بين غزة والموصل… بين العجز والعار / حسن شامي

مطلوب الكثير من الجهل وسوء النية كي نضع في قالب تاريخ واحد ما يحصل في غزة وما يحصل في الموصل.

غزة تتنفس برئة حجرية ربما، لكنها تتطلع إلى مكان لائق تحت الشمس. وهي تصنع من الأنفاق قصبة لتهريب الحياة وسرقة هواء من ثقوب حصار خانق. في يوم واحد، وهو ليس الأول ولا الأخير، جرى قصف مدرسة تابعة للأونروا في مخيم جباليا وقصف سوق شعبي في الشجاعية، إضافة إلى استهداف المنازل مما أسفر عن سقوط أكثر من مئة وعشرين قتيلاً وأضعافهم من الجرحى.

وهذا غيض من فيض مذبحة مفتوحة دخلت أسبوعها الرابع. وما حصل حتى الآن من قتل وتدمير ممنهجين ليس سوى وقائع مجزرة معلنة. فقادة الدول الزاعمة القبض على المصائر وحيازة التفوق التاريخي والمعرفي أعطوا بطريقة شبه غريزية الضوء الأخضر للسعار الإسرائيلي بدعوى حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. واحتفظوا بالطبع لأنفسهم بالحق في مطالبة الحليف المسعور بعدم المبالغة في السعار، وإلا فإنهم سيضطرون إلى إدانة بعض الممارسات المؤلمة أخلاقياً. يصح في هؤلاء ما كتبه في 1784 الفيلسوف الألماني كانط في صيغة رسالة جاء فيها: «إننا مثقفون جداً في ميدان الفن والعلم. إننا متحضّرون جداً إلى حد الرهافة بالنسبة الى المجاملات والآداب الاجتماعية من كل نوع. لكن أن نعتبر أنفسنا متخلّقين بأخلاق عالية، فهذا ما يتطلّب الكثير للبرهنة عليه».

مانحو الضوء الأخضر هم رؤساء بعض الدول الغربية والأطلسية، أولئك الذين تجرى المطابقة، والحلولية الصوفية، بين أوزان سياساتهم بالذات والمجتمع الدولي. وليس من قبيل الإنشاء السجالي أن نطرح بإلحاح على هؤلاء السؤال الذي يقض مضاجعهم: هل يحق للفلسطينيين أن يدافعوا عن أنفسهم؟ من يمتلك الوصفة الناجعة للدفاع الفلسطيني اللائق عن النفس فليتفضل بعرضها. هل القتل أو الخنق بقفازات جلدية يضع الجاني فوق الشبهات على ما يردد فيلق من الدعاة والكذبة المدافعين عن الدولة – القبيلة؟ وماذا نفعل بالحق في المقاومة، بالأحرى واجب المقاومة الذي تضمنه الشق الثاني من إعلان مبادئ الثورة الفرنسية مسبوقاً بالشق المتحدث عن ولادة البشر أحراراً متساوين في الحقوق وأمام القانون. هنا تنقسم الحداثة المؤسسة لزمننا السياسي والحقوقي إلى وجهين للقراءة والتفسير لازما الصراع على الحداثة نفسها. إنها حداثة ضد حداثة.

من مفارقات الأمور ربما أن يكون التوصيف الذي قدمه قبل أيام قليلة علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هو الأقرب إلى الصواب، إذ لم يكتف بوصف السلوك الإسرائيلي بالكلب المسعور، بل اتهم اسرائيل بشن حملة إبادة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. ومن المفارقات الأبلغ ربما أن يكون الأداء الأميركي للتوصل إلى تهدئة في غزة أكثر توازناً واتزاناً من أداء بعض المسؤولين والقادة الأوروبيين. وقد كشف الإعلام الإسرائيلي أخيراً عدداً من نقاط الخلاف بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، الأمر الذي عرّض جون كيري لحملة انتقادات قاسية في إسرائيل اعتبرها البيت الأبيض «مهينة» وعبثية. وقد عدّل كيري من مقاربته حين أعلن أن أي حل للوضع في غزة يجب ان يفضي إلى نزع السلاح منها. وكان كيري يحاول إرضاء الحليفين الآخرين المساندين لحماس، أي تركيا وقطر، من خلال تقديم صيغة قابلة للبحث والتفاوض. وهذا ما اعتبرته إسرائيل جائزة لحماس. وقد أعلن كيري عن هدنة إنسانية لثلاثة أيام تتبعها مفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في العاصمة المصرية. ولم يعد سراً أن السعار الإسرائيلي جاء على خلفية نزاع عربي – عربي موضوعه حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها وتحالفاتها مما أحاط المبادرة المصرية العتيدة وطريقة إخراجها بالكثير من الشكوك. وفي هذا الإطار، جرى تسويق إعلامي لما هو أسوأ من العجز العربي المعهود: اللامبالاة.

السعار الإسرائيلي جاء أيضاً على قياس الصمود البطولي للمقاومين في غزة. وهذا الصمود يجيز تحريك المسألة كلها بما في ذلك تعريف قطاع غزة. فاللامبالاة تعني الإقرار بأن تكون غزة معتقلاً أو معزلاً أو مستودعاً أو مكباً بشرياً أو مأوى لمتشردين، بحيث يمكن شراء الكثير من الأخلاقيات الكاذبة بمساعدتهم بحفنة من الدولارات. ثمة في غزة ما يدهش. ولا يقتصر هذا على بسالة المقاتلين، بل يشمل حيوية النسيج الاجتماعي والوطني على رغم المآخذ الكثيرة على سلطة حركة حماس المتمتعة بشرعية شعبية وتمثيلية هي التي يجرى العمل بكل الوسائل على تقويضها بما في ذلك العقاب الجماعي.

فليس تفصيلاً صغيراً أن يلجأ نازحون إلى كنيسة وأن يدعو أسقفها المسلمين إلى رفع أذانهم منها في حال تهدم مساجدهم. ثمة ما يدهش في غزة. أما في الموصل فثمة ما «يدعش». فهنا استولت دولة أبي بكر البغدادي على ممتلكات المسيحيين وقامت بتهجيرهم بعد أن خيّرتهم، في عصرنا هذا وبعد اكثر من قرن ونصف القرن على التنظيمات العثمانية، بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل أو الموت. ويحصل هذا باسم الإسلام، أي باسم كيان حضاري شديد التركيب والتعقيد، إذ هو العنوان العريض لمروحة متنوعة من الجنسيات والإثنيات واللغات والثقافات وأنماط التنظيم الاجتماعي والتجارب التاريخية.

وهذا التصحير والتجفيف للثقافة والتاريخ الإسلاميين ليسا تعبيراً فحسب عن جمود وتزمت في فهم مرجعيات الحياة الإسلامية… بل دعوة خرقاء للخروج من الزمن والمكان التاريخيين إلى العدم. وللمزيد من الخرق، ومن العار أيضاً، جرت مصادرة بيوت المسيحيين وكنائسهم كما لو أنها غنيمة حتى من دون حرب. إنه استضعاف الضعيف أصلاً. من العار أيضاً أن يفرغ العراق من مسيحييه الذين يقيمون فيه منذ مئات السنين. وقد بدأ هذا التفريغ منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 وتواصل إلى حد أن ثلثي المسيحيين هاجروا لتعيش الطوائف والقبائل المتحاربة نزاعاتها العبثية بصفاء أكبر.

المثال الذي تستلهمه دولة الخلافة الداعشية هو مثال القبيلة وصورتها. هذه الصورة تزاوج بين السلفية الجهادية وبين نموذج القبيلة العالمية الذي تمثله الدولة العبرية كما يتصورها دعاة «داعش». فدعوة المسلمين، وهم قرابة المليار نسمة، إلى الهجرة إلى «داعش» هذيان. مواجهة «داعش» هي دفاع عن المجتمع في حده الأدنى.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق