تعقيب – نعم لا بدَّ من قراءة جديدة للنصوص الدينية / الشيخ يوسف سبيتي

جاءنا من الشيخ يوسف سبيتي، المعهد الشرعي الاسلامي والمكتب الشرعي في مؤسسة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، التعقيب الآتي على مقال الزميل خالد غزال في “الملحق”، 24 آب 2014.

“قرأت في ملحق النهار، 24 آب 2014، مقالة بعنوان”داعش فرصة تاريخية لمباشرة الإصلاح الديني في الإسلام“للأستاذ الفاضل خالد غزال، ولفتت نظري فقرة يقول فيها الكاتب:”لم تُجرِ المؤسسة الدينية مراجعة للنصوص المقدسة استناداً إلى قراءة تاريخية لها تأخذ في الاعتبار ظروف نزولها وأسباب هذا النزول، لنفرز بين ما هو مستمر في صلاحيته لهذا الزمن ولأزمان أخرى“.

نعم، لا بدَّ من فرز النصوص الدينية بين ما هو تاريخي له علاقة بزمان نزوله ولا يصلح للتطبيق في كل زمان، وبين ما هو غير تاريخي يصلح لكل زمان. القرآن الكريم هو المستند الأول الذي يعتدّ به المسلمون في قضاياهم الفقهية ــــ على سبيل المثال لا الحصر ـــــ وليست كل آياته تمثّل الدستور الواجب اتباعه، وبعض آياته هي تاريخية لا تصلح لكل زمان.

مثال ذلك ما يسمّى بـ”آية السيف“في عرف المفسّرين، وهي قوله تعالى”فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد“(الآية الخامسة من سورة التوبة). بغض النظر عن الخلاف بين المفسّرين في كون هذه الآية ناسخة لآيات العفو والتسامح، مع أن القول بالنسخ غريب، إذاً كيف يمكن لآية واحدة أن تنسخ عشرات الآيات في العفو والتسامح؟

ما أود أن أقوله إن هذه الآية تتحدث عن فئة واحدة من فئات المجتمع العربي في ذك الوقت وهي فئة”المشركون“أو الوثنيين وعبدة الأصنام، وهذه الآية تحتاج إلى دراسة خاصة، فلعلها تتحدث عن مرحلة خاصة في زمن رسول الله”ص“، وخصوصاً أن النبي”ص“عندما دخل إلى مكة لم يعمل بأهل مكة السيف، واكتفى منهم بإشهار إسلامهم من خلال النطق بالشهادتين، ما يعني أنها تتحدث عن حالة خاصة في زمن رسول الله”ص“.

وهناك فئة تحدّث عنها القرآن الكريم بصفة”أهل الكتاب“، وهم اليهود والمسيحيون، والمسيحيون خصوصاً لم يقاتلهم رسول الله”ص“. نعم، فرض عليهم الجزية. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن”آية الجزية“التي تقول”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون“(الآية 29 من سورة التوبة)، لم يعد ممكناً تطبيق أحكامها على مواطني الدولة الإسلامية، لأنه في زمن نزول الآية لم يكن مفهوم الدولة هو السائد في الجزيرة العربية،ـ بل عبارة عن مجتمعات متعددة أو قبائل، حاول رسول الله توحيدها تحت سلطته، أما في زماننا فتغيرت المفاهيم وأصبح هناك دول ومواطنون، وحلَّ مفهوم المواطنة محلّ أهل الذمَّة، وليس مقبولاً التعاطي مع غير المسلمين كأهل ذمَّة، بل هم جزء من مكوّنات الدولة لهم حقوقهم وعليهم واجبات، ولا يمكنهم التنازل عن واجباتهم إذا كان المقصود من الذمية والجزية هو عدم تكليفهم واجبات تجاه الدولة.

وهناك الآيات التي لها علاقة بما يسمى”ملك اليمين“، بمعنى أن أحد الأسباب التي يحلّ للرجل مجامعة المرأة هي أن تكون مملوكة بالبيع أو الأسر في الحرب، وهذه كانت ظاهرة موجودة في المجتمعات الإنسانية حتى المتحضرة في ذلك الوقت، فأثينا التي كانت قد استولت على جزيرة ميلوس بعد حصار، بعد أن ألقوا القبض على الرجال، قاموا ببيع النساء والأطفال كعبيد (ديفيد فيشر، عالم المعرفة، عدد 414). أما في العصر الحاضر فإن قواعد الحرب لا تسمح بالاستيلاء على النساء وبيعهن أو اعتبارهن جواري، بل إن هناك ما يسمّى باتفاق جنيف للأسرى ووجوب الحفظ عليهم رجالاً أكانوا أم نساءً ويجب إعادتهم إلى دولتهم منتصرة أكانت أم منهزمة، فلا يمكن في هذه الحال تطبيق قواعد الحرب التي كان معمولاً بها في الأزمنة السابقة، لأن الأعراف والقواعد قد تغيرت في المجتمعات الإنسانية.

المفهوم الآخر الذي لا يزال متداولاً مع أنه لا يتناسب مع المفاهيم السياسية السائدة في العصر الحاضر، هو مفهوم الخلافة، فإن الخلافة بعد الخلفاء الراشدين تحولت إلى ملك عضوض، يضاف إلى ذلك أن المفاهيم السياسية لنشوء الدولة والسلطة تغيرت، رئيس الدولة لا يسمّى خليفة، بل هو رئيس الدولة، وهذا الرئيس لا بدَّ من انتخابه من الشعب، حتى يكون رئيساً شرعياً.

فالدول الآن قائمة على أساس ديموقراطي من خلال الانتخابات، ولا يحقّ لأحد أن ينصّب نفسه رئيساً على دولة ولو بعنوان”الخليفة“، وهذا يخالف أبسط قواعد تعيين الخليفة. بحسب أصحاب نظرية الشورى، إن الذي يختار الخليفة هم”أهل الحلّ والعقد“، حتى هذا المفهوم السياسي لم يعد له وجود. هناك شعب يشارك بكلّ مكوّناته وإن كانوا من غير المسلمين في انتخاب رئيس الدولة أو أعضاء مجلس النواب.

نعم، توافَق الصحابة بعد وفاة رسول الله على تسمية الحاكم بالخليفة واعتبروه خليفة رسول الله”ص“لأنهم فهموا الأمر على أنه امتداد لسلطة رسول الله”ص“وكانت هذه تجربتهم الأولى في السلطة والحكم، لكن تبدلت المفاهيم من خلال تبدل العناوين والمسميات، فليس الحاكم الآن هو خليفة رسول الله”ص“والشعب الذي ينتخبه لا يعتبره كذلك. نعم، نحن نحتاج إلى قراءة جديدة للنصوص الدينية، تتناسب مع روح العصر بما لا يخلّ بالمبادئ الأساسية التي رسم حدودها القرآن الكريم، في ما يتعلق بالعقيدة التوحيدية من جهة، والثوابت من القضايا الشرعية التي لا تتغير ولا تتبدل، مثل قضايا الإرث التي ذكر القرآن الكريم نصيب كل واحد من الورثة، الأب والأم والزوجين وغيرهم، وهذه لا تحتاج إلى قراءة جديدة أو تعديل.

هذه القراءة الجديدة لا يكفيها الجهد الشخصي أو الفردي، بل تحتاج إلى تضافر جهود العلماء والمفكرين من ذوي الاختصاص ولو من خلال إنشاء مركز تحقيق خاص يعنى بهذه القراءة الجديدة، والأمر لا يقتصر على القرآن الكريم، بل يتعداه إلى النصوص المروية عن رسول الله”ص“أو الأئمة من أهل بيته الذين يعتبرون المرجعية الفقهية والفكرية عند الطائفة الشيعية”

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق