هُوّة فكرية أمام “الدولة الإسلامية” / سحر مندور

عندما أعلنت “داعش” تحوّلها إلى “الدولة الإسلامية”، أخرجت نفسها من التصنيف كجماعةٍ محاربة ضمن الجماعات المتحاربة في أرض الفوضى العسكرية، لتجعل من نفسها “دولةً” تتغيّر خرائط الدول لأجلها. لقد أعلنت أن التعامل معها كـ“شيءٍ من كلّ” لم يعد مجدياً، إذ أنها باتت “الكلّ” الذي تريده لنفسها، بمعزلٍ عن أثر مموليها وسياسة أعدائها في تشكيلها. ليست قوّة رفض وإنما قوّة نظامٍ يريد أن ينشأ. وهو “نظام” يتوعّد المجتمعات بإخضاعها له، بينما يستمدّ منها أفراده والأسباب.

وعندما أعلنت “الدولة الإسلامية” خلافتها الله في شؤون العباد، تجلّت في مواجهتها فجوةٌ عميقةٌ في الفكر. لا الخطاب الديني تفوّق على مضمونها بأدواته، ولا الخطاب المدني أوجد لها دليلاً. وهي، حتى هذه اللحظة، لا تزال في وعينا كتلة “همجية” سوداء العَلم، تتخفى وجوه رجالها خلف الشعر الكثّ، بينما تُخفى النساء خلف الأقمشة السوداء، تهجم هنا وتنمو هناك، لها زعيمٌ له إسمٌ وقصة، ولها مريدون من أنحاء العالم. حتى الإسم الذي نطلقه عليها (داعش) تبغضه وتجلد قائله. لنا، لا تزال “الدولة الإسلامية” متأرجحة بين الواقع والخيال، لا يصدّق نشوءها أحدٌ فعلياً، لكن لا ينفي نشوءها أحدٌ أيضاً. كأنها سرابٌ وهي واقع، كأنها قصّةٌ تُحاك وهي انفجار سياق.

منذ “جبهة النصرة”

قد تكون هذه العلاقة مع “داعش” بعضاً من أثر المفاجأة، مفاجأة سقوط الموصل. لكن جذورها بدأت قبل ذلك. وهي مستمرٌّة في كنف الفجوة الفكرية التي يتكاتف لتأمين استمراريتها الخطابان الديني والسياسي، ناهيك عن المسؤولية المحورية لصنّاع الرأي العام، أي الكتّاب والناشطين المدنيين وسواهم.. أولئك الذين تمترسوا كلٌّ في خندقه السياسي (الخير والشرّ، كلٌّ تبعاً لتعريفه لنفسه)، منذ ما قبل سوريا وحتى اليوم. وما عادوا ينتجون أفكاراً نقدية، وإنما وقوداً لمدّ محركات “الرأي الصائب” بالمزيد من الصواب، ومسخ الآخر في صورٍ خارجة عن الرشد ليصبح قابلاً للإلغاء.

هذه المفاجأة قدّمت تمهيداً منذ مدّة، رفض المدنيّون التعامل معه. عندما أعلنت “جبهة النصرة” نشوءها في سوريا، بادر الكثير من المعارضين المدنيين إلى مناصرة التنظيم الإسلامي بصفته أحد الشركاء في عملية التغيير المرجوة. مهما كان فهو حليف، قالوا. ثم وضعت “الجبهة” في عين الشمس انتماءها “القاعديّ” فحصل ارتيابٌ خجول، خفت صوت المناصرة السابقة. ثم كانت “داعش”، فعلا الحسّ مجدداً ليتهمها بولائها سرّاً إلى النظام، بدليل إطلاقه سراح بعض قادتها كما حربها مع “النصرة”. ونمت الأيام إلى اتضاح واقعها المُدان عالمياً هذا، فبات الخطاب المدني يحكي صراحةً عن رفض “داعش”، مع التشديد على مسؤولية الأنظمة في إنتاج الإرهاب. وستنمو الأيام من واقعٍ إلى آخر، بينما يلحق به ركب المدنيين طالبي التغيير لاهثاً، يبتدع لكل مناسبةٍ مقولة تصبح هي البوصلة في الطريق المعتمد سلفاً. كل حدثٍ، مهما بلغ حجمه ومهما اشتدّت محوريته، يبقى مجرد حدثٍ قابل للطحن في ماكينة تأكيد صوابية الرأي الأول. ومع أن أحداً ما عاد يسأل عن الرأي الأول، إلا أن هوس التأكيد على صوابيته أسقط من حسابه من لا يعنيهم هذا الهوس، وهم الأكثرية المهجّرة إلى كل/لا مكان، في العراء وفي الغربة.

مع تغيّر الواقع وهوس الخطاب بنفسه، فقد الصوت المدنيّ من واقعيته، بحيث بات يسودنا اليوم خطابان فعليان: واحدٌ نظاميّ، والآخر إسلاميّ. وإذا كانت للأنظمة مسؤولية في إنتاج قوى كـ“داعش”، فلا مفاجأة في ذلك، طالما أن الأنظمة التي نعرفها جيداً تشتهي الفوز بأعداء منفرين إلى هذه الدرجة. في المقابل، فإن المساحة المدنية لا تزال تعلّق على الأحداث، لا تنتج فكراً مغايراً، لا تمشي على طريق.

قصور ديني ومدني

الفجوة الفكرية التي نحيا فيها ليست وليدة اللحظة، ولا هي حلّت مع حلول “داعش”. منذ زمنٍ ونحن نحيا على إيقاع تصادم خندقين سياسيين تحتكر العلاقة بينهما السواد الأعظم من خطبة الشأن العام. من جهته، سارع الخطاب الديني الرسمي في بلادنا إلى التبرؤ من “التهمة” عبر تكرار المقولة إياها: الإسلام منكم براء، هذا ليس الإسلام الحقيقي. وهي المقولة التي يلجأ إليها هذا الخطاب كلما وقع حدثٌ “باسم الإسلام” لا يليق بشرعة حقوق الإنسان. لم ولن يبحث الخطاب الديني في جذور “داعش” الفعلية في التاريخ الإسلامي. لم ولن يبحث في مدى مسؤولية المؤسسات الدينية الحاكمة في البلاد التي يسودها المسلمون عن إنتاج نهج “داعش”. لم ولن يبحث في استنسابية الجهاد التي تكون تارةً مدخلاً أكيداً إلى الجنّة وطوراً جريمة تكفيرية “الإسلام منها بريء”. لم ولن يعيد النظر هذا الخطاب الديني في شيء من مكوّناته. التزمّت هو الصوت الحاكم فيه، لكنه ينأى بنفسه عن التطرّف. فيصبح كاللاعب على الكلام، لا يُقنع شاباً متحمّساً ولا يلبّي طموح مسلمٍ ربّاه على يديه.. فكانت “داعش” له بالمرصاد: قصة تطرّف خالصة تروي عن الإسلام سيرةً حادّة تتبناها، وتروي عن المجتمعات حاضراً تبغضه وستلغيه.

أما الخطاب المدني السياسي فأنتج القراءتين الاحتكاريتين المعروفتين سلفاً لسياق نشأة “الدولة الإسلامية”: وجود/أداء إيران و“حزب الله” أنتج وحده التطرّف السنّي، أو، السعودية هي الوالدة الحصرية لهذا المُنتَج. وإذا كان كلّ من الرأيين يحتمل النقاش والصواب، فمن الساذج الاعتقاد بأن ولادة كهذه يمكن أن تتمّ بعنصرٍ واحد. وإذا كان التشبث بحَرْفيّة الموقف رغم تغيّر الخريطة (!) هو مبرّر وجود الأطراف السياسية كما هي راهناً، فإن انسحاب هذا التشبث على صنّاع الرأي العام من كتّاب وناشطين وسواهم هو العنصر الخانق للفكر.

إن صانع الرأي العام في بلدنا اليوم يغيب تماماً عن دوره الأساسيّ في المراقبة والنقد، أو يستمر في هذا الغياب متجاهلاً ثقل وطأة الأحداث. فينحصر أداؤه في اجترار الواقع ذاته الذي سهّل ولادة “داعش”. ولذلك، لا نستيقظ في صباحٍ لنسمع رأياً مدعّماً بالبحث والتحقيق، يفصّل تباعاً الأسباب التي وفّرتها دولنا لنشوء هذه “الدولة”، دينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يحكي عن توزيع المسؤوليات على الذات والآخر وسواهما، عن التغيير المطلوب على كل المستويات لتحصين المجتمعات، عن وعن.. في المقابل، ترانا نستيقظ في كل صباح على باقةٍ جديدة من البراهين التي تؤكد صوابية الذات، وضرورة استمرارها في ما هي عليه. أيّ صوابية يمكن أن تساهم في إنتاج واقعٍ كهذا؟!

لا ظلال في الخنادق

من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن يخوض مواطنون لبنانيون ناشطون في الشأن العام، اليوم، نقاشاً يعيدون فيه توزيع المسؤوليات ومقاربة الوقائع، كما الخروج بقلقٍ وطنيّ حول المسار الجماعي. لا يكترث أهل 14 بمصير أهل 8، لا بل يجدون أن استمرارية الذات تمرّ بتدمير الآخر. أما أهل 8 فلا يجدون في خطاب 14 إلا كامل المبررات لاعتناق القوة كمنهجٍ في الضبط والقصاص.

على المستوى الشعبي، يمكن أحياناً للحديث أن يخرج من هذه الصيغ المعلّبة، عندما يتخلّص المرء من شوائب “الخير والشرّ” وينصت: تسمع نقداً هنا لفعل، وتسمع نقداً هناك لعجز. تسمع أحياناً ناساً من 14 يراهنون على “حزب الله” كقوة مواجِهة لـ“داعش” في لبنان، وتسمع بين أهل 8 رأياً مناهضاً تماماً لأداء النظام السوري أو لدور إيران في العراق، … لكن، خارج الأحاديث الشخصية، يبقى من الصعب جداً أن تسمع رأياً يخرج بمعادلة مختلفة عن تلك التي يغذّيها خطبة خندقه. تراهم يجهدون لكي لا “يرتخي” نبض الشارع، بينما الشارع بات يتفجّر بناسه. يجهدون لتُختزل نقاشاتنا بإصبع اتهام يجب ـ كواجب جهاديّ، يُسمّى أحياناً “أخلاقيّ” للتمييز – أن يبقى موجّهاً نحو “الطرف الآخر”. هذا “الآخر” الذي يشكّل جحيمي، ويتسبّب به وحده، يصنعه رغماً عن أنفي، ويفرض عليّ العيش فيه، وأنا أنتفض، وأنا أرفض، وأنا أجزم.

إن “الدولة الإسلامية” قد أعلنت نفسها من بيننا. خرجت من حضننا. فينا كامل أسبابها، وجميعنا ـ إن لم نكن منها ـ ضحاياها. في المقابل، نحن نعاني فعلياً من نقص حاد في الفكر النقديّ للذات وللواقع الذي تنتجه هذه الذات، إن كانت على شكل أفراد أو مجتمعات أو نخب أو دول. نعاني من وجود طبقة صنّاع رأي عام تنهل من مياه القداسة. لا سجال، لا نقد ذاتياً، لا ظلال في الخنادق، وإدانة لكلّ من يفعل أيّ شيء من ذلك. شيءٌ يشبه الدولة الإسلامية. شيءٌ يساهم، على الأرجح، في شرحها.

إن كل أسباب نشوء “الدولة الإسلامية” موجودٌ في كل أسباب وجود المجتمع: من الدين إلى الاقتصاد، من الخارج إلى الداخل، ومن الألف إلى الياء. ولذلك، لا يمكن أن تستقيم قراءة مجتزأة لهذه الولادة إلا في ذهنٍ يشتهي الاجتزاء وهو متورّط فيه، وبالتالي ينتصر لخطّ سياسيّ هو بدوره سبب من أسباب نشوء “الدولة”.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق