العنف بنيويّ في الديانات التوحيدية / خالد غزال

تحتلّ الديانات التوحيدية مساحة كبرى من البلدان التي تعتنقها، وهي تُعرف بالديانات الإبرهيمية وتنحصر في ثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. استوجب تشكّلها قروناً، ومرّت بمراحل مزجت بين التعدد والتوحيد، إلى أن تبلورت في صيغتها النهائية، بدايةً على يد موسى، ثم أخذت أشكالاً متقدمة على يد يسوع المسيح، إلى أن حسمت أمرها بصيغة نهائية على يد النبي محمد بوصفه خاتم الأنبياء والمرسلين.

تقدّم الديانات التوحيدية نفسها كخلاصة للديانات الحية في التاريخ، والقائلة بإله واحد، وممثلة للدين الحق في مواجهة سائر الديانات. تغيب عن لاهوتها تاريخية توحيديتها والمسار الذي اتخذته قبل أن تتبلور في الله الواحد الأحد. لا يعترف هذا اللاهوت بتوحيد آخر غير توحيد الديانات الإبرهيمية، كما يرفض الإقرار بما قدمته ديانات أخرى كان لها دورها في تطوير موضوع التوحيد. بصرف النظر عن الدوغمائية التي تتعاطى فيها الديانات التوحيدية مع وجود الله، خارج سياق النظرة التاريخية إلى وجوده، فإنّ الوقائع التاريخية، وما يقدمه علم الأديان المقارن، يؤكدان التوحيدية ليست إلاّ نتاجاً وتراكماً لأفكار وعقائد اخترقت جميع الديانات منذ بدء نشوئها، بدرجة أو بأخرى، وبالعلاقة مع التطور الشامل للبيئة والمجتمع والمكان الذي نشأت فيه. مقولة وحدانية الإله ليست نتاجاً للتوحيدية أو من اكتشافها، بل كانت في جوهرها قضية أساسية للديانات المتعددة الإله، فـ“كل ديانة في رقيها تحاول الإنتقال من تعدد الآلهة إلى القول بإله واحد يدير شؤون الكون”، كما يشير يوسف شلحت. هكذا يمكن القول إنّ الديانات التوحيدية تكوّنت في الأساس من طريق الوحي الذي يبدو صفة مشتركة لأنبيائها، من جهة، وعبر تحطيم الديانات الموجودة أو الإنفصال عنها بعد اتهامها بالوثنية والضلال وهيمنة الخرافات عليها. مع الإشارة إلى أنّ الديانات التوحيدية اقتبست الكثير مما كانت تحويه الديانات الوثنية أو التعددية، سواء من حيث الشكل أو من حيث العادات والتقاليد. يتجلى هذا التأثير في كل ديانة توحيدية بشكل أو بآخر.

يشير مؤرخو الدين إلى أنّ التوحيدية في أعلى مراحلها برزت في مصر الفرعونية على يد أخناتون، وهذا ما يتناقض مع التاريخ اليهودي الذي يقول بأنّ موسى هو أبو التوحيد وأول من قال به. استوجب توحيد المقاطعات المصرية المتعددة في أمبراطورية واحدة استحضار إله واحد على حساب سائر الآلهة، بحيث تتكوّن عقيدة جديدة عمادها قوة الشمس نفسها التي سبق للمصريين وأقروا بألوهيتها، وبما يجعل إله الشمس آتون هو الإله الرسمي والوحيد الذي في يده القدرة الكلية، مما يتطلب إقصاء سائر الآلهة التي يستحيل وجودها إلى جانبه. بدا أنّ أخناتون وحّد في شخصه الإله والإنسان والمجتمع، بما جعله يحتكر دين الدولة، وبما مهّد في التوحيدية لاحقاً لمقولة الحكم الإلهي أو السلطة المستمدة من الله والمعطاة للحاكم.

اذا كانت الديانة المصرية الأخناتونية شكلت في تلك المرحلة من التاريخ، أعلى درجات التوحيد المتوافق مع قدرة إنسان ذلك العصر على الفهم والإستيعاب، فإنّ الديانة الزرادشتية قطعت أشواطاً أبعد في تكريس التوحيدية وتطورها، بما يمكن القول إنّ الديانات الإبرهيمية قد استنسخت الكثير من الأفكار والعقائد التي قالت بها الزرادشتية. منذ البداية، رفضت الزرادشتية تعدد الآلهة، وقالت بوجود إله واحد هو أهورا مزدا، الذي يرمز إلى الحب والخير والسلام، كما إلى النور والسماء.

يشكل التاريخ العبراني، في مساره المتعرج، وفي معاناة قبائله من سيطرة الملوك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم آلهة، مرحلة مهمة في بناء التوحيدية. تجلّى ذلك في المعارضة الدينية لهذه السلطات، واعتبار بني إسرائيل الدعوة إلى إله واحد موازية لخلاصهم السياسي وتكريس السلطة السياسية لهم، بما يعني ربط التوحيد الإلهي بالتوحيد السياسي ورفض الهيمنة غير اليهودية على اليهود.

تشكل الديانة اليهودية نقطة الإنطلاق بالنسبة إلى الديانات السموية الأخرى، لم تتكوّن التوحيدية فيها دفعة واحدة، بل مرّت بمراحل متعددة، وكان ظهورها مشحوناً برواسب المعتقدات التي كانت سائدة في العصور التي نشأت فيها. تأثرت اليهودية بعدد من الديانات التي سبقتها أو التي كانت منتشرة في عصرها. يبدو جلياً أثر الفكر الكنعاني الشرقي الذي كان سائدًا في فلسطين، كما تخترقها أفكار الديانات الهندية والمصرية والزرادشتية التي أدخلت إلى اليهودية المقولات والأفكار عن الشيطان والملائكة والمنقذ والمخلّص واليوم الآخر ومسألة الثواب والعقاب، وهي قضايا انتقلت بقوة إلى المسيحية والإسلام. إضافة إلى أسبقية الفكر البابلي، فمن المعروف أنّ البابليين كانوا من أوائل الذين سعوا إلى توحيد العالم تحت سلطة واحدة أسوة بسيطرة كبير الآلهة عندهم على الكون.

لم تستغرق المسيحية الزمن نفسه لتحسم في توحيديتها، فقد انطلقت في الأصل من شخص واحد هو يسوع المسيح. وقبل أن يصبح لها كتبها المقدسة، استوحت ما كانت اليهودية قد كتبته، فاستوعبتها وأدخلت إضافات عليها، من دون أن تمسّ بجوهر الإله الواحد، الذي كان المسيح نفسه مجسّدا في إنسان.

خطت التوحيدية خطوات متقدمة مع ظهور الإسلام الذي اعتبر نفسه مكملاً لليهودية والمسيحية، وليس نافياً لهما، وخصوصاً لجهة دعوة النبي محمد إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وبقيام الساعة والبعث والحساب. لم تأت أفكار التوحيد من عالم الغيب، فمن المعروف أن منطقة الحجاز كانت تحوي خليطاً من الأفكار والمعتقدات الدينية، الوثنية منها والتوحيدية، وأنّ أفكار النبّوة والتوحيد والإيمان باليوم الآخر كانت منتشرة بقوة، وأنّ محمدًا نفسه، وقبل إعلان نبوّته، كان على معرفة واسعة بهذه الأفكار والعقائد. اعتبر القرآن التوحيد حجر الزاوية في كل ما قدّمه من تعاليم، ولا تكاد تمر سورة من سوره إلاّ وتشدد آياتها على الدعوة الصريحة إلى الإيمان بالله الواحد، والتهديدات المبطنة أو الواضحة لمن يخالف هذا الإعتقاد. على غرار اليهودية والمسيحية، تأثر الإسلام بالديانات التي سبقته واستقى منها الكثير من المعتقدات، وعلى الأخص فكرة الإله الواحد. هكذا تبدو التوحيدية وثيقة الصلة بظهور الإله الذي كان الملك يتجسد فيه، مما يعني ارتباط ظهور التوحيد بعلاقة مباشرة مع السياسة.

التوحيدية في صياغتها النهائية

تقدّم التوحيدية نفسها في كونها مرحلة ثورية في تاريخ تطور الدين والفكر الديني، وتكمن “ثوريتها” في وضع الديانات القديمة المتعددة خارج التاريخ، حتى ولو أنّ الأمر قد تم بالقوة في معظم الأحيان. فالتوحيدية تحدد نفسها أصلاً بكونها ضد الديانات التي كانت سائدة في كل بقعة جغرافية انتشرت فيها، وهذا التحديد يحمل في جوفه الإلغاء الصريح للدين بكل ما يستتبعه ذلك من موقف سلبي يطال المؤمنين. ذهبت التوحيدية بعيداً في تكريس الإله الواحد، ولم تكتف بهذه الإطلاقية، بل حسمت في زيف سائر الآلهة الموجودة، التي يستحيل بقاؤها إلى جانب الإله التوحيدي الذي وحده يحمل الحق المطلق، فيما تقف سائر الآلهة في الكفر والضلال. كانت لهذه النظرة نتائج سياسية واجتماعية خطيرة على العلاقة بين الديانات والطوائف والمذاهب، وعلى الصراعات السياسية والإجتماعية والدينية التي عرفها تاريخ المجتمعات في العالم.

فتحت التوحيدية آفاقاً جديدة في الميادين الدينية لجهة علاقة الإنسان بالله، أو بلورة المبادئ الأخلاقية والإنسانية، “فالتوحيد الخالص هو جوهر رسالة الأنبياء جميعهم… الإحسان والبر وفعل الخير وإتيان الأعمال الصالحة هو ما دعوا إليه من دون استثناء، مثلما دعوا إلى نبذ الشرك والظلم والتكبّر والشر”، على ما يقول عبد المجيد الشرفي، الذي يشدد في المقابل على أنّ “الامر الجديد حقا والبالغ الأهمية الذي أتى به التوحيد هو مسؤولية الإنسان عن كل أفعاله وخاصة القبيحة منها وتبرؤ الله منها”. لا يعني ذلك أنّ الديانات غير التوحيدية لم تكن تخلو من القيم التي أعادت التوحيدية انتاجها وبلورتها، بل إنّ غير التوحيدية تفوقت عليها في بلورة القيم الروحية والإنسانيية والأخلاقية، بعيدًا من العصبية أو إلغاء الآخر.

تشترك الديانات التوحيدية بأنّ كلاًّ منها أتت من السماء، وقد خصّ الله الشعب الذي أعطي له الدين بالتفوّق على سائر الشعوب الأخرى، وهذا أمر نجم عنه أن كل دين اعتبر نفسه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل من أي جهة، فيما تقيم سائر الديانات أو العقائد في الباطل (اليهود شعب الله المختار، المسيحيون ملح الأرض ونبيهم هو الله نفسه، والمسلمون خير أمة أخرجت للناس). أظهرت التجربة التاريخية للديانات التوحيدية، في احتكارها للحقيقة، فردانية وإقصائية واستئصالية في بعض الأحيان. فإحتكار الحقيقة ينجم عنه تلقائياً رفض للتعددية، لأنّ الحقيقة لدى التوحيدية واحدة لا تتجزأ، ويستحيل قبول المشاركة فيها من أي دين آخر. لعل في هذه الخلفية الدينية يكمن الجذر الأساسي للعنف الديني وما ترتب عليه من بروز حركات إرهابية شملت في تكوينها الديانات التوحيدية الثلاث، بصرف النظر عن نمط تبلور هذا العنف لدى كل ديانة.

لا تقتصر التوحيدية على الجانب التيولوجي لجهة القول بوحدانية الله، وتأكيد مسؤولية الإنسان أمام الله، وليس أمام الإطار المجتمعي الذي ينتسب إليه (العائلة أو القبيلة أو العشيرة)، بل اقتحمت المجتمع في سبيل إيجاد مجتمع واحد على غرار الدين الواحد، وصولاً إلى السلطان الواحد الذي يجمع في يديه السلطتين الزمنية والدينية كتجسيد لوحدانية الله على الأرض. في الإسلام، استطاع النبي محمد إقامة نظام سياسي جديد في الجزيرة العربية “عن طريق ربطه بالرمزانية الدينية للعهد أو الميثاق الذي يربط بين الإنسان والله، وبين المخلوق والخالق. وهذا يتطلب إخراج العرب من مرحلة الشرك والوثنية وتعدد الآلهة. وقد راح النبي يغيّر الفضاء السياسي في ذات الوقت الذي يغيّر فيه الفضاء الديني. كانت ثورته ثورة دينية وسياسية في آن واحد”، على ما يشير محمد أركون.

على رغم أنّ كل دين توحيدي يحتكر الحقيقة لنفسه ويرفض مبدأ التعددية الإلهية، إلاّ أنّ سياق التاريخ الفعلي يظهر كم أنّ هذه التعددية في الدين الواحد قد فرضت نفسها، وذلك من خلال الإنقسامات التي شهدتها الديانات التوحيدية، بحيث احتكرت كل فئة أو طائفة أو فرقة الحقيقة ونزعت الشرعية عن الأخرى. الأخطر في هذ المجال، ما عرفه التاريخ الديني من صراعات وقتل ومذابح تحت حجة عدم الإيمان بالدين الصحيح. هذا الرفض للتعددية فرض نفسه إذاً ضمن الدين الواحد، لكن بنتائج سلبية. فبدلا من أن تكون التعددية ميداناً للتفاعل بين الفئات المتعددة، والإعتراف بحق الآخر في الإعتقاد والإيمان والتعبير عن الرأي الحر، بما يؤدي إلى إغناء قيم الدين وتطوير مفاهيمه الفكرية والعقائدية، تحولت هذه التعددية إلى نزاعات وإلغاء الآخر، كله تحت إسم التوحيدية. في المسيحية، “اختلفت الآراء بين المسيحيين أنفسهم حول تجسّد المسيح وألوهيته، برغم الإعتقاد العام بأنّ الله نزل من سمائه وظهر في جسد إنسان ليفدي البشر من الخطيئة ويحمل عنهم الآلام، وأصبح محروماً كل من لم يعترف بأنّ المسيح إله حقيقي، وبأنّ العذراء الطاهرة والدته. ومن لم يعترف بأنّ المسيح واحد فقط مع جسده، وهو إله وإنسان” على ما يشير اسماعيل مظهر. لا يقلّ الأمر غرابة في الإسلام عنه في المسيحية، فقد اعتبر الإسلام نفسه الدين الصحيح الذي اختتمت به الرسالات السموية، بحيث لا دين في العالم بعده، مما يعني أنّ الوحي الذي كان في أساس النبوة قد انقطع مع محمد، وأنّ علاقة الإنسان بالله قد وجدت سبيلها الصحيح من خلال التعاليم الإسلامية وعبر كتابها المقدّس أي القرآن. بهذا المعنى اعتبرت الرسالة المحمدية بمثابة نزع للشرعية والقدسية معاً عن أي اعمال بشرية وحصرها وتركيزها في الله. نجم عن ذلك اعتقاد إسلامي قوي بفرضية كون الإسلام ديناً أزلياً، دين البشرية جمعاء، وشريعته شريعة البشر في كل مكان وزمان. تختصر هذه الآية الفرضية الإسلامية: “ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” (سورة آل عمران :85)، مما يعني تكريس هيمنة تؤدي إلى تهميش أو رفض وجهات نظر الديانات التوحيدية (المسيحية واليهودية) أو لسائر الأديان المعروفة والسائدة في مختلف أنحاء العالم.

يؤكد علماء الأديان أنّ أي نظرة إلى التوحيدية من داخلها، وبالإستناد إلى النصوص الإنجيلية نفسها (الخاصة بمجمل الأديان التوحيدية)، تظهر النزعة المركزية للتوحيدية بما هي أصلاً وبالدرجة الأولى دين التحرر من الإضطهاد، والسعي إلى تأسيس نظام بديل للحياة، تتقدم بل وتتغلّب فيه سيطرة الإنسان على الإنسان، وبهدف أن يعيش البشر فيه منسجمين في ظل الحرية، وذلك عبر تحالفهم مع سلطة الإله الواحد. لكنّ مسار التوحيدية كان يأخذ أشكالاً مناقضة لجوهر قيامها، منها على سبيل المثال لا الحصر، تشويه التوحيدية بشكل كبير للديانات غير المتوافقة معها عبر احتكارها للقيم الأخلاقية ونفيها عن الديانات الأخرى. تاريخ الديانات في العالم وفي كل مكان لا يقدّم أدلة على صحة هذه الفرضية. لا تعود الأخلاق في جوهرها إلى الشكليات الدينية التي توليها التوحيدية أهمية فائقة، من قبيل طقوس الصلاة والصوم وتقديم القرابين وقواعد الطهارة وغيرها، بل تعود إلى مجالات أخرى تتصل بالحكمة والمساواة بين البشر وتحقيق العدالة. هذه القيم لم تولد في أحضان الديانات التوحيدية، أو حتى في الوثنية، بل جاءت من الخارج ومن التراث الإنساني القديم والحديث، وعرفت بلورتها الحقيقية في رحاب الفلسفة وسائر منوّعات الفكر الإنساني.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق