عن متلازمة الاستهلاك والفقر والتدين / أحمد زايد

يبدو المشهد كأن كل شيء اختلط بكل شيء. لا يعرف المرء أين يبدأ الدين وأين ينتهي، وأين يبدأ الاستهلاك وأين ينتهي، كما أنه لا يعرف أي الكلام مسوغ وأي الكلام غير مسوغ، ولا يعرف حدوداً للمسؤولية عن الفعل أو اللافعل. يبدو هذا الواقع المليء بالفوضى والاختلاط كأنه يحاصر الناس، يحاصرهم في منازلهم عبر شاشة صغيرة تلقي عليهم بكلامها وصورها فلا يملكون أمامها إلا الإذعان والاستسلام، ويحاصرهم في الشوارع عبر وجوه الممثلين ومقدمي البرامج والإعلانات عما يخطر في البال وما لا يخطر.

ويبدو أن لا سبيل لفهم هذا التناقض، وذلك التداخل إلا في ضوء فهم لطبيعة الثقافة الاستهلاكية، وما تملكه من قدرة على صبغ الحياة بالصبغة المادية، وعلى إخضاع كل ما في الحياة لمتطلباتها ومساراتها. فلهذه الثقافة الهيمنة الكبرى على عقول الأفراد ومقدراتهم. ليست هذه العقول عقولاً ساذجة أو بسيطة، وإنما هي عقول «مأسورة» ضرب حولها السياج لكي تُحرم من ضرورات الحياة وحقوقها، فباتت أسيرة لهذه الثقافة التي رتبتها المنظومة الرأسمالية العالمية، فليس لها من مخرج إلا الخضوع لأسرها والركوع تحت أقدامها.

لا مراء في أن المسعى الرئيسي لهذه النزعة الاستهلاكية هو مسعى مادي، وأن العلاقات المادية التي ترتبط بالأعمال والتجارة هي المحرك الرئيسي لها (لن أتحدث هنا عما يمكن أن يكون وراء التجارة من صور للفساد والانحراف)، وعبر المحرك المادي تحاول نزعة الاستهلاك أن تخضع كل شيء لمتطلباتها وأهدافها بحيث تكتمل لها السيطرة على الإنسان والإحاطة به من كل جانب، وسبيلها إلى ذلك التمسح بالدين والأخلاق، عبر تحكمها في عالم الصورة والرمز، وعبر تشجيعها أنماطاً معينة من التدين، ودغدغتها مشاعر فطرية، واللعب على وتر الحاجات والرغبات غير المتحققة.

يتحول الإنسان الخاضع لثقافة الاستهلاك إلى إنسان مستهلك الصور والرموز، أين ما يمَّم وجهه: في الأسواق، الشوارع، وفي المنزل عبر الشاشة الصغيرة وعبر الفضاء الإلكتروني. وهنا يتحول عالم الصورة إلى عالم صديق للإنسان، عالم باهر وساحر، يستحوذ على العقول والأفئدة. ولا يتشكل هذا الاستحواذ إلا إذا داعبت الثقافة الاستهلاكية ما لدى الناس من أرصدة تراثية. ومن ثم، فإنها تخلق لنفسها متلازمة محلية، بحيث تقنع الناس، وهماً، بأنها تحمل على ظهرها ما لديهم من هموم، وتحافظ على ما لديهم من تراث.

من هنا، يبدأ تشابك الثقافة الاستهلاكية مع الدين، حيث تقوم بتأسيس نمط من التدين الشكلي الذي لا يعبأ بانعكاس الدين في السلوك والتعاملات بمقدار ما يعبأ بأداء الطقوس والتركيز على التفاصيل، والتشدد في مراقبة هذه التفاصيل والعمل على إبرازها. ويسمح هذا النمط من التدين بالاندماج في الثقافة الاستهلاكية والخضوع لمتطلباتها وهيمنتها. فهذه الثقافة تساهم في إنتاج مادة مـــــسموعة ومرئية ومقروءة تسد الحاجة إلى المعارف الدينية التي يطلبها هذا النوع من التدين، وتصبح هذه المعارف مادة خصبة للإنتاج وإعادة الإنتاج داخل منظومة الثقافة الاستهلاكية، عبر خطاب ديني خاضع لهذه الثقافة، وهي مادة تظل تتسع وتتمدد إلى أن تخرج عن نطاق الدين وتندمج في جوانب منها اندماجاً كلياً في الثقافة الاستهلاكية. ونأخذ أمثلة على ذلك من المسابقات الدينية التي تبثها بعض القنوات أو التي تُلحق ببعض البرامج، ويكون هدفها الربح الخالص، لا وجه الله والدين. ومن الأمثلة أيضاً البرامج التي تروج للشعوذة والسحر، أو الأغذية الصحية، أو بعض أنواع العلاج.

وإذ تهيمن الثقافة الاستهلاكية على عقول البشر وميولهم وتدغدغ مشاعرهم الدينية، عبر الغريزة لا عبر العقل، فإنها تلعب على مشكلاتهم وهمومهم. وهي إذ تفعل ذلك، فإنها تبدو كأنها تكفر عن ذنبها فتقدم نفسها باعتبارها ثقافة فاضلة ومثالية. ويبدو ذلك جلياً من الطريقة التي تدمج بها قضية الفقر في هذه الثقافة. فثمة مساحة تفرد للدعوة إلى التبرع لمساعدة الفقراء وعلاج الأمراض، وثمة مساحة تفرد لدفع الفقراء إلى الاستفادة من أشياء تبدو صعبة المنال عليهم، وذلك عبر اختبار قدراتهم الاستهلاكية ومكافأتهم على الهواء مباشرة (أفكر في هذا السياق في رحلات الحج والعمرة التي تمنحها الشركات المنتجة السلع التي يستهلكها الفقراء وذلك عبر مسابقات تتعلق بمعدلات استهلاك هذه السلع).

هذه الثقافة الاستهلاكية هي الثقافة المهيمنة على عالمنا المعاصر، ولكنها تتجلى بكل صورها في شهر رمضان، وتحول الشهر الفضيل إلى صورة مثالية لكيفية توظيف هذه الثقافة والآليات التي تنتجها. وأحسب أن جزءاً كبيراً من إساءة فهم الدين، بل التطرف في تفسير نصوصه، يرتبط بهذه الثقافة التي تمنح للصور المشوهة من التدين الفرصة لكي تنتشر ويصبح لها أنصار. كما أحسب أن جزءاً كبيراً من حالة التمزق والتشظي التي تعانيها الثقافة العربية يرجع إلى فعل هذه الثقافة الاستهلاكية التي تغرس في النفوس صوراً من الامتعاض وتعميق مشاعر الحرمان فتجعل البشر يشيحون بوجوههم عن ثقافة أوطانهم من دون أن يكونوا قادرين على تطوير بدائل ناجزة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق