الحسين الزاوي: الهويّة وفلسفة اللغة العربية، وأدوار الأفراد / أنطوان أبوزيد

يدخل المؤلّف الجزائريّ الحسين الزاوي الى إشكالية العلاقة بين اللغة العربية ومستخدميها من زاوية الهويّة التي تتراوح حدّة وتشعّباً على ما يفصله تالياً. كتاب الحسين الزاوي، الصادر العام 2014، عن دار منتدى المعارف يعالج، كما أسلفنا، مسألة الهويّة، أي الهوية العربية، استناداً وتوسيطاً باللغة. والكتاب، ثمرة بحث متعدد العلوم المرجعية (بين الفلسفة القديمة والحديثة، والألسنية الحديثة والمعاصرة، وبين فلسفة اللغة العربية)، يعالج فيه الكاتب قضية لا تزال راهنة، لكونها متزامنة مع التحوّلات الاجتماعية والثقافية (والسياسية) السريعة، وما تلازمها من كوارث لا نزال نشهد لها فصولاً الى يوم كتابة هذه السطور.

وأوّل ما بدأ به المؤلّف الباحث التعريف بمفهوم الهويّة، باعتباره لبّ البحث الجاري إعداده؛ ولئنّ أقرّ الكاتب بأنّ “علاقة اللسان العربي بهويّته الحضارية والثقافية… قد تبلورت قبل أن يبدع الفكر الغربي مفاهيمه عن القومية” (ص:8)، فإنه شرع بحثه باستعراض التعريفات العديدة للهوية من حيث البعد النفساني، على أنها “ما يجعلني مشابهاً لذاتي ومختلفاً عن الآخرين”، بحسب بيار تاب (ص 16)، ومن حيث البعد النفسي الاجتماعي فالهوية هي “ما يمتلكه الفرد بشأن انتمائه الى بعض المجموعات الاجتماعية وبالدلالة الانفعالية والتقويمية المترتّبة عن هذا الانتماء”، بحسب فيستنجر. ومن حيث البعدان، السياسي والاجتماعي فإنّ الهوية هي “مجموع الممارسات والأفعال والسلوكيات، التي يتمّ من خلالها الاعتراف بمكاننا ضمن الفضاء العمومي”، بحسب برنارد لاميزيه.

ومن ثمّ يتطرّق الكاتب الى ظاهرتين متصلتين بمسألة الهوية، أولاهما الطابع المركّب لعلاقة اللغة بالهوية، باعتبار اللغة “نواة كلّ ثقافة وكل مجتمع إنساني” بحسب إدغار موران. أما الظاهرة الثانية فهي ارتباط الهوية بالذّاكرة ارتباط الأداة بالفعل، ذلك أن الذاكرة، بحسب العديد من الآراء التي يستعرضها الكاتب، الملكة التي تُحفظ فيها القيَم المشتركة والتراث المشترك، وحيث تُخزن التمثّلات الفردية والجماعية. وههنا ينبّه الكاتب الى أنّ لبعض الشعوب والأمم ذاكرةً أشدّ فعالية من غيرها، من مثل الشعب الألماني والشعب العربي، وهذان يملكان بفضل تلك الذاكرة تراثاً جديراً بالاعتبار. ولئن أقرّ البعض بأنّ التراث يشكّل عامل نكوص، و“تعبيراً عن افتتان مبالغ فيه بالقيم التي يرمز اليها الماضي” (ص:37) بحسب كاندو، فإنّ التراث يشكّل أحدّ أهمّ عناصر الهويّة التاريخية التي يعتصم بها الأفراد والجماعات، في التضادّ مع حركة العولمة التي تسعى الى محو الفوارق والخصوصيات بين الشعوب والجماعات والأفراد. أما اللغة، في هذا الشأن، أي في صلتها بالهوية، فعنصر بالغ الخطورة، لكونها حمّالة رؤيا، بحسب فتغنشتاين، الى كونها وسيلة تواصل وتعبير. ويسعنا أن نضيف الى هذين أنّ اللغة، بحسب علماء التعلّمية اليوم، هي وسيلة لاكتساب المعارف وللتعليم والتعلّم، اي لنقل هذه المعارف الى آخرين. وبناء على هذا، يتابع الكاتب، تُعتبر اللغة “العنصر الوحيد الذي يستطيع الجمع بين معطيات الهوية الفردية وتجليات الهوية الجماعية”، في ما بات يُعرف بأنه الدين والتراث القومي.

فلسفة اللغة

وقبل أن يعرض الكاتب لطرحه الأساس، عنيتُ به أن يكون للعرب فلسفة خاصّة باللغة العربية تكون على مقاس طموحات العرب في القرن الحادي والعشرين، يعالج مسؤولية الدولة، بل الدول، في التخطيط للغة، ورسم السياسات التي ينبغي للمعنيين بتعليم اللغة اتّباعها تحقيقاً للأهداف المرجوة، في اللحظة أو الظرف الزمني المعيّن. وههنا، يضرب الكاتب أمثلة كثيرة عن منظومات الدول الانكلوسكسونية، والفرنكوفونية، وغيرها التي لا تتوانى عن وضع سياسات لسانية أو لغوية، يتمّ بموجبها التخطيط العام لتعليم اللغة الرسمية، وسائر اللغات الأجنبية المتداولة في تلك البلدان. وتلك تستدعي من القيّمين إعداد فلسفة تربوية شاملة، وإعداد مناهج وبرامج، وإعداد معلّمين ووسائط تعليمية مناسبة لتحقيق الأهداف أو المهارات التي يفترض بالطلاب أو الفئات المستهدفة من تعلّم هذه اللغات وما تحمله من قيَم، وما تستدعيه من وظائف لكلّ من المواطنين المحلّيين ومتداولي اللغة المعنية. وبغضّ النظر عن التحوّلات السياسية التي أضافت تحدّيات ولغات، ونزعت لغات من سجلاّت بعض الدول، بُعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإنّ التخطيط للغة الذي رأت اليه معظم الدول على أنه التحدّي التواصلي والاجتماعي والعلمي – المهنيّ الأكبر، لا يزال غائباً، على حدّ قول الكاتب الزاوي، عن اهتمام الدول العربية، مع أنّ التراث العربي كان أشد رحابة واحتضاناً للثقافات غير العربية وغير المسلمة من بعض اللغات الأجنبية، على ما يقول المؤلف.

عند هذا الحدّ، اقترح الكاتب فرضية الحلّ للمشكلات التي تعترض العرب في هويّتهم غير المنظّر لها حديثاً، وهو أن يُنشأ للعربية فلسفة خاصّة بها، مستمدٌّ بعضها من عناصر فلسفة اللغة العربية التي كان جرجي زيدان أعدّها، في نهاية القرن التاسع عشر، والتي يقرر فيها أن اللغة العربية اصطلاحية، وأنّ كلّ الفاظها تعود الى مقاطع صوتية ذات حرفين (الأصل الثنائي)، وأنّ الكثير من كلماتها وألفاظها “الدالة على معنى في ذاتها.. وتلك الدالّة على معنى في غيرها..”، مشتقّ ومنحوت من ألفاظ ذات أصول قديمة غير عربية (سريانية، على الأرجح) استناداً الى حضور اللغات السامية الأقدم، وتأثيرها في الأحدث، نسبياً، وهي العربية.

وأياً تكن تصورات الكاتب حول فلسفة اللغة العربية، التي كنّا نأملها أوسع مدى بكثير مما طرحه الكاتب، نظراً للمدوّنة الغزيرة التي تحفل بها، فإنّ الكتاب يطلق جملة مسائل جديرة بالتوسعة والمتابعة؛ من مثل الحدود التي ينبغي ان تقوم ـ في هذه الفلسفة ـ بين العاميات وبين اللغة العربية الفصحى، والسياسات الواجب اعتمادها من قبل كلّ دولة عربية أو كل الدول العربية لتعليم اللغة الأمّ والتوصيات بانتشارها في العالم، ورصد مجالات الإبداع فيها والسعي الى تطويرها، وتأريخ المصطلحات الفقهية (اللغوية) وعلوم اللغة والمنطق والفلسفة والعلوم البحتة، القديمة والمعاصرة، بما لا يقوى عليه سوى المؤسسات الكبرى ذات القدرات المادية والتنظيمية العالية، تسبقها إرادة عليا في السهر على تنفيذ هذه السياسات.

ولكن، أنّى لنا ذلك وكيف؟

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق