلام لتبلغُ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على وقود يضاء منه، وأن الإنسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو.

الأمر الثاني: هو الحيلولة دون ظهور الفكرة المجوسية والمسيحية في المجتمع الإسلامي، وهي فكرة الترقب الدائم والتطلع لظهور أبناء زردشت الذين لم يولدوا بعد، أو ظهور المسيح المنتظر، لقد سار ابن خلدون على هدى نظرته إلى التاريخ فأفاض في نقده، وقضى – فيما أعتقد – قضاء نهائياً على الأساس المزعوم لفكرة ظهور مخلص في الإسلام، وهي فكرة شبيهة في آثارها السيكلوجية بالفكرة المجوسية الأصلية التي كانت قد ظهرت في الإسلام تحت تأثير الفكر المجوسي“.
إذن: فهناك اختلاف أساسي بين إقبال والشيعة بصفة عامة وبينه وبين أصحاب قرة العين بوجه خاص” (12).
والآن: ما مسوّغ أن يستميت هذا المترجم في إبراز وجوه التناقض والاختلاف بين إقبال وقرة العين؟ وما هذا الرعب الدفين من أن يبدي إقبال إعجابه بشخصية تخالفه ويخالفها في الإيمان الديني والعقدي!!!

على أنّنا إن أجلنا النظر في هذه المسألة المثارة ههنا فسنجد وراء هذا الاختلاف، الذي يجدّ المترجم في طلبه، توافقاً بين إقبال والبابية والبهائية، من خلال تبنيهم لفهم محدد في (فلسفة التاريخ) يخالف السائد الموروث في الاتجاه الإسلامي العام الذي يرى أنّ “الزمان كلما تقدم فسد”، هذه الفكرة الهندوسية في أصلها، والمؤسسة على اعتبار مركزية بدئية مباركة وأصلية، ويحصل الفساد على قدر الابتعاد عنها، وقد تبنى هذه الفكرة الاتجاه السني السلفي بشكل خاص، فكانت حادثة نزول الوحي والعهد النبوي هي النقطة المركزية النورانية، وكلما أوغلنا في الابتعاد عنها خفَتَ النور وعمّ الجهل وكان الفساد لاحقاً بالأجيال المتعاقبة، فإن أرادت هذه الأجيال الصلاح والإصلاح فما عليها سوى (الرجوع) إلى الوراء، واستمداد النور من منبعه، لكنّ فهم إقبال لمعنى (ختم النبوة)، كما مرّ معنا آنفاً، يشير إلى أنه من أنصار فكرة (التقدم) في (فلسفة التاريخ)، فالإنسانية قد بلغت حداً من الرشد لا نكوص عنه، ولا تقهقر دونه، فلا يتأتى لها، في مسيرتها، إلا أن تستمر في التطور والترقي والازدهار، ويقول إقبال: “إنّ القرآن يعتبر الكون متغيراً، ومن الجلي الواضح أن كتاب الإسلام المقدس، بما له من هذه النظرة، لا يمكن أن يكون خصماً لفكرة التطور”. كذلك تقف البابية في صفّ فكرة (التقدم)، لأنها لا تنظر إلى الخلف، ولا ترجع إلى الوراء، حيث ترى أنه كلما كبا جواد الإنسانية في الجهل والفوضى والمادية والحروب والخراب والعزوف عن الحق وانتشار الباطل جدّد الله رسالته، وأحدث وحياً جديداً من خلال من (يظهره الله)، فينسخ الأحكام العتيقة، ويجدد الرؤية الميتافيزيقية، ويتناغم مع العصر، ويتساوق مع التطور، وهكذا يستمر الزمان ويتأبد بعناية إلهية دائمة ووحي مستفيض، فيظل الإنسان مستمراً في تقدمه وترقيه.

إقبال والبهاء:
أما مؤسس الديانة البهائية حسين علي النوري الملقب بالبهاء فلا يتناوله إقبال باعتباره مهرطقاً خارجاً عن الدين والملة، ولا يتشنّج من خروجه هذا، بل يحاول أن يفهم رؤيته الميتافيزيقية القابعة وراء طرحه ودعواه، فيصف الواقع منها لا المتوقع، من دون جنف ولا تعنت في إصدار الأحكام، ويعلن بدون حرج أو تخوّف في أطروحته (تطور الفكر الديني في إيران) بعد أن يعرض وجهة نظر (البهاء) بتكثيف بارع محكم بأنّ “خلاصة النظر المثالي في الهند تتمثل في بوذا، وفي إيران في بهاء الله، وفي الغرب في شوبنهور”. وهذه المنزلة التي أولاها إقبال للبهاء تنبئ عن قراءة متأنية للنص البهائي، وعن تقدير عال للمعنى الفلسفي الذي ينطوي عليه فكر (البهاء).
يقول إقبال: “وبعد مقتل علي محمد الشيرازي الباب، قام على الدعوة أحد كبار حوارييه (بهاء الله) الذي كانوا يطلقون عليه لقب (الوحدة الأولى)، والذي أعلن نفسه صاحب الدور الجديد والإمام الغائب الذي بشّر بظهوره الباب، وحرر مذهب شيخه من الاتجاه الباطني الحروفي، وقدّمه في صورة أكثر اتساقاً واكتمالاً، فالحقيقة النهائية عنده ليست شخصاً أو ذاتاً، وإنما هي جوهر حق خالد نخلع عليه نحن صفات الحقية والحب. لا لشيء إلا لأن هذه الصفات هي أرفع التصورات المعلومة لنا. والمبدأ الحي للوجود يتجلى في الكون الخارجي بأن يوجد في داخله وحدات أومراكز واعية كتلك التي يقول عنها الدكتور (كيتا جرت):”إنها تشكل تأكيداً جديداً لفكرة المطلق الهيجلي“. وفي كل واحدة من هذه الذرات المتشابهة أو مراكز الوعي يكمن شعاع من النور المطلق نفسه، ويتمثل كمال الروح في التحقيق التدريجي لكافة الإمكانات العاطفية والفكرية المتضمنة فيه، وذلك عن طريق التغلغل في الكيان المادي الذي يعطي للروح تشخصها. وهذا التحقيق التدريجي لإمكانات الروح المختلفة هو الذي يعينها على اكتشاف حقيقة وجودها العميق، وهو شعاع الحب الخالد الذي استقر في أعماق الضمير. فجوهر الإنسان إذاً لا يتمثل في العقل أو مجرّد الوعي، وإنما في هذا الشعاع، شعاع الحب الذي هو مبعث كل فعل نبيل خالص، وفي هذا تتمثل حقيقة الإنسان، وفي هذا الطرح يتمثل بوضوح التأثر بمذهب الملا صدرا القائل باستغناء الخيال عن البدن.

والعقلُ الذي يحتل مرتبة أعلى من الخيال في سلم التطور ليس شرطاً ضرورياً في نظر الملا صدرا للبقاء أو الخلود، وفي كل صور الحياة يوجد جزء وحي خالد هو شعاع الحب الخالد الذي لا يرتبط بالضرورة بالعقل أو الوعي الذاتي، ويبقى بعد فناء البدن.
والخلاص الذي يتمثل عند بوذا في إنهاك الذرات العقلية بالقضاء على الشهوات إنما يتمثّل في نظر بهاء الله في اكتشاف جوهر الحب الذي يكمن في مراكز الوعي نفسها.
ولكن كلاً منهما يقول بأن أفكار الإنسان وخلائقه تبقى بعد الموت مع سائر القوى المماثلة في العالم الروحي منتظرة فرصة أخرى، أي كياناً بدنياً مناسباً لتحل فيه كي تواصل عملية الاكتشاف التي قال بها بهاء الله، أو عملية الفناء التي قال بها بوذا. هذا التصور الخالص للحب عند بهاء الله هو أعلى من تصوره للإرادة. أما شوبنهاور فإنه يرى الحقيقة متمثلة في الإرادة التي هي مدفوعة إلى أن تحقق ذاتها موضوعياً بدافع آثم يكمن على الدوام في طبيعتها الخالصة. والحب والإرادة عند كلا المفكرين يوجدان في كل ذرة من ذرات الحياة، ولكن سبب وجودهما هناك هو المتعة المتمثلة في تحقيق الذات من ناحية، ومن ناحية أخرى ميول ورغبات شريرة لا يمكن تفسيرها، غير أن شوبنهاور يفترض عدة أفكار معينة لتبرير هذا التحقق الخارجي لتلك الإرادة الأولى، على حين لا يقدّم بهاء الله – في حدود علمي – أي تفسير للمبدأ الذي يقوم عليه تصوره الخاص لتجلي الحب الخالد وتحققه في الكون” (13).

لن أتوقف هنا عند الشرح والتحليل والمناقشة لما أورده إقبال في هذا النص السالف، فهذا ما قمت به في دراسة أخرى عنوانها (إقبال دارساً للبابية والبهائية)، لكنني سأتساءل عن سرّ هذه الأريحية في هذا التوصيف الذي لم نعتد على نظير له لدى علماء المسلمين حين يتحدثون عن شخصية تعد بالقياس إليهم مارقة بكل المقاييس، فتظهر عليهم الحدة والتقوقع والتصلب المحلي؟ فلا تراهم إلا منزلقين من التحقيق إلى التحريف، ومن التدقيق إلى التخريف، ومن الزُّبد إلى الزَّبد! ولا تراهم إلا كامنين في ترصد ماكر تضمحل فيه التقوى والورع، ومتذّمرين عيّابين يظهر الكره على وجوههم بيسر لأدنى سبب، حتى أصبحت كتاباتهم عن الفرق والمذاهب والأديان إلى كتب الأوروبيين في العصور الوسطى حول الإسلام ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام أقرب، وبطريقة معالجتها واستقصائها أشبه!!
أما محمد إقبال فكان تلميذاً وفياً لجلال الدين الرومي، ومتشبعاً بروحه المنفتحة التي كانت تجول باحثة عن (المعنى) لا يصدفها عنه صادف ولا يردها راد، ومن أجل ذلك تعامل مع هذه الشخصيات بروح الرائد المستكشف لا بروح الجندي المحارب.

وكان، جاداً في تبني التجديد، وصادقاً في الدعوة إليه، وكان داخله يضجّ بالمعاناة، والقلق، وقد شعر أن هذه الشخصيات كانت حليفته في الهم، وزميلته في القلق رغم اختلافه معها في المنهج والمآلات. فهي تؤمن مثله بحق الأجيال المتعاقبة في أن يكون لها حق التفكير، وحق الإضافة، وحق التجديد، واستلهام روح العصر، لذا رأى فيهم خطوة بل قفزة في سبيل تحرير روح الفرد، وفي الثورة على الاستبداد الديني والسياسي، أو بالأحرى صخرة كبيرة قذفت في مستنقع الجمود والركود، ولعل هذا ما يفسّر لنا أيضاً موقفه الإيجابي من حركة – دعاها بالإصلاحية – كانت تقف على النقيض من البابية والبهائية، وكانت تجافي نزوعه الصوفي العرفاني أعني الحركة (الوهابية)، لأنها أحدثت الأثر نفسه في العالم الإسلامي الساكن والمشوّه.
بل لقد رأى إقبال أن الحركة البابية ليست سوى صدى للإصلاح الديني العربي الذي ظهر على يد محمد بن عبد الوهاب، يقول إقبال: “الحركة الوهابية هي في الحق أول نبضات الحياة في عالم الإسلام الحديث، وقد كانت هذه الحركة مصدر الإلهام بصفة مباشرة أو غير مباشرة لمعظم الحركات الكبرى الحديثة بين مسلمي آسيا وإفريقية، كالحركة السنوسية، وحركة الجامعة الإسلامية، والحركة البابية التي ليست سوى صدى فارسي للإصلاح الديني العربي”(14). ويقول أيضاً: “وليس يعنينا هنا من الحركة الوهابية ناحيتها السياسية التي قضت عليها جيوش محمد علي باشا، ولكن الشيء الجوهري الذي يلاحظ فيها هو روح التحرر الظاهرة، وإن كانت هذه الحركة في ذاتها محافظة أيضاً تتمسك بالقديم على طريقتها الخاصة، فبينما تتمرد على قصر حق الاجتهاد على أصحاب المذاهب، وتصرّ بقوة على القول بحق الاجتهاد، فإنّ نظرها إلى الماضي خلا من النقد والتمحيص خلواً تاماً” (15).

ومن أجل ذلك لم يخفِ إقبال إعجابه بالباب والبهاء وقرة العين، فهم امتلكوا الجرأة بل الجسارة في أعلى صورها للمطالبة بالاجتهاد والتجديد، وولوا وجوههم شطر الحاضر والمستقبل، ولا شكّ في أن كلّ ما حلم به محمد إقبال، وكل ما دعا إليه: من ثورة عارمة على الركود والجمود، ومن تمرد عنيد على الشكل والقشور، ومن تحلٍّ بروح وثابة متحررةٍ من كل قيد أرضي، ومنعتقةٍ من كل أسرٍ دنيوي، قد وجده في هذه الشخصيات التي هزّت المجتمع المسلم هزاً عنيفاً، والتي تلقت من سلطتيه الدينية (العلماء)، والسياسية (الشاه) الاضطهاد والبطش والتنكيل فلم تستسلم ولم تتراجع ولم تتزحزح، وإن أدى ذلك، كما ألمح إقبال، إلى أن تبتعد هذه الحركة الجديدة شيئاً فشيئاً عن الصبغة الإسلامية، بل عن الدين الإسلامي برمته.

الهوامش:
1- “الفرقة الهامشية في الإسلام: بحث في تكوّن السنية الإسلامية، ونشأة الفرقة الهامشية وسيادتها واستمرارها”. تقديم: د. عبد المجيد شرفي، ط: 1، المركز القومي البيداغوجي: تونس، 1419ه-1999م، ص 61.
2- ترجمت هذه الرسالة إلى العربية مرتين: الأولى أعدها الدكتور مجيب مصري اعتماداً على ترجمة فرنسية، فكان هذا مسوّغاً للدكتورين حسن الشافعي ومحمد السعيد جمال الدين ليترجماها عن أصلها الإنجليزي تحت عنوان: “تطور الفكر الديني في إيران: إسهام في تاريخ الفلسفة الإسلامية”، ويجدر الذكر أن الدكتور نجيب المصري خان نص إقبال فحذف منه استدلالات البهائية بالقرآن على صحة ما ذهبت إليه حتى لا يتأثر المسلمون بزعمه.
3- انظر: محمد إقبال، “تطور الفكر الديني في إيران”. ص 139.
4- انظر: د. محمد البهي، “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار”. ط: 4، مكتبة وهبة: القاهرة، ص468.
5- انظر: محمد إقبال، “رسالة الخلود، أو جاويد نامه”. ترجمها عن الفارسية وشرحها وعلق عليها: د. محمد السعيد جمال الدين، 1974، ص 210.
6- انظر: محمد إقبال، ديوان “ضرب الكليم”. ترجمها شعراً عبد الرحمن عزام. والقصة يرويها نبيل زرندي في تاريخه، في محاكمة الباب بتبريز، كما يلي: “قال الحاج ملاّ محمود المسمى (نظام العلماء) معلّم ناصر الدين ميرزا ولي العهد للباب:”إنّ الدعوة التي تدعيها الآن هي دعوة خطيرة، فيجب أن تدعمها بالدليل القاطع. فأجاب الباب: إنّ أقوى دليل وأقنعه على صحة دعوة رسول الله هو كلامه، كما دللّ على ذلك بقوله: ألم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب، ولقد آتاني الله هذا البرهان، ففي ظرف يومين وليلتين أقرر أني أقدر أن أظهر آيات توازي في الحجم جميع القرآن. فقال له نظام العلماء: إن كنت صادقاً صف لنا هذا الاجتماع شفاهياً بلغة تشابه آيات القرآن، حتى إنّ ولي العهد والعلماء المجتمعين يشهدون بصحة دعوتك، فوافق الباب على طلبه، وابتدأ ينطق بهذه الكلمات: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)، فاعترض عليه الملا محمد المامقاني لافتاً نظره لغلطة نحوية، وصاح قائلاً باحتقار: إنّ هذا القائم أظهر جهله في أول كلامه في أبسط القواعد النحوية، فأجابه الباب: إنّ القرآن نفسه لا يتفق في كثير من الأحوال مع القواعد السائدة بينكم، فكلمة الله لا تقاس بالحدود، التي هي عند خلقه، بل إنّ القواعد التي أوجدها الناس قد استنتجوها من كلام الله، وقد وجد هؤلاء الناس مخالفات نحوية في القرآن في أكثر من ثلاثمئة موضع، مثل الموضع الذي تنتقد عليه، ولكنهم امتثلوا ولم يكن لهم بدّ من ذلك، لأن الكلام إنما هو كلام الله“. راجع:”مطالع الأنوار“، نبيل زرندي. ص 250 – 251. 
7- انظر: مجلة التراث العربي – دمشق، عدد 97، 24/آذار/ 2005م 
8- انظر:”بكاء الطاهرة: رسائل قرة العين“. مجموعة من المؤلفين، تقديم: يوسف أفنان ثابت. ط:1، دار المدى: دمشق، 2008، ص 39. وفيه معلومات كافية حول هذه الشخصية النسائية التي تعد أول صوت نسائي يظهر في الشرق يرفض اضطهاد المرأة واستعبادها.
9- انظر: محمد إقبال،”رسالة الخلود، أو جاويد نامه“. ص 208.
10- المصدر السابق.
11- المصدر السابق.
12- المصدر السابق، ص 211.
13- انظر:”تطور التفكير الديني في إيران“، ص137.
14- انظر: محمد إقبال،” تجديد التفكير الديني في الإسلام”. ت: عباس محمود، راجع مقدمة الكتاب والفصل الأول منه: عبد العزيز المراغي، وراجع بقية الكتاب: د.مهدي علام، ط: 2، دار الهداية: مصر، 1421ه-2000م، ص180.
15- المصدر نفسه، ص 181.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق