إنتاج الفضاء العام ولعبة السياسة والاقتصاد / إيلي حداد

كيف يتم “إنتاج” الفضاء العام، مدينياً أكان أم طبيعياً، وكيف يتم إستثماره ضمن إطار المنظومات الاقتصادية المختلفة؟ حاول المفكر الفرنسي هنري لوفافر الاجابة عن هذا السؤال في كتابه المعروف “إنتاج الفضاء العام” (La Production de l’Espace) الصادر في العام 1974، وعلى الرغم من بعض الاضاءات المهمة التي حملها الكتاب إلا أنه لم يصل الى خلاصات واضحة عن عملية إنتاج الفضاء وصولاً الى احتكاره شبه الكامل في عصرنا المعولم. يبدأ لوفافر نظريته من هيغل، الذي حدد مفهوم الفضاء بارتباطه بمفهوم الزمن التاريخي الذي “يلد” الفضاء، والذي ينتظم بحسب التنظيمات الانسانية وأهمها تأسيس “الدولة”. الدولة هذه، كمفهوم تنظيمي، تأخذ مداها وتتمدد منذ القرن التاسع عشر في مختلف نواحي العالم، واضعة المؤسسات، مدعومة بالتقدم العلمي والتكنولوجي. هكذا يتثبت مفهوم الدولة الحديثة ويطغى على تقاليد الحكم السابقة، مؤكداً نظرية هيغل بنهاية التاريخ.

يتميز الفضاء العام بكونه فضاءً إجتماعياً (espace social) على ما يقول لوفافر، وهو في النتيجة “مُنتَج” تنتجه الظروف التاريخية والاجتماعية في مكان وزمان محددين. لكن الفضاء الطبيعي في هذه المعادلة يختفي تدريجياً، ويتحوّل مجرد صورة أو “خلفية” للواقع الجديد. الطبيعة تتحوّل تدريجياً الى أسطورة، أو الى رمز عما كانت عليه سابقاً، لكنها كواقع فعلي تتراجع وتضمحل في أهميتها الى حد الاندثار. هذه الحقيقة يمكننا ملاحظتها بتطورها السلبي والدراماتيكي في إنهيار مفهوم الطبيعة الذي شاهدناه في لبنان خلال العقدين السابقين، وقد تحولت الطبيعة بالفعل من واقع حقيقي معيش (الضيعة اللبنانية كما وصفها الادباء والفنانون) الى “صورة” تجارية يتم إستخدامها في ترويجات لمشريع سكنية وسياحية جديدة.

يشير لوفافر الى وجه آخر من أوجه الفضاء، هو اقترانه بالنظريات الايديولوجية التي تستعمل الفضاء كأساس ترتكز عليه، ومنها الايديولوجيات الدينية. هنا لا بد من الاشارة الى أن إنشاء الكيان اليهودي في العام 1948 على أرض فلسطين التاريخية، لم يكن ممكناً الترويج له واكسابه شبه شرعية له عالمياً لولا هذا الاقتران الايديولوجي الذي يعود الى تاريخ عمره ألوف السنين بفضاء جغرافي معيّن. من ضمن هذا السياق يمكننا أن نقرأ، بالطبع، من دون أن نؤيد ذلك، عملية “الاسترداد التاريخي” التي تقوم بها أصوليات أخرى، ومنها على سبيل المثال “الدولة الاسلامية في العراق والشام” على أساس إعادة تكوين فضاء جغرافي وسياسي واجتماعي على صورته “الاصلية”، أي قبل “التلوّث” الذي أصابه جرّاء الاختراق العالمي، أو بشكل أكثر دقة، قبل إختراق الحداثة له. ليس من طريق المصادفة أن يطلق على زعماء هذه التيارات الاصولية أسماء تدل بشكل واضح على ارتباط مديني يعود الى ما قبل الحداثة (على سبيل المثال أبو بكر البغدادي) رافضين بذلك أي ارتباط بدول تم إنشاؤها في العصر الحديث. أيضاً، يحاول أولئك إعادة صوغ المناطق التي يسيطرون عليها، إن من ناحية إعادة تسميتها أو من ناحية إعادة إنتاج فضائها بحسب المنظومة الايديولوجية التي ينتمون اليها. يطلق لوفافر وصف “الفضاء المطلق” على هذا الفضاء الذي يرتبط بالواقع السياسي أو الديني، والذي تنتجه روابط الدم، أي القبائل أو الأعراق، والذي منه يقتبس أو يتكوّن “الفضاء التاريخي” لاحقاً. لكن الفضاء المطلق لا يختفي كلياً بل يبقى كرواسب ضمن الفضاء التاريخي، ولعل هذه العلاقة الجدلية التي يوحي بها لوفافر هي التي تعطي نظريته طابعها المميز.

كما أنه يمكننا من خلالها أن نفهم العديد من الظواهر التي تبدو للوهلة الأولى خيالية أو “سوريالية” في عالمنا العربي، حيث التفاعل الجدلي الذي يصل الى حد الصراع المفتوح والدموي أحياناً بين هذين المفهومين يتجلى في وقائع يومية مختلفة. كيف يمكننا أن نفسّر مثلاً ظاهرة “المناطقية” (Territoriality) حيث يطغى لون حزبي معين على أحياء بكاملها ضمن ما يسمّى النسيج المدني، عليه بحسب التوصيف أن يكون فوق كل إنتماء طائفي أو حزبي؟ أو كيف يمكن أن نفهم وجود سلطات مختلفة في الفضاء العام نفسه، بحيث لا يزور مسؤول أجنبي رؤساء السلطات الشرعية فقط، بل تشمل زياراته بحسب “الاعراف والتقاليد” رؤساء الطوائف الدينية ايضاً؟ وفي الوقت الذي يجهد “الفضاء التاريخي” في إلغاء “الاختلافات” الدينية والعرقية والجنسية، يثابر “الفضاء المطلق” على إحياء هذه الاختلافات ضمن ما يسمّى العودة الى التراث والتقاليد. وما الاحتفالات التي تجري في القرى، و“العشاء القروي” أحد مكوّناتها الأساسية، سوى صورة عن مقاومة وإن خجولة لإنهيار أسس النظام القديم. بحسب لوفافر يلي الفضاء التاريخي “الفضاء المجرّد” المرتبط بالتطورات التكنولوجية وحلول الأنظمة العقلانية، الذي يحاول تذويب المفاهيم الأصلية، من الفرد الى القرية الى المدينة ضمن مفاهيم جديدة، ليتشكل لاحقاً كـ“فضاء سلطة”.

هذا الفضاء هو بلا شك نتيجة تطوّر النظام الرأسمالي الذي حوّل عملية التبادل التجاري الى عملية مجرّدة، مستبدلاً الانظمة التجارية التي سادت في القرون الوسطى، مع ما يتبعها من روابط إنسانية، تجارية وصناعية وحرفية واحتفالات موسمية تجمع بين الحاجة التجارية والفن والموسيقى، بأنظمة حديثة تفصل بين الحاجة وبين الفولكلور الشعبي، وترتكز بشكل أوسع على شبكة مؤسساتية من المصارف الى المصانع، وينتج منها تالياً تغيير راديكالي في تكوين الفضاء العام، المديني منه كما الذي يقع خارج المدينة، التي تتحوّل بنفسها من وحدات إستيطانية محدودة الحدود الى “مجال” مفتوح على الفضاء الآخر، أي الطبيعة. بذلك تتحوّل الطبيعة بدورها من كيان واضح المعالم، متمتع بخصائص تكوينية أصلية، الى مجرد عنصر آخر من عناصر التبادل التجاري، يخضع لشروطه وأنظمته، ويتحوّل تدريجياً الى “صورة” أيقونية يتم استعمالها كرديف للأصيل، وكمجرد “تذكار” لما كانت عليه الامور سابقاً، أي سلعة للنوستالجيا والحنين الى الماضي.

هناك وجه آخر أو عمق آخر لمسألة الفضاء المدني الحديث، كما يقول لوفافر، ألا وهو أن الفضاء المجرّد الذي يتطوّر تدريجياً من عصر النهضة حتى القرن العشرين، هو نتاج صراع طبقي، مستوحى طبعاً من نظريات ماركس، بين البورجوازية والأريستوقراطية، وهذه الاخيرة تخسر بشكل متدرج سيطرتها الكاملة على الفضاء العام، ليتم إختراقه بالوظائف الصناعية الجديدة من معامل الى مشاغل حرفية وتحويله الى مناطق “شعبية”. لكن هذا التحوّل أخذ منحى آخر مع العولمة بحيث أعيد تفريغ هذه المناطق الصناعية ضمن المدن، التي إنسحبت الى بلدان أخرى ليتم إعادة توضيبها، إما كمناطق سكن شعبية وإما كمناطق “نخبوية” يعاد صوغها بعد إخراج السكان الاصليين منها. ما ينتج من هذه العملية لا يقل عن كونه عملية “تصفية” للتاريخ على يد المشروع الحداثي، الامر الذي أدى الى ردود أفعال مختلفة ومنها نشوء مشاريع مضادة أو رافضة للحداثة (الاسلام السياسي ليس سوى أحد أوجهه) من منطلق المحافظة على التراث والتقاليد. هنالك مسألة مهمة لم يتطرق اليها لوفافر في تحليله موضوع الفضاء العام وتكوينه، ألا وهو مسألة ملكية الفضاء العام وتخصيصه، وهي معضلة باتت تهدد “الكيان المدني” فعلياً في العديد من الاماكن. المثال الابرز على ذلك، الواقع اللبناني الذي يتميز بحرية الاقتصاد المطلقة، وهذا ما يتغنى به اللبنانيون من جميع الطبقات، غافلين ان هذا الانفلات الاقتصادي يؤدي الى الأزمات التي يعانون منها جميعاً، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود. من هنا لا بد من مقاربة علمية لموضوع نشوء الملكية الخاصة وتطوّرها وشرعنتها، بعدما اصبحت، في بعض الاحيان، تتعدى حدود الملكية الخاصة لتصل الى الملكية العامة، لاغية الحدود بينها. من دون هذه المقاربة يبقى الحديث عن صناعة أو إنتاج الفضاء العام ناقصاً. إذا أخذنا مثال مدينة بيروت يتضح لنا الى اي درجة يطغى هذا العامل الاقتصادي على تكوين المدينة، وقد حوّلها في ظرف عقدين من الزمن من مدينة متوسطية ذات طابع أفقي الى مدينة عمودية، تنمو فيها ناطحات السحاب مثل الفطر بين الأعشاب، مُحدثةً تغييرات جذرية على نسيجها المدني، ومنه على واقعها الاجتماعي. يتلازم هذا الهجوم على فضاء المدينة مع محاولة تطويقها من البحر الذي تتحوّل شواطئه الى محميات خاصة. وما مشروع دالية الروشة سوى تطور طبيعي لهذا الاعتداء المستمر والمتمادي على الفضاء العام. ويأخذ هذا المنحى في إنتاج الفضاء العام المعاصر وصفاً ملتبساً هو “التطوير العقاري”، وهو في الحقيقة، كما أشار لوفافر وإن بطريقة غير مباشرة، ترجمة مغلفة للعنف الطبقي أو السياسي، الذي يُعيد صوغ الفضاء المدني، رامياً بالسكان الأصليين أو “التاريخيين” خارج أسوار المدينة، مستبدلاً إياهم بالمواطنين “الجدد”، أي أصحاب الرساميل والامكانات الاستثمارية. لا تخفي الحملات الترويجية للمشاريع الجديدة هدفها من هذه الناحية، فهي تتحدث في إعلاناتها الى أولئك الاشخاص بالذات، وكأن المدينة أصبحت مجرد “مجال إستثماري”، يظهر إنفصامه عن الواقع الاجتماعي خلال حوادث موسمية، حين يتطلب إستنفار العصبيات التقليدية لمواجهة حدث سياسي ما، أن يبادر أصحاب المشاريع ذاتهم أو من يمثلهم داخل الطبقة السياسية الحاكمة، الى استنهاض هذه العصبيات من خلال استدراج الطبقات الدنيا وتجييشها لمواجهة “الآخر”، بما يشبه “العودة الى الأصول”.

يترجم هذا الاغتصاب الفعلي للفضاء العام على مستويات مختلفة، من المشاريع الكبرى وصولاً الى تعدّي أصحاب الحانات والمطاعم الصغرى على الرصيف العام، وكأنه استكمال لحيّزهم الخاص. لا يمكننا إذاً فصل الفضاء العام عن عملية الانتاج ضمن النظام الاقتصادي القائم، ومن هذا المنظار علينا، كما يقول المفكر الماركسي غيورغ لوكاش، النظر خلف الغشاء الذي يغطي كل الاشياء المنتجة ضمن هذا النظام. فالمحيط الحيوي للانسان، ضمن النظام الرأسمالي، يظهر بمظهر الاشياء المجردة (أبنية، عقارات للبيع أو الاستثمار، إلخ) وليس كجزء من منظومة مترابطة تنتجها العلاقات بين الناس وتنتج منها تحوّلات جذرية في هذه العلاقات.

صناعة الفضاء العام ليست إذاً مسألة بريئة الأهداف أو منفصلة عن سياق سياسي – إقتصادي عام، ولا هي كما يحاول البعض تبريرها من أجل تبرير إنسحابهم من المواجهة كمسألة “طبيعية” مستوحاة من نظريات “عضوية” (organic) لتطوّر المدينة، بل هي جزء لا يتجزأ من مسيرة تاريخية يلعب فيها رأس المال ومحرّكوه دوراً أساسياً يمكن بالطبع الحدّ نسبياً من مساوئه وآثاره السلبية في الحيّز العام من خلال قوانين حماية الفضاء المدني والتراث وغيرها، كما نرى في عواصم الغرب، لكن هذا الاجراء العلاجي يتطلب في البدء وعياً سياسياً وإجتماعياً على نطاق المواطنين أولاً، وسلطاتهم البلدية والمدنية ثانياً.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق