عشرون عاماً على موته: في زيارة قبر كانيتي / نجم والي

عندما اختار إلياس كانيتي، وهو على قيد الحياة، قبره الذي أرادت بلدية زيوريخ تكريمه به، إلى جانب قبر جيمس جويس، المدفون هناك في مقبرة «فلفترن» في زيوريخ، فهو فعل ذلك، لأنه أخذ في حسبانه أمرين مهمين: الأول، هو الشهرة العالمية التي يتمتع بها صاحب «ناس من دبلن»، و»يوليسيس»، والثاني، هو قدر جويس الذي حُكم عليه، ولا يزال، بأن يظل كاتباً غير مقروء، على رغم الشهرة التي يتمتع بها. ولكن أن يكون جويس غير مقروء، فهو أمر مفهوم إلى حد ما، لأن القراء المتمرسين بالأعمال العالمية المعقدة يقفون غالباً عاجزين عند قراءتهم، «أم الروايات»: يوليسيس. ولكن ما شأن إلياس كانيتي بذلك؟ لماذا هذه المقارنة، لأنه هو الآخر، كاتب غير مقروء، على الرغم من طريقته السلسة في الكتابة، وعلى الرغم من جمله غير المعقدة، وسخريته اللاذعة التي تشبه أسلوب جونيفان سويفت، وأفكاره العميقة عمق أفكار كافكا، لكي نسمي فقط بعض رموز الأدب المتربعين على عرش قمة الأولمب، والذين لم يخف كانيتي ذاته، إعجابه بهم.

ومن المفارقات اللافتة، أنه على عكس الكثير من كتاب اللغة الألمانية، لم يهمل النقد كانيتي، لكنه لم يذكره إلا في وقت متأخر، ليس بسبب صعود النازية المبكر فقط، وإنما لأسباب أخرى، تتعلق بكانيتي نفسه وبسيرة حياته. فعندما صعدت النازية، لم يكتب كانيتي أكثر من كتابين، ناهيك بعدم معرفة الكثيرين بجنسية الكاتب الحقيقية. تعرف جمهور القراء الألمان للمرة الأولى إلى كانيتي ونال إعجابهم في بداية الستينات. ثم ازداد شهرة عندما أصبح كتابه الصغير والبسيط «أصوات مراكش»، الذي يصف فيه رحلته إلى هناك، الكتاب الأكثر مبيعاً، عند جيل 1968 الألماني، الذي عشق السفر إلى مراكش في تلك الفترة. أما جائزة نوبل للآداب والتي حصل عليها عام 1989، فجعلت شهرته تصبح عالمية.

ومع ذلك، حتى اليوم يتساءل المرء، لماذا يهز البعض رأسه، عندما يُسأل، فيما إذا كان قرأ عملاً من أعمال كانيتي أم لا؟ والمصيبة أكبر لقراء العربية، فلا يحضرني هنا، عدد الأعمال المترجمة له إلى العربية ولا أبالغ إذا قلت كتابان: «أصوات مراكش» و «المحاكمة الأخرى»، وكلاهما لم يترجما عن اللغة الألمانية مباشرة! ولكن إذا كان الأمر عندنا بسبب الترجمة، فلماذا في ألمانيا أيضاً، ما دام الناس يستطيعون قراءته باللغة الأصلية؟ ربما لذلك علاقة بحياة كانيتي، الغريبة بعض الشيء. ومن الطريف، أن نذكر في هذا السياق، أنه عندما حصل على جائزة نوبل، لم يعرف الكثيرون، أي جنسية يحمل كانيتي: هل هو ألماني أم نمسوي أم سويسري أم بلغاري أم بريطاني؟ ويعود ذلك إلى تشابك أصل كانيتي، وهجرة عائلته منذ زمن أجداده، عبر بلدان عدة. من هو كانيتي إذاً؟

ولد الياس كانيتي عام 1905 لعائلة يهودية من اصل سفاردي، كان عليها مغادرة اسبانيا في القرن الخامس عشر مع طرد العرب المسلمين من هناك، ومثل الكثير من عائلات اليهود السفارديم، لجأت عائلة كانيتي إلى أراضي الدولة العثمانية، واستقر بها المقام في مدينة «روتشيك»، في بلغاريا. في تلك المدينة التي تُعتبر حتى اليوم، مصهراً لثقافات عدة، والتي كانت آنذاك ضمن إدارة الإمبراطورية العثمانية، وُلد كانيتي. هكذا حمل كانيتي في البداية جواز سفر تركياً. وليس من الغريب أن يكتب كانيتي ذات يوم معرفاً بنفسه: «ألماني أنا بغطرستي، يهودي بلجاجتي، اسباني بكبريائي، وتركي بكسلي». ولكن مع ذلك، يمكننا أن نقول، إن كل تلك الثقافات التي عددها كانيتي هنا، تركت عليه ظلالاً صغيرة، مقارنة بما دمغته به سنوات الطفولة. كانت طفولة كانيتي مسبوكة من خليط لغوي بابلي هو مزيج من البلغارية، التركية، الاسبيونيلية (خليط من الإسبانية والسفارديمية)، اليونانية والألبانية. أما اللغتان الإنكليزية والفرنسية فتعلمهما لاحقاً، وهذا يصح أيضاً على اللغة التي سيكتب ها لاحقاً: اللغة الألمانية. الطريف، هو أن اللغة الألمانية، كانت اللغة التي اعتاد التحدث بها والداه، كلما أرادا الحديث عن موضوع، لم يريدا للأبناء أن يعرفوا به. لغة سرية في شكل ما. وربما لهذا السبب، سحرت هذه اللغة الطفل الصغير، كانيتي، وزادت فضوله وإصراره على تعلمها وبسرعة.

الموت المبكر للأب (بعد انتقال العائلة إلى لندن) دفع العائلة الصغيرة، إلى أن تتنقل بين بلدان أوروبية عدة: من بريطانيا، إلى النمسا، إلى سويسرا ثم إلى ألمانيا. تلك كانت محطات كانيتي الشاب. وفي وقت قصير قبل الحرب العالمية الثانية، بعد تسلّم النازيين السلطة، وضم النمسا إلى دولة الرايخ (ضم الفرع للأصل، كما صرح هتلر!)، نجح كانيتي في الهجرة إلى لندن. حصل كانيتي على الجنسية البريطانية، وعاش هناك سنوات طويلة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى سويسرا، فتكون زيوريخ محطته الأخيرة، التي مات فيها عام 1994.

كاتب من الصعب إلحاقه بقومية، مفكر بلا وطن، يهودي بلا يهودية، هذا الشخص الهارب دوماً من القوالب والتعريفات، غير القابل للتصنيف في خانة معينة، حتى من الناحية السياسية. كل ذلك جعل كانيتي يصبح غامضاً للبعض، ومغرياً للبعض للآخر. وسواء تعلق الأمر بشخصيته أو بمشروعه الكتابي، فقد ظل كانيتي مشروعاً غير مكتمل. كان يخطط لكتابة ثمانية مجلدات بعنوان «الكوميديا الإنسانية للمجانين»، لكنه لم يكتب أكثر من جزء واحد من هذا المشروع: «الانخطاف»، روايته الوحيدة، وهي بمثابة عمل جبار، كتبه وكان له 25 عاماً من العمر، وهو العمل الذي جعل عملاقين، مثل هيرمان هيسه وتوماس مان، يكتبان عنه بحماسة، عند صدوره عام 1935. وهذا العمل بالذات، جعل كانيتي كل هذه السنوات، يظل شفرة سرية أو «كاتباً مخفياً لم يُكتشف بعد» في الأدب المكتوب باللغة الألمانية.

الشخصية الرئيسية في الرواية، بروفسور يدرس اللغة الصينية «كين»، تلك الشخصية التي يمكن أن تكون خطتها ريشة بلزاك، مع الفرق، أن المجتمع البورجوازي في زمن كانيتي، لم يبق كما كان في زمن بلزاك: عالم يعيش الانهيار. في هذا المجتمع يدور البروفسور، ضالاً طريقه: رأس يدور في الفراغ، العالم المحيط به غير موجود، عالم غير مناسب للرأس المتضلع في كل شيء: رأس بلا عالم، ينتهي إلى لهيب نيران مكتبته الضخمة. رأس سجين في عالم مادي منهار، العالم الوحيد المعروف، الذي يسكن في الرأس، هو الجنون.

ولكن مهما اختلف المرء في تقويم كانيتي، فهو ذاته ظل أميناً على تحولاته. وكان يعتبر ذلك واجباً ضرورياً ملحاً له ككاتب، وبخاصة في توجهه إلى المسرح، ليكتب في هذا المجال أعمالاً درامية مهمة:»العرس» و»كوميديا الغرور»، و»المحددو الأجل». سنوات طويلة حتى العام 1960 عمل كانيتي على مشروعه الضخم. كتابه النظري الرئيس «الجماهير والسلطة» أو «الحشود والسلطة»، يتأمل انعكاس الحشود والتجمعات على حياة قرن تراجيدي لم يبخل بالجماهير؛ عمل امتزجت فيه النظرة الأنثروبولوجية مع الفلسفة والأدب، بعد هذا العمل نُشرت كتاباته اللاحقة، التي ظهرت في شكل تخطيطات «بشرية»، اعترافات ويوميات ومذكرات، والأجزاء الأربعة من سيرته الذاتية. «العالم منهار، وعندما تكون لدى المرء الشجاعة على تصوير انهياره، يكون من الممكن، إعطاء تصور حقيقي عنه». هذه هي واحدة من جمل كثيرة كتبها كانيتي، ولا تزال قيمتها قائمة حتى اليوم، خصوصاً لمن يزور قبره اليوم ويسمع ما يدور حوله، وعلى مدار الساعة، من كوارث طبيعية وحروب.

عن ملحق نوافذ – المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق