«داعش» إذ يتجاوز الحدود / حسن شامي

يبدو أن تنظيم «داعش» وقع في المحظور الذي حذر منه قبل ستة قرون فقيه تاريخنا الاجتماعي وعصبياته ابن خلدون. إنه «إرهاف الحدّ» كما يقول صاحب المقدمة منبّهاً السلطان إلى عدم الغلو والإفراط في طريقة سوس الرعية، بما في ذلك الإفراط في الذكاء والكياسة. قد تكون العبارة البلاغية هذه مجرد وصفة وعظية وإرشادية أطلقها عالم متعدد الاهتمامات ومتشائم تاريخي بل حتى وجودي. ما دام التاريخ مسرح عصبيات ودول لا تتعدى أعمارها، وأطوارها، أعمار الأشخاص. كانت الوصفة تتوخى مقداراً من الحكمة والاعتدال ليس في زمن ابن خلدون فقط بل في كل زمن. ومن يلتفت إلى ظواهر التاريخ الطويلة الأمد والعصية على التغير، إلا ما شاء ربك، يدرك أن زمن التاريخ الخلدوني ليس خلفنا. فنحن ما زلنا في بعضه، وقد نختلف على تقدير حجم هذا البعض ومفاعيله.

وإذا كان ثمة وجه كشفته انتفاضات الربيع العربي في ما يخـــص علاقة السلطة الحاكمة بالمحكومين، فهو «إرهاف الحد» هـــذا، وإن كانت شروط عمله وإعماله شهدت تطويرات وتنقيحات مـــوصــــوفة بالتحديث والمعاصرة. والغريب أن الحكم على سلطة «داعش» بأنها بلغت درجة لا تطاق من إرهاف الحد، قد تأخر كثيــراً. والتأخر هذا اكتنفه غموض والتباس في مواقف كثيرين من اللاعبين الإقليميين والدوليين، الأمر الذي كان يطرح، ولا يزال، علامات استفهام حول رهانات التوظيف السياسي في ظاهرة «داعش» المتنامية والمرتدية طاقية إخفاء تجعلها لغزاً كبيراً. وهذا ما يجيز الظن في أن يكون تنظيم «داعش» عقدة ثعابين.

اللافت أن يكون صوت البلدان والهيئات الإسلامية الدولية خافتاً قياساً إلى حجم الفظاعات المرتكبة باسم الإسلام. وتهجير المسيحيين من الموصل ومن كل بلدة استولى عليها «داعش» والتنكيل بالإيزيديين التائهين والمحاصرين في جبال سنجار، سبقهما اضطهاد المسيحيين في الرقة وحرب ضروس مع فصائل سورية معارضة وإسلامية أودت بحياة حوالى ثمانية آلاف إنسان وفق تقديرات المرصد السوري المعارض. أليس غريباً أن تحرص بيانات البنتاغون على التشديد على أن عمليات القصف الجوي استهدفت بالتحديد أسلحة داعشية تتحرك في اتـــجاه أربيل الكردية؟ أليس غريباً أن يصرّح السيد راسموسن بأن قوات «الناتو» ستتخذ كل التدابير الضرورية للدفاع عن تركيا في حال تعرضها لتهديد من «داعش»، وكأننا أمام تهديد من العيار السوفياتي في زمن الحرب الباردة فيما الأمر يتعلق ببضعة آلاف من المقاتلين وبتركيا المتمتعة بقوة عسكرية ضخمة؟ أليس غريباً أن ينفتح سباق بين الدول الغربية على تزويد الأكراد أسلحة متطورة لمواجهة «داعش»، بعدما وعد وزير الخارجية الفرنسي بتسهيل استقبال المسيحيين المطرودين من بيوتهم وممتلكاتهم في الموصل، كما لو أن الأمر لا يستحق استنفاراً دولياً لتثبيت الحق في نصابه؟ أليس غريباً أن تلزم تركيا الصمت فيما يحتجز «داعش» حوالى أربعين تركياً كرهائن؟ وكيف نقرأ إعلان الأمم المتحدة أن مجلس الأمن يدرس إمكانات قطع التمويل عن «داعش»؟ وكان كثيرون استغربوا بحق أن ينهار الجيش العراقي في الموصل خلال ساعات وأمام بضع مئات، أو بضعة آلاف إذا شئتم، من المقاتلين الذين يتمتعون بالتأكيد بشراسة قتالية كبيرة إلى حد الافتراس، إلا أنهم يخلطون بطريقة هذيانية بين استعراض وتحصيل الأرجحية الأخلاقية؟

قد تكون النقطة الأخيرة المتعلقة بانهيار الجيش العراقي في الموصل أكثر إثارة للفضيحة والصدمة، منها إلى الاستهجان والاستغراب. فقد كشف هذا الانهيار قِصَر نظر حكومة نوري المالكي في كيفية بناء الإطار الوطني العراقي في الظروف المعروفة لما بعد صدام حسين والاحتلال الأميركي، ناهيك عن الفساد والمحسوبية وإطلاق العنان لشتى ضروب التعصب الفئوي. لكن هذا لا يمنع التساؤل عن وجود مداخل ومخارج لاستيلاء «داعش» على الموصل، تتعدى محدودية أفق المالكي ومسؤوليته عن بلوغ المشهد العراقي حداً كبيراً من العبثية والتذرر الطائفي والعرقي والمناطقي.

ثمة آخرون يتحملون قسطاً من المسؤولية. وقد تتضح الصورة بعض الشيء مع انسحاب المالكي من الترشح لولاية ثالثة، وقبوله تكليف حيدر العبادي تشكيل حكومة جديدة يفترض بها أن تضم أوسع أطياف الوطن العراقي المهدد بالتشظي على نحو يُعدُّ سابقة.

الغرائب التي نصوغها في صورة أسئلة وتساؤلات ترمي إلى إلقاء الضوء على ظاهرة «داعش» المحيّرة بمقدار ما هي خطيرة. فهناك ما يشبه الإجماع على أن القيمة الفكرية والعقائدية الإسلامية لـ «داعش» تقارب صفراً. هذا الفقر العقائدي معطوفاً على وعود بالتمكن والسؤدد والتنعم بمباهج الفردوس للراغبين في الخلاص من عذابات الدنيا، يخاطب بالتأكيد مخيلة شبابية مضطربة ومجروحة. أما القيمة الاستعمالية للظاهرة والتعويل عليها لتحقيق أهداف أخرى، فهما بالضبط ما ينبغي أن يسترعي الانتباه.

بات أمراً شائعاً استخدام فزاعة «داعش» لتمرير رسائل متعارضـــة ممـــا يجيز لكل طرف أن يزعم لنفسه الحق في كل شيء على حساب الطرف الآخر. وهذا يكفي ربما للتدليل على وظيفة الراية الداعشية في تثبيت انقسامات عمودية، وجعل الولاء المذهـــبي والطائفي وما يستدعيه من استحكام الأهواء الثأرية والانــكفاء على جروح الذاكرة الجماعية القريبة والبعيدة، مداراً وحــيداً وأخيراً للسياسة. ولا يقتصر استخدام الفزاعة الداعشية في مــشاريع وتصورات متعارضة ومتنازعة على السلطات الحاكمة والمتنافسة، بل بات يطاول الوسط الإعلامي واصطفافاته. لا ينبغي أن ندين «داعش» بطريقة يمكن أن يستفيد منها الخصم السياسي الكلي، أياً يكن هذا الخصم. هذا ما يتلجلج في كتابات وتعليقات كثيرين. ولا يتفطن معظم هؤلاء إلى أنهم يساهمون، لا شعورياً في الأقل، في توطين الظاهرة الداعشية وتطبيعها.

قيل وسيقال الكثير عن الأيدي الخفية التي تقف خلف «داعش». فهناك من يعتبره صناعة أميركية لمواصلة الفوضى الخلاّقة وتغيير خرائط الشرق الأوسط… أو صناعة إسرائيلية للغرض ذاته ولتبرير الصفة اليهودية الحصرية للدولة. وهناك من يعتبره صنيــعة النظام السوري، كما ردد الائتلاف الوطني المعارض زاعماً امتلاك أدلة قطعية على ذلك. والحال أن سيناريو «القاعدة» يعاد إنتاجه عبر «داعش» و «النصرة». الكل يلعب بالنار… ويحصل أن تصل النيران إلى اللاعبين. وحدهم الإطفائيون الكبار يربحون.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق