العنف الأسري وجمال النسوة المسيحيات في حيّ من ضاحية الستينات / محمد أبي سمرا

أظن أن خيوطاً أساسية في نسيج روايتي «سكان الصور»، مهجوسةٌ بمسألة ما يسمى «المثاقفة» وتصويرها روائياً في مشاهد الحياة والعلاقات اليومية في حيّ من أحياء ضاحية بيروت في الستينات من القرن العشرين. فالرواية تبدأ بمشهد تشييد بناية كبيرة حديثة يفوق عدد شققها السكنية الأربعين، في بستان غيّر اختفاؤه عادات قدامى الساكنين في البنايات والبيوت القديمة المتفرقة المتباعدة. ولا تتوقف فصول الرواية عن تصوير توافد الساكنين الجدد الى الحي، من مناطق ومنابت وانتماءات أهلية وطائفية لبنانية، متفرقة ومتباينة، للإقامة في شقق البناية الجديدة الضخمة. والشخصيات الروائية كلها تقريباً، وهي يفوق عددها الإحصاء، مهجوسة بصناعة الصور عن نفسها وعن الآخرين، وبتبادلها، في دقائق حياتها وعلاقاتها اليومية وتفاصيلها، في الحي، وعلى صفحات الرواية كلها التي تُظهر أن صناعة الصور وتبادلها يلازمان إقامة الشخصيات، تعارفها وتخالطها، ملازمة شبه وجودية أو كينونية.

صناعة الصور وتبادلها

أبو ذيب – صاحب الدكان في بناية شهاب الحديثة الضخمة، وهو شخصية أساسية في الرواية – يتساءل في أحيان كثيرة: ما الذي تغيّره في ساكني البناية والحي إقامتهم الجديدة؟ لكن الراوي في «سكان الصور» هو من يجيب عن تساؤله هذا.

هنا والآن، في هذه السطور التي تستعيد شخصيات ومشاهد وحوادث من الرواية، أشاركُ الراوي – ببعض التصرف – في صوغ جوابه على تساؤل أبو ذيب:

غرباء يصل أولئك الساكنون الى الحي، من قرى بعيدة أو قريبة، ومن أحياء في نواحي المدينة، فيروح كل منهم، فيما هم يتساكنون ويتعارفون وتنشأ بينهم علاقات متفاوتة، ينسج في ذهنه ومخيلته الاجتماعية، من الكلمات التي يسمعها من مُحَادِثِهِ ومن لهجته وملامحه وحركاته وثيابه وعمله، ملامحَ صورة ما لجاره الجديد هذا أو ذاك في الحي. فحين يكلّم جارٌ جديد جارَه، وينظر اليه، إنما يفعل ذلك لا ليكلّمه ويتعرّف اليه كشخص فرد فحسب، بل ليستقرئ له أصلاً وفصلاً ما، نسباً أو هوية، سابقة على وفادته إلى الحي وإقامته فيه. يفعل ذلك ليعلم في أي موضع يضع هذا الجار أو ذاك ويدرجه في بنيان متصور أو متخيل للعالم والناس والأشياء. هذا البنيان ليس مصنوعاً سلفاً في مخيلات الساكنين قبل وفادتهم الى الحي وإقامتهم فيه. وهو متفاوت الصنع والحضور في مخيلاتهم، قبل الوفادة والإقامة وبعدهما. كما أنه يتكوّن رجراجاً ومتفاوتاً، أثناء تعارف السكان وتخالطهم وعلاقاتهم اليومية المتفاوتة التي تروح تجلو ذلك البنيان وملامحه في مخيلاتهم، فتمتلئ يوماً بعد يوم بالصور والمشاعر والتهاويم والأهواء والمثالات والمراتب التي على أساسها يُجري الساكنون ترتيب العالم، عالمهم الجديد، ومواضعَ الناس والأشياء فيه، ومواقفهم منهم، وآراءهم فيهم، وأشكال تعاملاتهم معهم. وهذه كلها متلونة لا تثبت على حال، بل تتغير وتتبدل.

يروح البنيان ذاك، يمتلئ بالصور وتهاويمها. وصناعة الصور وتبادلها بين الساكنين، هي التي تنشئ للحي فضاء مشتركاً، وتقيم له نسيجاً داخلياً وحدوداً، تتجاذبها قوة الساكنين أنفسهم، كلاً منهم بحسب مقدرته على صناعة الصور وبثها. أما الذين يظلون خارج شبكات ذلك النسيج وفضائه وبؤره، أو على هوامشها وأطرافها في الحي، كعمال المطبعة وزمرة الزعران وسائسي الخيل في الاسطبلات، فإن حضورهم في الحي نفسه، يظل هامشياً وقوياً وثابتا في آن واحد: قوي مادياً، وهامشي معنوياً، في عمليات تبادل الصور. فصور هؤلاء لا تتبدل ولا تتغير، وتظل ثابتة في مخيلات الساكنين الذين يصنعون لهم صوراً ثابتة، من دون أن يتدخلوا هم في صناعتها وتغييرها. ذلك أنهم غير معنيين، أصلاً، في عمليات صناعة الصور وتبادلها، فلا تتغير صورهم عن أنفسهم وعن الآخرين.

جمال النسوة المسيحيات

زوجة أبو ذيب أشد الشخصيات في الرواية هجساً في صناعة الصور، وفي العيش أو السكن مديداً في تهاويمها، لتغيير حياتها وحياة أسرتها، وصورتها عن نفسها بين الساكنين. مثالها المحموم الذي تتشبث به تشبثاً وجودياً ساحقاً وعنيفاً، ومنه تستلهم الصور وتستدخلها في وعيها وجوارحها، هو جاراتها المسيحيات في الحي، وخصوصاً أم جوزف. في جلسة لها مع جارتها المسلمة أم فاروق يدور بينهما الحوار الآتي: تقول أم فاروق إنها مذ رأت جارتها جوزفين، قبل سنوات، لا تزال حائرة كيف يمكن أن تكون امرأة بهذا الجمال، وفمُها كبير الى هذا الحد الذي يكشف عن معظم أسنانها ما أن تفتح شفتيها. وكثيراً ما فكرت أن النساء اللواتي لا يغطّين رؤوسهن وشعرهن بالمناديل، وحدهن، من يبديهن جميلاتٍ اتساع أفواههن وبروز أسنانهن فيها. غير ان زوجة أبو ذيب قالت لها ان اعتناء النساء المسيحيات في البناية والحي بمظهرهن وثيابهن واثاث بيوتهن، لا جمال خِلقهن الطبيعي، ما يبديهن اكثر جمالاً من النساء المسلمات، فتجاوبها ام فاروق بأن اسماءهن ونبرات اصواتهن وكلامهن تشبهنهن كثيراً. هذا لتقول لجارتها ان شيئاً ما في النسوة المسيحيات، أبعد من المظهر والثياب وأثاث البيوت، هو ما يجعلهن جميلات. فأزواجهن يحترمونهن، ويأخذونهن مشاوير، ويجالسونهن ويحدثونهن في البيوت وعلى الشرفات، ولا يخجلون من المشي معهن في الطرق والاماكن العامة. هنا تتساءل ام فاروق: ونحنا (نحن) شوبنا (ما بنا؟)، ليش منعيش هيك؟!، فتتابع زوجة ابو ذيب: نحنا منركض واللقمة بتركض أدامنا (أمامنا)، وإذا لحقناها ولقطناها ما بنعرف كيف بدنا ناكلا، كإننا سارقينا سرقة!. لكنها سرعان ما تستدرك قائلة انها لا تعلم حقاً ما هو ذلك الشيء الذي يمكّن المسيحيين، من دون جهد منهم ولا تعب ولا كدّ، من أن يعيشوا حياتهم في هدوء وإلفة، كأنهم يتنزهون في حياتهم، بالرغم من ان لا شيء في عقول البعض من جاراتها المسيحيات ورجالهن يميزهم عن كثرة نسوة الحي المسلمات ورجالهن.

بورتريه لشخصية روائية

في المشهد الأخير من «سكان الصور» يقف ذيب، ابن أبو ذيب البكر، على ناصية شارع رئيسي على طرف الحي، فيتلفت في الجهات خائفاً لا يدري أين يذهب في تلك الأمسية. في العتمة تلطخه أضواء السيارات القليلة العابرة مسرعة، وتشعره بالوحشة والضياع. يصعد إلى سيارة سرفيس، يقول لسائقها أنه ذاهب إلى المدينة، ويقرّر، فجأة، انه لن يعود قط إلى بيت أهله في الحي.

هنا الآن، بعد نحو عقد من السنين على كتابة هذا المشهد الختامي للرواية، أُخرِجُ ذيب من شخصيته الروائية، مستوحياً منها سيرة مختصرة لمحطات حياته ومنعطفاتها، لأؤلف له بورتريه اجتماعية – عائلية جزئية: كان في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، حينما قرر، فجأة قبل سنة أو إثنتين من بدء الحرب الأهلية في لبنان العام 1975، الفرار من بيت اهله الوافدين، في نهايات النصف الأول من ستينات القرن العشرين، من قرية جردية في أقصى جنوب لبنان الشرقي، للإقامة في حي من الشياح. حينما صعد إلى سيارة السرفيس في ذلك المساء، كان يعمل في فريق صيانة التجهيزات الكهربائية في فندق من فنادق الزيتونة في رأس بيروت. توسطت في توظيفه في الفندق معلمة مسيحية تسكن مع أمها العجوز وأختها وأخيها في بيتهم المنفرد القديم في أملاك العائلة، قرب دكان والده في الحي، الطيونة. كانت المعلمة مدرّسة في مدرسة للراهبات في ناحية من فرن الشباك، قريبة من الطيونة وعين الرمانة. بعد نجاحه في الامتحانات الرسمية لشهادة السرتفيكا، مجتازاً مرحلة التعليم الابتدائي في مدرسة أهلية شبه مجانية في الشياح، أمضى ذيب عامه الدراسي الأول من المرحلة التكميلية (المتوسطة)، تلميذاً غريباً خائباً في ثانوية الطريق الجديدة الرسمية. وهي كانت تحمل اسم الجمعية الأهلية الإسلامية، «البر والإحسان»، المتبرِّعة، ربما، بقطعة أرض في الحي البيروتي، لبناء الثانوية الرسمية، على مسافة خطوات من مدرسة الفاروق المقاصدية، غير بعيد من جامعة بيروت العربية وسجن الرمل. للوصول إلى «ثانوية البر والإحسان»، كان عليه، مع شلة من تلامذة الحي في الشياح، اجتياز حرج بيروت من طرفه إلى طرفه الآخر في محلة قصقص، في الصباحات المبكرة، ليعودوا إلى الحي في الاتجاه المعاكس، عبر الحرج، بعد انصرافهم من المدرسة في الساعة الرابعة بعد الظهر. في صبيحة عطلة حرب 6 حزيران 1967، دخّن ذيب التلميذ سيكارته الاولى، أثناء اجتيازه الحرج، عائداً الى الشياح. بعد فشله في الامتحانات المدرسية النهائية للعام الدراسي ذاك، قرّر هو ووالده ووالدته أنه فاشل في التعليم، فشغّله والده عامل مطبعة في ملجأ البناية الكبيرة الحديثة التي بها دكانه في الحي. لكن الوالد ارتأى، بعد أشهر قليلة، ان يمتهن ابنه البكر العمل في التمديدات الكهربائية في ورش البناء. المهنة هذه كان أبو ذيب قد امتهنها طوال اربع سنوات أمضاها مهاجراً في الكويت، قبل عودته إلى قريته، ليغادر القرية ويؤسس الدكان في الشياح، فأمضى ابنه البكر حوالى سبع سنوات من العمل المضني الشاق في ورش البناء، متنقلاً من ورشة إلى أخرى في بيروت وضواحيها البعيدة، وصولاً إلى الجبل وطرابلس في بعض الأحيان. أخيراً سعت المعلمة، زبونة دكان والده، في توظيفه في الفندق، فانعطفت تلك الوظيفة المهنية بحياته وشخصيته من طور إلى طور.

مؤسسة العنف الاسري

لكن لماذا قرر ذيب الموظف المهني أن يهجر بيت أهله في ذلك المساء، بعد صعوده إلى سيارة سرفيس توقفت قربه على طريق صيدا القديمة الفاصلة بين الشياح وعين الرمانة؟!

الجواب عن هذا السؤال أسهبت الرواية في تتبعه وسرده ووصفه وتقليبه على وجوه كثيرة، في مشاهد تفصيلية بطيئة تروي الحياة العائلية لأسرة أبو ذيب في حوالى عقد من السنين، سبقت الحرب الأهلية في لبنان. يمكن هنا اختصار ما أسهبت الرواية في تأليف مشاهده، على النحو الآتي: بؤس الحياة اليومية للأسرة، شقاؤها، مهانتها، تعاستها، وعنفها اليومي الجسماني والمعنوي الفاحش، بلا هدنة إلا في ما ندر من الأوقات البيتية، وأوقات مساعدة الأبناء الذكور وأمهم، مساعدة شبه إجبارية، أبو ذيب في عمله في دكانه القريبة من البيت في الحي.

كان ذلك العنف المندلع غريزياً، مؤسسة أسرية، عمادها المادي الأب، وعمادها المعنوي أو الاخلاقي، هو الأم. في فلك هذه المؤسسة يدور الأبناء، لتعيش الأسرة حياتها اليومية في مهب لوثة او لعنة قدرية توراتية، كأنها إرث سلالي يلابس الأجسام واللغة والتعبير والتواصل بين أفرادها. لا بل إن ذلك العنف الأسري خنق اللغة والتعبير والتواصل في أجسام الاب وأبنائه، وتركهم في حِداد أو خرس لغوي وتعبيري، لا يُفرِجُ إلا عن اللعنات والشتائم والتأنيب والسخط والغضب والنفور والمقت والنقمة التي غرسها الأب والأم في أجسام أبنائهما ونفوسهم، منذ طفولاتهم. كانت سورات غضب الأب تدفعه لا إرادياً إلى عنف وحشي يصرّفه في اجسام أبنائه، كأنه يطلع صاعقاً عاصفاً من عماء سحيق، فيستحيل تداركه أو كبته إلا في حضور الجيران من سكان الحي، وخصوصاً الأبعدين معنوياً، وهم غالباً من المسيحيين الذين تبدو مشاهد حياتهم اليومية، للأم وأبنائها في مؤسسة العنف الأسري، مثالاً للصفاء والهناء والوئام والألفة وترف العيش، ألَقِهِ ورغده.

لكن كي لا تبقى هذه الكلمات مجرّدة ومعلقة خارج سياق الحقيقة الروائية، اقتطف هنا مشهداً من «سكان الصور» لأسرة لعنة العنف التوراتي .

«في مسافة المئة وخمسين متراً بين بيتها الجديد والدكان، راحت الأم تمشي متهيئة لأن تستقبلها أولئك النسوة من ساكنات بناية شهاب. وفي انتظارها عودة أولادها من المدرسة، أخذت تتخيل أنهم لن يعودوا الى البيت الجديد بثيابٍ متسخة ممزقة، كما في السابق. لكن هذه اللحظات سرعان ما راح حضورها يتلاشى من حياتها في البيت الجديد، لتظل قوية الحضور في مخيلتها التي أخذت صورها تضاعف النفور بينها وبين زوجها وأبنائهما، وبين واحدهم والآخر، وتمنحه جرعات متزايدة من السخط والعنف. فهاهم أبناؤها الذكور الصغار لا يصلون الى البيت الجديد متأخرين وممزقي الثياب فحسب، بل مجرّحي الوجوه والأيدي في نهاراتٍ كثيرة. ثم انهم جعلوا يتشاجرون في أوقات غيابها عن البيت، كما في أوقات حضورها بينهم. كأن البيت الجديد المؤلف من غرف ثلاث في الطبقة الخامسة من بناية غير بعيدة من الغرفة الواحدة التي كانوا يسكنونها قبالة الدكان، وسّع مسرح شجاراتهم العنيفة. أخذوا يتراشقون بما خفَّ حمله من أواني المطبخ، ويحطمون بعضاً من الأثاثات التي لم تكن في نظرها للاستعمال فحسب، بل تجسيداً لصور حياتها البيتية المرتجاة والمتخيلة، والتي راحت تتحطم أمام ناظريها وفي مخيلتها، يوماً بعد يوم. هذا ما ضاعف غضبها ونقمتها على نفسها وحياتها وابنائها، ونفور كل منهم من الآخر، وإقبالهم على العنف الذي امتد مسرحه الى سطح البيت في الطبقة الأخيرة من البناية، فتخرج أمهم الى شرفة البيت، حتى إذا رأت زوجها واقفاً في باب دكانه أو على الرصيف أمامها، لوّحت له بيديها، مستغيثة، كي يأتي ليوقف شجارات أبنائه العنيفة. حين يراها لم يكن يتأخر في غلق باب الدكان الزجاجي، وفي الاسراع الى البيت، فيصعد مباشرة درج البناية الى سطحها، قافزاً الدرجات قفزاً. لكنه غالباً ما كان يصل بعد فرار أبنائه من البيت واختبائهم في أماكن متفرقة من البناية، حيث اعتاد أن يبحث عنهم، حتى إذا ما عثر على أحدهم اقتاده الى البيت، وانقضَّ عليه بكل ما في جسمه وأطرافه وأسنانه من قوة، شاتماً نفسه وابناءه وزوجته التي تحاذر أن تتدخل، لئلا يضاعف تدخلها غضبه واندفاعه العنيف في ضرب ابنه. فيما هي تقف مرتاعة تشاهد انقضاضه الشرس على هذا الابن أو ذاك، أو على اثنين منهم أحياناً، أو على الثلاثة معاً في أحيان أخرى، كان يؤلمها شعورها بأن زوجها يستمد ضراوته في ضربهم من جذوة غضبها وسخطها من إقدامهم على تدمير صور حياتها البيتية المتخيلة المستمدة من جيرانها المسيحيين، زبائن الدكان. لم تكن تندفع محاولةً إيقافه عن ضربهم، إلا إذا مسّها خوف مباغت من احتمال ضربه أحدهم ضربة مؤذية، قد تحطم أنفه أو تفقأ عينه، فتُدخِلُ، إذذاك، جسمها بين زوجها وبين أحد أبنائه، فيما هي تصيح: يلعن دين اللي عمْلكْ وعمْلو، ريتو (ليته) ما كان خلق عَ وج (وجه) الدنيا. فيصيح بها زوجها: يلعن أبوكِ ع أبوه، بدّكْ (تريدين أن) تبليني فيه؟!، الله لا كان خلقكْ وخلقو. في نهاية مثل هذه الجولة من العنف، كان الابن يظل منطرحاً بلا صوتٍ على الارض، أو على الصوفا في غرفة الجلوس، أو على الكنبة في الصالون، منتظراً مغادرة أبيه الى الدكان، لا لأن مغادرته تنهي ما حدث، بل لأنها تؤذن ببداية ذلك الحوار الصامت الكئيب بينه وبين أمه التي ترمي جسمها في مكان ما من غرفة الجلوس أو الصالون، ساندةً رأسها بكفيها. كان كل منهما يسترخي منغلقاً على نفسه وجسمه، مستسلماً للألم والندم وكراهية نفسه وحياته والدنيا من حوله. لكن ذلك لم يكن ليستمر أكثر من لحظاتٍ، تهبُّ الأم بعدها واقفةً، وتروح تصفع وجهها بكفيها صفقاتٍ سريعة، قبل أن تتشبث أصابع كفيها بشعرها المنقوش، فتشده وتشده عنيفاً، كأنما لتنتزع منه خصلاتٍ من جذورهما، فيما هي تحاول أن تخنق عويلها الذي يسمع منه ابنها شتائمها لله ولحيته وعرشه وملائكته. كأنها تستمد من غضبها وآلامها حيال تحطم صور مثالات حياتها، رغبتها في إيذاء نفسها ومقدرتها عليها. وإذ يفتح الابن عينيه ويبصرها على هذه الحال، يهبُّ واقفاً، ويندفع نحو أقرب جدار، فيلطم به رأسه لطمات قوية، أو يركض نحو أقرب باب، فيضرب بكفه زجاجه الذي يتحطم وتتساقط كسوره على الارض، فتكفُّ أمه، إذ ذاك، عن صفع وجهها وشد خصلات شعرها، وتتوقف عن العويل وإطلاق الشتائم. في السكوت الذي يكتنف تلاشيهما، تراود كلاً منهما رغبة مستحيلة في البكاء منفرداً وفي صمت. رغبةٌ في أن تنهمر الدموع غزيرة وتلقائياً من عينيه، من دون أن يبصرها الآخر. دموع تتدافع حيّة وحارّة من نطف الحياة المتألمة المعذبة في الجسم والروح، بلا عزاء. أخيراً: حطام الزجاج على الأرض، شعر الأم المشعث، جبهة الابن المزرقّة من لطمه الجدار برأسه، صرير أسنان الأب واختناقه بغيظه وغضبه في الدكان… هذه بعض من ملامح حياتهم ولحظاتها التي تؤجج في كل منهم رغبة مكتومة، غامضة ومستحيلة، في الانسلاخ والفرار من سديم هذه الرحم – اللعنة العائلية. الى أين؟! الى قفرٍ متخيلٍ بعيد بعيد، حيث الأرض والأرض، السماء والضوء والأفق التي لن يبلغها أحد منهم قط في سيره في اتجاه معاكس لاتجاهات سير الآخرين، مخلّفين وراءهم تلك البقعة السديمية السوداء التي كلما التفتَ أي منهم الى الخلف، يراها تتسع وتتسع وتتشبّث بقدميه».

سهرة عيد الميلاد

في مشهد آخر من «سكان الصور»، ها هوذا ابن أبو ذيب الثاني، يوسف، يكابد لوثة المهانة والعنف الأسريين، أثناء سيره إلى جانب إبنيّ أم جوزف، زبونة والده في الدكان، ومثال أمه المحموم في صناعتها صوراً لحياتها وحياة أسرتها. يسير معهما في طريقهما إلى مدرستهما الخاصة في حي مسيحي بعيد من حي الاختلاط السكني وتبادل الصور. وهي المدرسة التي أصرّت أمه إصراراً سيزيفياً على انتقاله اليها، بعد فشله الدراسي في الصف الأول من المرحلة التكميلية، في ثانوية «البر والإحسان»، وطرده تأديبياً منها، فضاعف إصرارها ذاك جرعات النقمة والعنف في الأسرة. الى جانب سمير وفارس يمشي مدركاً أن تلك البقعة السوداء لا تمتد وراءه فحسب، بل تقيم في جسمه ونفسه وحركاته، وتعوّق قدرته على النطق، وتجعل صوته مرتجفاً وغريباً في سمعه، حينما يقوى على الكلام. يتساءل في سره كيف يراه إبناً أم جوزف، وما الذي يكشف لهما فيه عن مهانته ووضاعته: وجهه، صوته، كلماته الصعبة على النطق، ثيابه، مشيته…؟ هذا فيما سمير يتحيّن فرصة ليعلن له، بنظرة أو حركة أو كلمة، أنه ليس سوى عاهة أو لطخة تسعى على قدمين.

لكن سميراً نفسه، نظر الى يوسف إياه مبتسماً ابتسامة مغتبطة متعالية، كأنه يمنحه هدية نادرة. حدث هذا عندما دخل يوسف، في أمسية سهرة عيد الميلاد، الى بيت أم جوزف، وحياها في صوت أحسه غريباً، قائلاً لها: «بون سوار تانت». وبعد تجاوزه عتبة باب بيتها، قرّبت من وجهه وجهها المبتسم ابتسامة كريستالية، فطبع على وجهها، وطبعت على وجهه، قبلتين جانبيتين؛ وكانت شفتاه للمرة الاولى تلامسان جلد امرأة، وللمرة الاولى تلامس جلده شفتا امرأة. وفي هذه اللحظة لمح تلك الابتسامة المغتبطة على وجه سمير.

طوال سهرة الميلاد تلك شعر يوسف كأنه مدعو للاحتفاء بشهوته بأن يصير ابناً لأم جوزف. بعد رشفته الأولى كأس النبيذ، فكر بأن الساهرين ليسوا مثله هاربين من شيء. مصابيح الثريا في السقف، ومصابيح شجرة الميلاد وقربها المغارة، تماثيل المذود الصغيرة، علب الهدايا المتروكة بإهمال مقصود عند طرف السجادة على الأرض، النبيذ الذي يشع خفراً سرياً في الكؤوس الكريستالية الواقفة بهية على سيقانها الدقيقة في مواضعها على الطاولات… كل شيء أشعره بأنه في عالم مسحور.

سبيرنسا – وهي قريبة أم جوزف، وتعمل خياطة في بيتها، وابنتها نجوى تلميذة معهم في المدرسة نفسها وفي الصف نفسه – فاجأت يوسف بقولها له: بتحب ترقص؟ تعا رقوص معي. نظر في عينيها، فمدت له يدها، فقام عن المقعد، وهمَّ بامساك يدها، فقالت له في صوت خافت: لحظة… لحظة لأشلح كبوتي، ثم نزعته بياقته الكبيرة من الفرو الأسود الذي، منذ أبصره يوسف في بداية السهرة حار كيف يتخيل ملمسه على جلد سبيرنسا: ناعماً ومثيراً كعصارة روح الليل على عنقها المشع في عريه حتى أعلى صدرها، أم شوكياً يَخِزُ جلدها كإبرٍ باردة؟! وبعدما خلعت معطفها، وأمسك يدها، قالت له: أرّب لعندي، ما تخاف حبيبي، أرّب، أنا رح علمك الرقص.

بعدما راقصته نجوى أيضاً، وجلس قربها على مقعد في الصالون، أخذ يوسف يفكر متخيلاً أنه أخ لنجوى، وولد من أمها سبيرنسا، ويعيش معهما في بيتهما الذي تخيله شبيهاً ببيت زلفا الخوري، معلمة مدرسة الراهبات في طرف فرن الشباك، ومعلمته لسنة دراسية سابقة دروساً خصوصية في بيتها القديم قرب دكان والده في الحي. أحس بنشوة غريبة حين تخيل أنه مع نجوى وزلفا وسمير في غرفة واحدة، هي غرفة نوم زلفا، حيث كانت تدرّسه مساء. كان يعي أن هذه النشوة من صنع شهوته الأليمة والمستحيلة أن يكون له جسم آخر لم يولد من نقمة امرأة وسخطها.

لذا يتهيأ لي الآن أن أبناء العنف الأسري يعيشون حياتهم كلها من دون شفائهم من لوثة ولادتهم من نساء عديمات الأنوثة.

ذيب، أخو يوسف البكر، كان في عشية سهرة الميلاد تلك، راكباً في سيارة سرفيس الى جانب فتاة مجهولة، عائداً الى البيت من عمله في ورشة للتمديدات الكهربائية. كعادته كلما ركب سيارة سرفيس الى جانب فتاة أو امرأة، يستبد به سرور رغبته الخائفة، فيما هو يسترق النظر الى مواضع من جسمها: المساحتان الصغيرتان من فخذيها عند أعلى ركبتيها في كولون النايلون الأسود الشفاف أو اللحمي اللون، ثنيات ثوبها عند البطن والثديين، الوجه، الشفتان، العنق، العينان، أصابع اليدين، الأظافر… ينظر ذيب وينظر محدّقاً في هذه المواضع الانثوية، منتظراً أن يلتفت هذا الكائن السماوي اليه. كائن – يفكر ذيب – أنه يستحيل أن يكون ولد من بشر، بل من نور وماء وهواء، متمنيا لو يلتفت الكائن السماوي هذا، للحظة، اليه، علّ بصرَهُ يلتقي ببصرِه، التقاء النور السماوي بلطخة ولدت من ذلّ ومهانة واحتقار. ومن نطفة الحياة في هذه اللطخة تتصاعد ابتهالات بلا صوت: خذني أيها النور – الملاك السماوي، خذني اليكِ، واجعلني أي شيء آخر. في أي بيت تسكن أيها الملاك، ومن يلمس الأشياء التي تلمسها، من يكلمك وتبتسم له أو تنظر اليه بلا مهانة واحتقار؟ خذني أيها الملاك، خذ هذه اللطخة البشرية التي تجلس قربك، أو أنظر إليها كما ينظر الناس الى الناس.

مشهدان من حرب السنتين

أخيراً يتراءى لي الآن ذيب ويوسف في مشهد لم أكتبه في «سكان الصور»: الإخوان، المنتمي كل منهما الى منظمة عسكرية مختلفة عن الأخرى، يحملان بندقيتي كلاشنيكوف في ليلة مظلمة من ليالي حرب السنتين (1975 – 1976)، ويدخلان الى بيت أم جوزف، فيما دوي الرشقات النارية يتردد في الحي، وعلى طول خط التماس الفاصل بين الشياح وعين الرمانة. في صالون البيت المعتم المهجور، يضيئان شمعتين يلطّخ نورهما الضعيف المرتجف، الأثاثات الخربة المحطمة. يقترب يوسف من جدار، يقرّب الشمعة من الجدار، يرفعها قليلاً، فيبصر صورة العذراء إياها معلقة في المكان نفسه الذي كان يراها فيه كلما زار بيت أم جوزف أيام كان تلميذاً مع أولادها في مدرستهم. دائماً كانت الصورة هذه تذكّره بصورة مماثلة يراها على جدار مكتب «جمعية الشابات المسيحيات» في فرن الشباك، عندما كان يذهب إليه في بدايات فصول الصيف، ليساعده موظفو الجمعية في العثور على عمل صيفي موقت في مكتب ما، لمهندس أو محامٍ، أو لشركة تجارية أو شركة مقاولات عقارية. سأل أخاه إن كان لا يزال يتذكر ذهابهما معاً، للمرة الاولى، الى مكتب الجمعية، باحثين عن عمل صيفي، فقال ذيب إن اسمه مارون، بعدما سأله موظف الجمعية عن اسمه، وعمل طوال الصيف باسم مارون في مكتب مهندس مسيحي في شارع بدارو، بعد فوزه في شهادة السرتفيكا. وضع ذيب بندقيته الكلاشنيكوف على مقعد خرب، وجلس على كرسي تبينها قرب طاولة السفرة في أقصى الصالون، ثم أخذ يروي لأخيه يوسف، كيف كان يجلس خلف طاولة المكتب قبالة سوزان، سكرتيرة مكتب المهندس، ويستمني، فيما هو يحدّق في جسمها الذي أبصره، قبل أيام، في منامه يحترق في المكتب نفسه، فاستيقظ من نومه في مقر منظمته العسكرية، صارخاً: مارون مارون، قبل أن يهب أحد رفاقه النائمين الى جانبه في المقر.

في مشهد آخر، يوسف، في ليلة أخرى من ليالي الحرب، جالساً وحده على سرير غرفة نوم زلفا الخوري في بيتها القديم، المنفرد المهجور، قرب دكان أبيه المقفلة. على ضوء الشموع يقرأ في دفتر مذكرات زلفا: التذكر شلل نصفي يصيب الأجسام والوقت. الوقت الذي يترك فيه الراحلون حياتهم. لا يربطني بهذا البيت سوى هذه الأم، أمي التي أشم رائحة موتها البطيء كلما نادتني. كشخص من الماضي أدخل غرفتها حاملة كوباً من الماء… آه – كيف عشتُ حياتي كلها في هذا البيت الذي أشم فيه رائحة ولادتي من أمٍ مشلولة الآن، وتتعفّن في غرفة زواجها على السرير نفسه الذي مات عليه أبي!

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق