حلب تتوكأ على ما بقي منها وتقول ما لا نريد سماعه / ابرهيم الزيدي

يوجعني أن أمشي بين النوتات الموسيقيّة للقدود الحلبيّة، بعيداً من بلاط سيف الدولة، بعدما “تَعَثّرَتْ بهِ في الأفْوَاهِ ألْسُنُهَا/ وَالبُرْدُ في الطُّرْقِ وَالأقلامُ في الكتبِ”. تأبّطتُ أوراقي المصابة بحمّى الكلام، ويمّمتُ شطر الشمال السوري، بحثاً عن نسخة أصليّة للحزن، بعدما طوّرتُ آليات الهرب من المواقف العاطفية، كطفل خان براءته، وتركتُ امرأة ما فتئت تسألني كم سأودعك، وتلحق خطواتي بذل الدعوات.

في الطريق إلى النصف المظلم من وجه التاريخ، رأيتُني بين أطفال سقطت أحذيتهم وهم يركضون بسرعة الخوف، ورأيتُني بين رجال ذبلت عيونهم، بعدما خانهم البكاء. رحت أبحث عن تمثال أبي فراس الحمداني، بعد أحد عشر حاجزا، وثماني ساعات من الانتظار، “فالبلاد التي تُبدّلنا كما تُبدّل نعليها، لا نستطيع أن نبدّلها، إلاّ كما نبدّل قلوبنا”، “وَإنْ تكنْ تَغلِبُ الغَلباءُ عُنصُرَهَا/ فإنّ في الخَمرِ معنًى لَيسَ في العِنَبِ”.

ثمّة أكثر من طريق تؤدي إلى حلب، يسلكها الراغبون وفق مقتضى الحال، وأسباب السفر. سلكتُ ما يسمّى بطريق “خناصر” التي تنتهي بمنطقة الحمدانية، أمّا الطرق الأخرى فإن محطتها الأخيرة هي منطقة “الزربة” قبل حلب تقريباً بثلاثين كيلومتراً. من هناك أخذتُ سيّارة أجرة إلى ساحة سعد الله الجابري، التي وصلتُها بعد 7 ساعات، فأدركتُ يقيناً أنّ حلب تعاني سبعة أضعاف ما نعرفه عن معاناتها، إذ إن الطريق بين الحمدانية وساحة سعد الله الجابري لا تستغرق ساعة من الزمن في أكثر الأوقات ازدحاماً، حين كانت حلب الشهباء. حلّ عليَّ المساء وحيداً، وأنا أقرأ أوراق النعيّ في وجوه الجدران المخذولة. حاولتُ الاتصال بأحد الأصدقاء، ممن يسكنون في حيّ يصنَّف في أدبيات الوقت الراهن بأنه حيّ للموالاة، فخانني الهاتف الذي انتهى شحنه. بحثتُ في دفتر الذكريات، فوجدتُ كل العناوين وقد هاجر أصحابها. استوقفتُ سيارة أجرة، وسألته كم تستغرق الطريق إلى الكلاسة، لأنني صرت أخشى زمن الرحلة، أكثر من خشيتي كلفتها المادية، فسمعتُ منه جوابا جعلني أبحث عن فندق، يؤوي وحشتي التي تعاظمت بعد خلوّ الشوارع من المارة. فالحرب لا بيت لها، لكي تهدأ، أو تنام.

في تلك الليلة، شاركني غرفتي في الفندق شاب حلبي، تعذّر عليه الوصول إلى بيته. سألتُه لم لا يغادر، كما فعل ما يقارب نصف سكان حلب، فقال: هذه المأساة لا شك قد أرهقتنا، لكن رحيلنا بأجساد منتهية الصلاحية، قد يكون موتاً بطعم المنفى، وأنا أريد أن أموت بطعم الوطن. سألته هل ثمة مجال لعودة المياه إلى مجاريها، فأجابني إن عادت فلن تكون صالحة للشرب.

في صباح تلك الليلة التي غادرها السكون، انطلقتُ إلى منطقة الفرقان التي تحوّلت الكثير من المحال فيها إلى بسطات تملأ الشوارع، وكذلك الحال في شارعي النيل والأكرمية. يبدو أن بضاعة الكثير من الأسواق، والمتاجر، قد انتقلت أو رُحّلت إلى تلك الشوارع، وهذه الأسواق المستحدثة، تقتصر على الألبسة والأحذية والمأكولات، إضافة إلى تجارة الهواتف النقالة، الجديد منها والمستعمل. اللافت انتشار مولّدات الكهرباء، وهو نوع جديد من الاستثمار، لم يكن موجوداً في سوريا سابقاً، إذ إن الانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي، الذي كان أحياناً يمتدّ لأيام، لا بل أسابيع، جعل أصحاب رؤوس الأموال الذين تعطلت أعمالهم، يدخلون هذا العالم، كلٌّ بحسب رأس ماله. تراوح طاقة الموّلدات بين 150 أمبيراً، و400، أما المستثمرون فثمّة من يستثمر منهم، ليكون وسيطاً بينهم وبين المشتركين، حيث يتراوح الاشتراك المنزلي بين 3 و5 أمبير، تبعاً لمستوى دخل المشترك، واحتياجه. تتوزّع على جدران الشوارع والأزقّة والحارات، صناديق معدنية، تحتوي على قواطع المشتركين، ولكل قاطع استطاعة. فإذا زاد الاستهلاك الكهربائي على الاشتراك المعلوم بين المشترك والمستثمر، لا يلبث القاطع أن يفصل تلقائياً، حيث أن استطاعة القاطع مقيّدة باشتراك المستفيد. قيمة الاستهلاك للأمبير الواحد 31 ليرة سورية في الساعة، علما أنّ هذه المولّدات متوسّط توليدها اليومي للطاقة لا يتجاوز 8 ساعات. وفي الحالات التي تتوافر فيها الكهرباء الرسمية، أو ما يُسمّى كهرباء الدولة، فإن المشتركين يتوقّفون عن استهلاك كهرباء الاشتراك، التي قلّما تتوافر. أما الماء فله قصة أخرى، لا تقل بؤساً عن قصة الكهرباء. فقد استعادت مهنة حفر الآبار حضورها، وأصبحت الأحياء تشترك في بئر غالبا ما يتم حفرها في بهو أحد المساجد، يشترك في كلفة حفرها جميع سكان الحي، ويشرف على توزيع مائها إمام المسجد، أو المؤذّن، أو أحد وجهاء الحي، وفق منهج متّفق عليه. البعض مِمّن لديهم بيوت عربية، يحفر بئراً خاصة به. إلى ذلك انتشرت ظاهرة بيع الماء، وهي من الظواهر الجديدة على مدينة حلب أيضاً، ويبلغ سعر سعة الصهريج الواحد، الذي يحتوي على 1000 ليتر، ما يقارب 3000 ليرة سورية، وهذا السعر رهين الظروف، فقد ينخفض إلى 2000 ليرة سورية. وهذا ما جعل بعض أصحاب صهاريج نقل المحروقات، يتحوّلون إلى نقل الماء. لم تعد حلب “أم المحاشي والكبب” كما كنا نسمّيها، فقد أصبحت الأطعمة التي قوامها الحبوب، كالبرغل والعدس والحمص والأرز هي السائدة، يضاف إليها المعكرونة والفول، وقد ساهم في انتشار هذه الأطعمة، ما يوزّعه الهلال الأحمر، والجمعيات الخيريّة من مساعدات، تقتصر على تلك المواد، يُضاف إليها زيت الصويا والسكّر. الغريب أنّهم يوزّعون سكّر الشاي، ولا يوزعون الشاي! هذا يتكرّر كل شهر، حيث توزع المواد نفسها، ربما لتكريس ثقافة الفقر. أو أن تلك الهيئات الإغاثيّة قد تعاقدت على شراء كميات كبيرة من تلك المواد، لأسباب لا نعرفها. يبدو أن أحلام الفقراء، وإنسانية الأقوياء، هما أول القتلى في الحروب. أثناء وجودي في منطقة الأكرمية، مرّ بالمصادفة موكب جنازة. كان الموكب يتيماً من المشاركات التي تواضع عليها الناس، فاستغربت، لأعرف في ما بعد أنه لم يعد للجنازات مواكب تشييع، بل تقتصر على ذوي المتوفّى، وهم أنفسهم يحفرون القبر. الصيغ السابقة للأفراح، جرى اختصارها، هي الأخرى، إلى حدها الأدنى. لقد خرج الحزن والفرح من أبّهتيهما، وخسرا شكلهما الاجتماعي. من الفروق التي استرعت انتباهي بين الرقة وحلب، أن الرقة شاعت فيها في فترة من الفترات تجارة الأسلحة الفردية، وهذا ما لم أجده في حلب.

تناهى إلى مسامعي اسم المعبر، أكثر من مرة، فعرفت أنّ ثمّة معبراً وحيداً، بين الأحياء التي تسيطر عليها الموالاة، والأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، وفق الأدبيات التي استحدثتها الحرب. أو خط التماس، كما يُدعى في لغة العامة. هذا المعبر موجود في منطقة بستان القصر، يشرف عليه الطرفان، كلٌّ من موقعه. يُفتح المعبر من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الرابعة عصراً، ممّا أدى إلى انتشار وسيلة نقل جديدة، هي عبارة عن عربة ذات ثلاثة دواليب، تُدفَع باليد، تُستعمل عادة في سوق الهال (سوق الخضر)، مخصصة لنقل أمتعة الناس، واحتياجاتهم، إضافة إلى كبار السن والعجزة. أمّا البضائع التي تحتاج شاحنات وسيارات، فإنها لا تعبر من هنا. توقّف نشاط هذا المعبر منذ أشهر، ممّا جعل الانتقال بين حيّ وآخر من أحياء حلب، يستغرق ساعات كثيرة، تصل أحيانا إلى 14 ساعة! علما أن المدينة بعد الساعة الثامنة تعيش حظر تجوال طوعياً، والنهار لا يكفي للسفر من حلب إلى حلب! وهذا ما يقتضي ضرورةَ أن تكون أجرة السرفيس أو التاكسي هي الأخرى مرتفعة جداً، وهذا ينسحب على أجور نقل البضائع أيضاً. فقد أخبرني أحد باعة البسطات في منطقة الفرقان، أنّ الحمل – ويقصد شحنة الملابس التي يمكن شاحنة صغيرة أن تنقلها – الذي كنّا ندفع أجرة نقله 300 ليرة سورية سابقا، أصبحت أجور نقله الآن تتجاوز 30000 ليرة سورية، مما جعل أسعار السلع تتضاعف هي الأخرى بشكل غير مسبوق. أما الأوضاع الميدانيّة، فإنّ أوراقها دائمة الاختلاط؛ اتفاق اليوم، من الممكن أن تفسده صفقة الغد! فـ“جبهة النصرة” تحاول التمدّد في اتجاه الحدود التركيّة، وثمّة من يقول إنّ حركة نور الدين زنكي قد عادت إلى “الساحة” بعدما حصلت على صواريخ “تاو”، والبعض يتحدث عن “جيش محمد” في منطقة اعزاز، الذي يقوده أبو عبيدة المصري، والذي يدعو إلى تطبيق الشريعة، ويتبنى الأفكار التي أعلنها تنظيم “داعش”. ثمّة ذكر لـ“عصبة الأنصار”، وغيرها من الجماعات المسلّحة، وكأن الواقع يتحرك وفق العقائد، وليس وفق أي مقولة أخرى. فتذكرتُ قولاً لكارل بوبر “من يعدوننا بالجنة، لم يعطونا على الأرض إلا جهنّم”. ممّا روّعني فعلاً، أنّه قد تم إسقاط طائرة في مخيم النيرب، وتفجّر ما فيها، مما ضاعف القتلى بين الأبرياء، فشعرتُ وكأنني طفل لم يعرف ناراً أكبر من عود الثقاب، وعليه الآن أن يصف غابة كاملة تحترق. فحلب عام ستة وثمانين وتسعمئة وألف، صارت المدينة القديمة موقعاً من مواقع التراث العالمي للأونيسكو، وفي عام ستة بعد الألفين، صارت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، وها هي في عام أربعة عشر وألفين تصير موقعاً غنياً من مواقع البراميل المتفجرة، وعاصمة للأرواح المتصاعدة!

سمعتُ مرّة أننا نستطيع تخيّل سرب حمامٍ يطير إذا أغمضنا أعيننا، لكنّنا لا نستطيع إحصاء العدد المتخيَّل. فما السبيل إلى إحصاء سرب الأرواح السورية التي تصعد إلى السماء يوميا؟

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق