«تاريخ لبنان الطائفي» فسيفساء متداخلة / أنور محمد

يبحث الكاتب اللبناني الدكتور علي عبد فتوني في تاريخ لبنان الطائفي، من خلال رصد الحالة الطائفية وتطورها التاريخي منذ بداية الفتوحات الإسلامية، مبيِّناً الاختلاف المميَّز للبنى الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها الظاهرة الطائفية والتي من خلالها تحدَّدت الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في لبنان الحديث والمعاصر.

حيث تكرَّست جذور هذا النظام منذ عهد «القائم مقاميتين» ونظام «المتصرفية»، مروراً بمرحلتي الانتداب (1920 – 1943)، والاستقلال، وصولاً إلى الحرب اللبنانية (1975- 1990) التي كانت الطائفية السياسية أحد أبرز أسبابها الرئيسة. وانطلاقاً من ذلك أصبح الاستقلال الذاتي للطوائف من التقاليد الثابتة في تاريخ لبنان، ومن المسلمات والثوابت التي يقوم عليها النظام.

وقد تجسَّد هذا الواقع الذي أشار إليه الدستور اللبناني، بما منحته القوانين الوضعية المتعاقبة لهذه الطوائف من صلاحيات تشريعية وقضائية وإدارية.

عندما دخل العرب المسلمون بلاد الشام، كانت المناطق اللبنانية كغيرها تشكِّل ولاية من الولايات البيزنطية مع نوع من الإدارة الذاتية، وكان أكثر السكان خليطاً من أقوام متعدِّدة من بينهم العرب في سهل البقاع، أما دين الأكثرية فكان المسيحية ولاسيما منذ قسطنطين الكبير.

وقد شكّل الفتح الإسلامي مدخلًا واضحاً للمقاطعات اللبنانية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. وقد كان التسامح الديني الذي أوجده الأمويون مساعداً في تكوين الطائفة المارونية في شمالي لبنان، بالرغم من قلة عدد هؤلاء.

ففي الجبال الشمالية المحيطة بـ«بشري» كانت تسكن جماعات نصرانية يدير شؤونها زعماؤها المحليون.

وقد قدَّمت الطاعة للفتح الجديد وقبل المسلمون خضوعها واكتفوا بتبعيتها الاسمية لقاء دفع الجزية والخراج، ثمَّ نقل الخليفة المنصور قبائل عربية من منطقة حلب إلى شواطئ لبنان، وأبرزها قبائل التنوخيين، حيث كانت بداية هجرات واسعة لقبائل عربية انتقلت إلى المناطق اللبنانية لحمايتها من غزوات البيزنطيين ثمَّ الصليبيين.

وهذا ما ولَّد احتقانات أدَّت إلى انفجار الصدام بين السكان المحليين النصارى وبين القبائل الوافدة، فتعدَّدت التجزئة السياسية، وتعدَّدت المذاهب الدينية.

وكانت الدولة العثمانية قد تنبَّهت لأطماع فرنسا في ولاية سوريا وفي جبل لبنان بشكل خاص؛ إذ لفت انتباهها نشاط المبشرين الفرنسيين في مدينة بيروت ومنطقة جبل لبنان والمدن السورية الأخرى، مع ارتفاع صوت الزعامات المارونية التي أبدت استعدادها للتعاون مع فرنسا، فأخذت تطالب بفصل لبنان عن محيطه وتحويله إلى دولة نصرانية، في حين كانت فرنسا تعتبر نفسها حامية النصارى في الشرق.

إنَّ الطائفية في لبنان وكما يستنتج المؤلف علي فتوني غدت ذات ارتباط وثيق في كل ما يتعلَّق بالظواهر الاقتصادية كالإنتاج وعلاقاته وتقسيم العمل الاجتماعي، وأصبح العامل الطائفي يعزِّز بالضرورة زعامات طائفية، سواءً أكانت دينية أم مدنية، لكنَّها زعامات مسيطرة، أي طبقية بفعل عامل التمايز الاجتماعي نفسه، الأمر الذي أسَّس لنظام الامتيازات الطائفية الذي هو في الوقت نفسه نظام من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية.

الدكتور علي عبد فتوني، ناقد وباحث لبناني وأستاذ جامعي، من إصداراته: «البلاد العربية والتحديات التعليمية»، «الثقافة المعاصرة. تاريخ اليهود السياسي».

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق