وليمة الدم الإيزيدية / إبرهيم اليوسف

“حبيبي كان ضيفاً عندنا/ ربطتُ محبسي على خصلات شعره/ وهو جالس على سجادة خراسانية/ نظرتُ إليه بعيون عاشقة/ من أجل خصلة في شعره/ سأفديه بيدي وعيوني/ وإذا لم يكن حبيبي راضياً/ فسأفديه بقلبي/ حبيبي جالس في ديوان أبي/ إنه أوسم فارس إيزيدي/ عيوني تبعث إليه برسائل حب/ لكنه يتمنى قبلة مني/ لماذا لم أهد إليه قبلة؟/ إن الحياة قصيرة وفانية!/ من اسطنبول جاء الفرمان/ فيه إبادتنا تحت راية الإسلام/ أخذوا حبيبي مني/ لقد كان شاباً، افتقده كثيراً/ آه يا عيوني – سوف لن تراه أبداً/ حبي الجميل بقي هناك في البئر/ من صدرها كان ينبعث القرنفل/ ليتني أخذت من شفتيها قبلة/ وبعدها فليرسلوني إلى سيبيريا” (من أغنية كردية نقلها موريتس فاغنر عن مخطوط للمؤرخ أوتو فيغاند، ترجمة موال بشار).

دوّت هادرةً، صرخة الاستغاثة التي أطلقتها النائبة الإيزيدية فيان خليل، تحت قبة مجلس النواب العراقي، بعيد مرور أيام على الحملة الدموية الظلامية الشرسة على إيزيديي منطقة شنكال/ سنجار في كردستان العراق. أجهشت النائبة بالعويل، فاستبكت كثيرين من حولها في هذا المكان، مسلمين، ومسيحيين، كرداً، عرباً، سنّة، وشيعة وغيرهم على السواء. لكأنها قد أصبحت خنساء الإيزيدية حقاً، من خلال لغتها العربية، البليغة، ونطقها السليم، وخطابها المؤثر الشجي، بل من خلال ثقتها بنفسها، وإن كانت كلماتها تبللت بدموع روحها، بعدما أغرورقت عيناها بالدموع، واشتعل الألم في صدرها، وهي تقول: “نُذبَح تحت لافتة لا إله إلا الله، أهلي يُذبَحون، انقذونا”“.

تناقلت فضائيات كثيرة، وبلغات كثيرة، في العالم نداءها الإنساني، وتسارع المدوّنون لتوثيقه وترجمته، ونشره، وإعادة بثّه عبر الـ”يوتيوب“. فجأةً صارت”اليزيدية“أو”الإيزيدية“تطرح عبر وسائل الإعلام، بعدما كانت مغيّبة، مهمشة، أو تتردد باستحياء، على ألسنة بعضهم، وعلى نحو سياحي، أو كرفع عتب لا أكثر، ولو في إطار الحديث عن تعرض الإيزيديين، للمرة الأولى في ريف منطقة سري كانيي الكردية (رأس العين) قبل أكثر من سنتين، لهجمات بعض الجماعات التكفيرية عليها. غير أن الأمر لم يلق الاهتمام اللازم، إلا مع إقدام الدولة الإسلامية في العراق والشام-”داعش“، على ارتكاب أعظم مجزرة في تاريخ اليزيديين، عبر الغزوة الإرهابية النكراء، على منطقة شنكال/ سنجار التي يقطنها فيها أربعمئة ألف إيزيدي إلى جانب غيرهم من المكونات التي يتم الحديث عن مشاركة بعضهم فيها، وكان ضحيتها كما جاء في الإعلان الأول عشرات من الشباب تم إعدامهم ميدانياً، وسبي مئات النساء الكرديات الإيزيديات، وزواج أمراء”داعش“من بعضهن، وعرض الأخريات للبيع، كما يتم مع الرق، في أسواق النخاسة، وقد شهدت مدينتا الموصل والرقة، عمليات بيعهن، بحسب بعض وكالات الأنباء!

كان مفاجئاً لكثيرين موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما، توجيه ضربات جزئية ضد تنظيم”داعش“في الوقت الذي يخوض فيه جيش البيشمركة الكردي، أشرس معركة ضد هؤلاء الغزاة الإرهابيين، بعد كل ما سُجِّل عليه، من برود أعصاب، إزاء المجزرة السورية المفتوحة، التي يرى المراقبون أن صمت أميركا والأسرة الدولية وغض النظر عما يُرتَكب فيها من أهوال منذ أكثر من أربعين شهراً، كان وراء ازدياد قوة تنظيم”داعش“، بل والإرهاب، وانتقاله إلى العراق، وكانت فاتحة ذلك غزو الموصل، والتوغل صوب المناطق الكردية. لقد حاول هذا التنظيم الإرهابي أن يجعل من سنجار، أو شنكال، كما يسمّيها سكانها الكرد، مفتاحاً إلى كردستان، لوضع اليد على منابع النفط الكبرى في كركوك، بعد احتلال زمار وسدّ الموصل الذي يهدد”داعش“بتفجيره، وهذا ما ينذر بكارثة إنسانية، ناهيك بأنه سيؤدي إلى انقطاع الكهرباء، وشلل الحياة في مدن كثيرة، منها بغداد، وإغراقها.

عمد بعض الدارسين إلى اعتبار الإيزيديين طائفة إسلامية مرتدة، وهذه نظرة لا تزال مهيمنة عبر وسائل الإعلام التي ترفض الاعتراف بهم كـ”دين“. لكن الكثيرين من الباحثين العرب والمسلمين تناولوا أصول ديانتهم، ونشأتها. من هؤلاء: صديق الدملوجي، أحمد تيمور، سعيد الديوجي، عبد الرزاق الحسني، زهير كاظم عبود. وكتب عدد من الباحثين الإيزيديين عن ديانتهم، من خلال وجهات نظر متعددة، منهم: حسن شميساني، خليل جندي، هوشنك درويش. وكان لي شرف كتابة مقدمة هذا الكتاب الأخير، والمراجعة اللغوية لكتاب آخر ترجمه دخيل شمو، بالإضافة إلى عدد من المستشرقين قديماً وحديثاً.

جغرافيا وفرمانات

الإيزيديون هم الكرد الأقحاح، حافظوا عبر ألوف السنين، على لغتهم، وتراثهم، وفلكلورهم، على رغم كل ما تعرضوا له عبر التاريخ. موزعون في أجزاء كردستان التي تم تقسيمها، بموجب اتفاق سايكس – بيكو 1916، ولا يمكن إحصاء أعدادهم بدقة، سواء أكان ذلك يتعلق بمَن هم في كردستان، أو خارجها، أو في مواطنهم في دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، وفي المهاجر. تبلغ أعدادهم في العراق نحو مليون وثلاثمئة ألف نسمة، منهم أربعمئة ألف في منطقة سنجار. كما تبلغ أعدادهم في سوريا نحو مئة وخمسين ألفاً، بينما تبلغ أعدادهم في تركيا نحو مئة ألف، وتقدَّر أعدادهم في دول الاتحاد السوفياتي السابق بنحو أربعمئة ألف نسمة، بينما يتم الحديث عن تذويب اليزيديين في إيران التي تحتل جزءاً من كردستان، أو عودتهم فيها إلى الزرادشتية التي يخلط بعضهم بينها واليزيدية، لما بينهما من نقاط التقاء واختلاف. سبب عدم إمكان حصر أعدادهم في أجزاء كردستان، يعود إلى عامل الهجرة التي ابتلعتهم، حيث يقطن مئات الألوف منهم في الدول الأوروبية والإسكندينافية وفي أميركا، وإن كانت ألمانيا هي الأكثر استقطاباً لهم. وإذا كانت عامة اليزيديين رأت في الهجرة امتيازاً لهم، إلا أن المحرر كتب عن هذه الهجرة أنها مجزرتهم المفتوحة الأكثر هولاً، وفداحة، لأنها حققت ما لم تحققه المجازر المرتكبة ضدهم في التاريخ.

وإذا كان هناك من يتحدث عن”انغلاق“الإيزيديين، فإن وراء تصنيفهم ديانة باطنية، بل ونعتهم بأنهم منغلقون على طقوسهم الدينية، أسباباً تعود إلى ما تعرضوا له في محيطهم. بيد أن تاريخهم يشهد لانفتاحهم الاجتماعي على جيرانهم، ليس على أهلهم الكرد فحسب، بل على العرب، والمسيحيين، واليهود. إذ طالما تعاضدوا معهم، في وجه من اعتدوا عليهم، من دون أن يترددوا في مشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم، على السواء.

تثير كلمة”فرمان“حفيظة الإيزيدي، كما الشعب الكردي برمته، وهي كلمة كردية ترجمتها تعني”القرار“. تكرس”المصطلح“في ظل الحكم العثماني ولا سيما في القرنين السابع عشر والثامن عشر. تشير الدراسات التاريخية، التي أعدّها كتّاب إيزيديون، إلى المجازر التي ارتكبت في حق الإيزيديين، منها: حملة حسن باشا (1715)، وحملة أحمد باشا (1733)، وحملة سليمان باشا (1752)، وحملات نادر شاه (1732 – 1743)، وحملة علي باشا (1802)، وحملة سليمان باشا الصغير (1809)، وحملة إينجه بيرقدار (1835)، وحملة رشيد باشا (1836)، وحملة حافظ باشا (1837)، وحملة محمد شريف باشا (1844-1845)، وحملة محمد باشا كريدلي اوغلو (1845 – 1846)، وحملة طيار باشا (1846-1847)، وحملة أيوب بك (1891)، وحملة الفريق عمر وهبي باشا (1892)، وحملة بكر باشا (1894)، وحملة محمد باشا السوراني المعروف بـ”ميري كوره“(1832 – 1834)، وحملة بدرخان بك (1844)، والحملة في الحرب العالمية الأولى ضد الأرمن والإيزيديين.

ذاكرة الإيزيدي تتوازى معها رائحة دماء الآباء والجدود، عبر اثنتين وسبعين مجزرة، وهو يستظهر رقمها، ضمن طقوسه الخاصة، حيث ملتقى الأمل والألم. يعلّق آلة الطنبور في بيته، لا تثنيه عن أداء صلواته اليومية، مولياً وجهه صوب الشمس، يروي عبرها أغاني الملاحم التي خاضها الأبطال من أهله، في وجه حملات الإبادة، باسم الإسلام، ليبقى عصياً عليها، يحتفظ بكتابيه المقدسين،”المصحف الأسود“و”الجلوة“، يستظهرهما رجال الدين بمراتبهم المتعددة. المأساة لديه صنو الملهاة. كيف لا، وهو لا يفتأ يردد أسماء القبائل والعشائر الكردية، قائلاً: هؤلاء أبناء عمومتنا، أو هؤلاء كانوا إيزيديين حتى العام الفلاني، بيد أنهم أسلموا بحد السيف، بعد أن أضيفوا رقماً جديداً إلى سجل”الفتوحات الإسلامية“عنوة.

اعتبرتُ شخصياً في مقالات لي عن الإيزيدية، أن المجزرة الثالثة والسبعين، هي هجرتهم بسبب تضييق حزب البعث العربي الاشتراكي، بجناحيه السوري والعراقي. فقد اكتسحت جرافات صدام حسين مناطق سنجار، لتنقلهم عنوة إلى مناطق أخرى، ضمن حملاته التعريبية، التي راحت تسعى لتكريس ثقافة”عروبة“أصل الإيزيديين. بل راح من وراءها يستميلون بعضهم في إطار اجتثاث جذورهم، معرّبين أسماء أمكنتهم، تماماً، كما فعل جناح البعث السوري الذي استلب أملاكهم، وأراضيهم، في إطار لعبة التغيير الديموغرافي ذاتها التي دعا إليها رئيس شعبة الأمن السياسي في أواخر خمسينات القرن الماضي، ضابط المخابرات السوري محمد طلب هلال، مؤلف كراسة”عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الإجتماعية، السياسية“.

الأحد الأسود والمجزرة الرابعة والسبعون

عُرف عن الإيزيدي أنه مسالم، نبيل، كريم، شهم، محب للخير، ينبذ الظلم، والحقد والكراهية، شجاع، أبي إباء جبال وطنه، نقي نقاوة نسيم هذه الجبال، شفاف الروح – إلا في ما يتعلق بأسرار ديانته- شفافية سهول كردستان المعطاء، محبّ لوطنه، لا يقبل الخنوع، ولا الذل. استطاع المحافظة على لغته على رغم محاولات التعريب والتتريك، لا يتدخل في شؤون غيره، لأنه أكثر من تجرع مرارة مثل هذا التمييز. من أعياده غير المعترف بها، لا في سوريا، ولا في العراق: رأس السنة الكردية الذي وصل إلى العام 2713، الأربعاء الأحمر، عيد إيزيدي، عيد الجماعية، عيد باتزمي إلخ، بالإضافة إلى عيد نوروز القومي الذي يصادف الحادي والعشرين من آذار، والذي لم ينقطع الإيزيديون عن الاحتفال به، في أخطر الظروف التاريخية التي مرّوا بها، وكفّره الكثيرون من رجال الدين الإسلامي!

لم تكن هناك أي مؤشرات إلى أن تنظيم”داعش“سيغزو سنجار التي تعدّ ضمن المناطق الكردية”المتنازع عليها“والتي لم تبسط قوات البيشمركة سلطتها عليها، للتو، نتيجة الخلاف مع حكومة المركز، ما جعله يجد فيها نقطة خلل هشة. إذ نسب إلى رئيس حكومتها المخلوع نوري المالكي أنه سعى دولياً لمنع تسليح البيشمركة، أو التصرف بالبترول المستخرج من مناطق الكرد، غير أن ما حصل في فجر الثاني من آب الجاري، بعد أن أرسل هذا التنظيم بضع شاحنات نفطية، مفخخة، فجرها في مدينتهم سنجار، لمباغتة أهل المكان، المدنيين، العزل، بكل وحشية وبربرية، كان في منتهى الإجرام، بغرض ترويع السكان، ناهيك بمن سقط من قوات البيشمركة التي لم تتوقع هذه الجريمة الشنعاء، وكانت تحمل الأسلحة البسيطة، إذ دافعت عن المنطقة، ورافقت اللائذين إلى المناطق الآمنة، سواء أكانت ضمن إقليم كردستان، أو في المدن الكردية في سوريا بعدما باغت مسلحو”داعش“الأهالي بدخول سنجار، قرى، ومدينة، وقصبات، وافتتحوا حفلهم الدموي بإعدام سبعة وستين شاباً إيزيدياً، كقرابين أولى، لترويع الأهالي، كما يفعلون ذلك عادة ضمن حربهم السيكولوجية الموازية والمكملة لآلة إرهابهم. يؤكد الشاعر الإيزيدي سرحان عيسى الناطق الرسمي لمجلس إيزيديي سوريا أن”ما بين سبعمئة وألف امرأة وفتاة إيزيدية تم خطفهن“، كما تم اعتقال مئات الرجال الإيزيديين، في المقابل، بل وتم نحر الأطفال، والتنكيل بالجثث، واغتصاب الحرائر أمام أعين أهليهن، ما أدى إلى انتحار نحو خمسين فتاة وامرأة منهن، قبل أن يصبحن بين أيدي هؤلاء الوحوش الآدمية.

روى وزير حقوق الإنسان العراقي بحسب”رويترز“أن مسلحي”داعش“قتلوا أكثر من خمسمئة إيزيدي وسبوا نساءهم، وقال: لدينا أدلة قاطعة حصلنا عليها من الإيزيديين الناجين من الموت، وكذلك بالاعتماد على صور مواقع الجرائم المرتكبة أن هؤلاء المسلحين دفنوا بعض الضحايا وهم أحياء في مقابر جماعية، بمن فيهم عدد من الأطفال والنساء، بدعوى أنهم عبدة إبليس على رغم أن الكرد المسلمين أيضاً لم ينجوا من هذه المجزرة، كما التركمان، وكما الصابئة، والمسيحيين، وأن هناك نحو ثلاثمئة أسرة إيزيدية تم أسرها، وأعطيت مهلة لتشهر إسلامها، أو تتعرض للقتل، وقد انتهت المهلة المذكورة من دون أن يعرف أحد أي شيء عن مصير أفرادها الذي ظل حتى الآن مجهولاً.

وإذا كان نحو ثلاثين ألف إيزيدي قد نجا من المجزرة، وتوجهوا إلى المدن والبلدات والقرى الكردية في سوريا والعراق، فإن هناك نحو عشرين ألف إيزيدي أيضاً لا يزالون عالقين في الجبال العالية، من بينهم الشيوخ، والأطفال، والنساء، والجرحى، بل من بينهم من قضى نحبه، نتيجة الحصار، يعيشون مع جثث موتاهم المتعفنة، في ظروف بالغة الصعوبة، في هذه الأيام البالغة الحرارة في كردستان، حيث تكاد درجات الحرارة تصل إلى الخمسين مئوية في بعض المخابئ والكهوف، وهناك من أكد موت شخص واحد من بينهم كل ربع ساعة!

على عادة الشعب الكردي، فإن المحن ترأب كل صدع بين المختلفين من بينهم، فقد تدفق الغيارى الكردستانيون، من أجزاء كردستان كلها، صوب منطقة شنكال، بل صوب إقليم كردستان، يحاربون غزاة”داعش” الدمويين، وهذا ما جعل الأنظار تتطلع حقيقة إلى كردستان، كي تكون مقبرة لهؤلاء المجرمين. وإذا كان من السهولة، أن تباد أقلية عرقية، أو دينية، أو طائفية، في العهود الغابرة، فإن تكرار ذلك، ونحن الآن في الألفية الثالثة، وفي الزمن الذي ترتفع فيه أصوات حقوق الإنسان، والأصوات المتنادية للمحافظة على الشعوب الأصلية من الانقراض، يأتي كتحدٍّ للرباط بين الأسرة الدولية برمتها، هذا الرباط الذي تقطع في المستنقع السوري، الذي استقوى فيه الإرهاب، على أقوى نحو في تاريخ نشأته الحديث.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق