الشاعر الدونكيشوت / لؤي ماجد سلمان

يكفي أن تخطئ عينك وتصطدم بعين رجل أمن، سائق أمير، حاجب وزير، فتزعجه وقاحة نظراتك لتكون رهن التحقيق، يكفي أن تقول “نهد” مرتين، حتى تُحرقَ بتهمة إثارة النعرات الجسدية، بل يكفي ألا تطلق لحيتك فيقام عليكَ الحد من شركاء الله في حسابك وعقابك، ولا يكفي أن تمجد السلطان بديوان، وتصدق انتصارات العرب الموثقة بالمهرجانات الخطابية، وتلبس التاريخ عدسات ملونة، نعم نهد من ثلاثة حروف كفيل بأن يجعلك ملحداً، وقصيدة واحدة تمنحكَ جواز عبور خارج الوطن العربي، وتتهمك بالزندقة، هذه باختصار حكاية شاعر تلصص العرب على جسد قصيدته، فنزعوا عنها الحرير والعبر، وحوّلوها من قضية إلى سبية، تمنع من العرض في رفوف المكتبات وتُباع على الأرصفة جانب كتب الجنس والسحر، والغذاء السحري لتطويل الباه.

هكذا اجتمع رجال الدين والسياسة على كلمة سواء “قمعستان” لإبعاد الشاعر السوري نزار قباني عن وطنه، محاولين طمس كل ما قاله فحاربوه بحروفه وشعره وشامه وعروبته، لا لشيء فقط لأنه حمل مرآة ونصبها أمام الخيبات والهزائم السياسية المضحكة المبكية، مطالباً إياهم بالتوقف عن التغني بأمجادهم الوهمية واجترارها في ألعابهم الإعلامية، وما يخدرون به الشعوب، فحسب قناعة نزار قباني فإن العرب لم ينتصروا يوماً على ذبابة، لكنها تجارة الأوهام، وكل ما شاهدناه من بطولات ما هي إلا حكايات وقصص درامية نسجوها من مخيلتهم، مطالبا مرتزقة الدين بالتوقف عن هذه التجارة الخاسرة، وعدم معاملة الناس كالأغنام أو كالحبة التي عليها أن تدور في سبحات أيديهم من دون أدنى تفكير أو محاكمة عقلية، فكان مصير قصائده أن تزج في قفص الاتهام نهاراً كعاهرة، ويستجدونها في الليل كموجة زرقاء لتشد فحولتهم من أذنها، وفي النهاية مددوها على طاولة البرلمان السوري ليمنعوا تداولها إلا للخاصة وخاصة الخاصة كأي فيلم إباحي، أو مفردات الكيف، وأخيراً يطالب بطرده من السلك الديبلوماسي، إضافة للسخرية والهجوم العنيف الذي شنه عليه بعض رجال الدين ومنهم الشيخ علي الطنطاوي حين صدور ديوان “قالت لي السمراء-1944”.

شاعر المرأة

نزار قباني فارس واجه أكثر من معركة وقام بأكثر من ثورة، شاعر اقتحم الواقع بجرأة فاستحق لقب الشاعر الثائر. فمن ناحية كشف الغطاء عن الحريات الاجتماعية المسلوبة، والكبت المتوارث عن القبيلة والعادات والتقاليد، ولعل حادثة انتحار شقيقته “وصال” بعدما أجبرها أهلها على الزواج من رجل لم تحبه، كان الحدث الأبرز في تشكل وعي الطفل للحريات الإنسانية الفردية، وبدأ ينقل خيبات الأنثى من الحرملك إلى الورق، محاولاً انتشالها من جب العادات والتقاليد البائدة، من ظلم المجتمع والرجل الأب، الأخ، الزوج، الابن، حتى أنه نجح في إعادة الأنثى إلى دواوين الشعر والقصائد العربية كما كانت عليه الحال في العصور السابقة وتاريخ الشعر العربي الطويل بعدما أقصاها شعراء تلك الحقبة وحولوها إلى نوع من المحرّمات ظاهراً لا يجوز الاقتراب منها حتى لغوياً، متعامين عن تاريخ الشعر العربي وما حواه من ألفاظ وكلمات وصور، من جرير وصريع الغواني إلى عمر بن أبي ربيعة، وأبي النواس وأبي العتاهية وغيرهم، لكن الشاعر الدمشقي كان يحمل بين ضفتي شعره قضايا الشباب وحاجاتهم للحب والانطلاق والحرية، طارحاً ما كانت تعانيه المرأة الشرقية في المجتمعات المتخلفة من تهميش وازدراء فكري وجسدي، لكن للأسف هاجمته الرجعية وحاولت إسكاته بحجة الحفاظ على العادات والتقاليد، فالمجتمع آنذاك كان برمّته يخاف الخروج عن فتاوى شيخ الحارة أو من تحت عباءته، حتى أن أكثر النقاد كانوا جهلة وغير قادرين على التمييز بين المصطلح الجنسي والمصطلح الشعري، وكان النقد بمثابة أصولية أدبية وتطرف، خلط بين القصيدة والجسد، وشاهد النهد عورة والساق عورة، ورأس القصيدة سافراً، وعجزها فتنة تثير القارئ.

التجديد في القصيدة

لم تقتصر مواجهة نزار قباني على حرّاس الفضيلة، بل واجهه المحافظون على الشكل القديم للقصيدة، والأسلوب الشعري حين بدأ يستخدم قاموسه الخاص، ويدخل المفردات العامية على اللغة الشعرية، تلك المفردات المعاصرة المستقاة من اليومي وحياة العصر الذي عاشه في لبنان والمهجر، والذي أطلق عليه النقاد الفضاء اللغوي المفتوح؛ فبعدما كان الفضاء اللغوي منغلقاً على مفردات العصر، ومفتوحاً على ألسنة المعاجم التي استقى منها أغلب شعراء ذلك الوقت مفرداتهم، كان من الصعب إدخال مفردات محدثة؛ فحرمُ الشعر مقدسٌ ولا يجوز المساس به، خاصة أن الشعراء في ذلك الوقت كان لهم ثقافة لغوية تقليدية، ولم تخرج صورهم ومفرداتهم عن المعاني القديمة والمكررة المستقاة من كتب القواعد والنحو، والجرأة التي وسموه فيها في بداياته لم تكن من حيث المفردات الجريئة فقط، بل في الخروج عما اعتاد الشعراء قوله وطرحه، لكن إيمان صاحب “سامباـ1949” بأن الشعر للجميع وليس لطبقة من دون أخرى، وضرورة لحياة الناس، جعله يختار لغة بسيطة، مرنة سلسة الإيقاع، أدت إلى اتساع فضائه الشعري نتيجة لاتساع فئة المتلقين وتنوع ميولهم وثقافاتهم، بدءاً ممن يعتبرون أنفسهم النخبة، حتى الناس العاديين والبسطاء، التلاميذ والمراهقين وربات المنازل، والأنثى المقموعة عموماً، والثائرين على ما أصاب العروبة من ترهل، فكانت لغته التي استقاها من المدرسة اللبنانية ومصادره المختلفة، بعيدة عن التصنع والتعقيد اللفظي، تلقائية، عفوية، مفرداتها مختارة، عباراتها مركبة بطريقة متينة، ونجدها رغم بساطتها غنية لغويا في التصوير وإطلاق العنان للخيال، إضافة لعمق تأثيرها في المتلقي، فلم تقع فريسة جزالة اللفظ وغرابته، أو فصاحته، فكان حريصاً منذ بداياته على استبعاد المفردات الغريبة التي تسير على جسر الخطابة والإنشاء، معتمداً على الأسلوب السهل الممتنع المليء بالصور الشعرية والإيحاءات، والمفردات التي تتميز بالواقعية اللغوية والحدث اليومي، فكان أفضل من طوّع اللغة العامية لخدمة اللغة الشعرية بعد إشراكها بالفصحى من غير أن يخرج عن حدود الفصحى، ويمكن الجزم بأن العفوية الشعرية التي انتهجها في مسيرته جذبت الكثير من الشباب لفن قراءة الشعر وتلقيه، لا سيما أن قباني في ترحاله كان يحمل قراءه وهمومهم من حارات دمشق وزواريبها وصفصافها وأنهارها، وينقلهم من المحلية إلى العالمية، إذ أدخل إلى مسامعهم مفردات جديدة وأسماء مدن وأعلام كان لها آثار في بلادها والتاريخ الثقافي والأدبي، حتى أنه في مجموعته الرابعة “أنت لي ـ 1950” عنون إحدى قصائده بالحروف اللاتينية.

بين العشق والحسرة

هذا هو الشاعر “الدونكيشوت” العاتب على العروبة والوطن، والأمة المثخنة بخيباتها، الإنسان الممتلئ بالحنين لمدرسته وحارته وكتبه وذكرياته وصور رسمها على جدران مدرسته، وأسوار الحياة، شاعر يتحسر على أيام سرقتها الغربة، ومقاتل فرسه القصيدة، وسيفه الحرف، ودرعه الصور الشعرية، لكنها الرجعية تتمسك بالمفردات والإيحاءات الجنسية، متناسية عن عمد أو عن قلة اطلاع همَّ الشاعر في القضايا العربية الكبرى، والتراث الإسلامي الذي يسكن وجدانه، فغيّبوا قصائد جلد الذات من خيبات الأمة وهزائمها، والمرارة التي سبغت حلق حروفه، ولعل من قرأ “من مفكرة عاشق دمشقي” أو قصيدة “غرناطة” أو قصيدة “أنا يا صديقة متعب بعروبتي” التي ألقيت في مدينة تونس يعي الحسرة التي عاشها، وهو شاعر الشام بلا منازع، وابن دمشق التي ظهرت في الكثير من قصائده تارة كأنثى معشوقة، وتارة كحسناء تنافس عشيقاته في حسنها وجمالها، غير تصريحه أكثر من مرة بأن ما يربطه بها شيء غير قابل للانفصال مهما حدث، وعليه لا يمكن أن نوارب أو نتعامى عن عمق انتماء نزار قباني لعروبته ووطنه رغم السنين التي قضاها بعيداً عن مسقط رأسه، والوطن العربي، ذلك الانتماء الذي لا نجده عند شعراء وملوك وسياسيين، لم يغادروا بلادهم بل كانوا في مواقع القرار والسلطة لعقود، ويبقى نزار قباني من أبرز الشعراء الذين حاولوا إيقاظ الحس القومي ولم يفلحوا.

في النهاية لا بد من التنويه بأن شعر نزار قباني كان شاهداً على عصره، ولم تخلُ قصائده مما يسمى بالمواضيع الملتزمة بغية تعرية المجتمع، ومعالجة قضاياه وأمراضه، ورغم محاولة البعض طمس هذه الحقيقة أو تحويرها كما فعل بعض الجهلة من كتاب الدراما التلفزيونية، الذين وضعوه في نصوصهم بتصرف المراهقين والعابثين، متغابين عن إرث القباني الكبير من الشعر وما حمله من قضايا قومية عربية وسورية واجتماعية، بقي العملاق، فهل يمكننا أن نكون ضد الشعر السهل ونطالب بالشعر الذهني المعقد، أو نرفض الشعر الذي ينصر المظلوم، لنكون مع شعراء البلاط وتمجيد القصور، أو أن نقبل في تأطيره بـ“شاعر المرأة” دون أن نعي كيف حمل قضيتها، لكن لا شيء معهم إلا كلمات، وعذراً من السيدة فيروز صدقت نبوءة ابن حي مئذنة الشحم، “أجراس العودة لم تقرع” حتى هذه الساعة، ومعذرة من نزار قباني خالد بن الوليد لن يؤجرنا سيفه المسلول، والعروبة أرملة أصابها الشلل.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق