الصراع الطبقي في الشام رؤية مُجتمعية لواقع سياسي / أنور محمد

يبني الكاتب الأردني شاكر النابلسي بحثه على ضوء نتاج بعض مفكري وفلاسفة الصراع الطبقي في التاريخ الإنساني ككارل ماركس، وفريفريدو باريتو، ولويس كوسر، ورالف داهرندوف، وانطونيو جرامشي. فإذا كان الصراع في أوروبا، حسب النظرية الماركسية، بين الفقراء والأغنياء، أو بين من يملكون وبين من لا يملكون، فإنَّ معظم الصراع الطبقي الذي تمَّ في بلاد الشام:

سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن. كوحدة جغرافية، وليس كوحدة سياسية قبل أن يتمَّ تقسيمها في معاهدة «سايكس – بيكو» إلى أربع دول كان كذلك، ما عدا الصراع الذي تمَّ بين الوطنيين في سوريا ولبنان وبين الاستعمار الفرنسي، وبين الوطنيين في فلسطين والأردن وبين الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني.

تأصيل تاريخي

وهذا الصراع متأصِّل منذ أكثر من خمسة قرون، ومنذ عهد الاحتلال المملوكي (1250-1517م)، ثمَّ العثماني، والسيطرة العثمانية على بلاد الشام كافة (1517-1918م). حيث كان مجتمع بلاد الشام في ذلك الوقت، يسوده الفساد الإداري، وسرقات المال العام، من قبل المماليك، والولاة العثمانيين. إذ كانت مناصب الولاة والباشوات، تُباع وتُشترى في العهد العثماني رسمياً..

وقد لجأت الإدارة العثمانية في كثير من الأحيان إلى إعادة تقسيم البلدان الخاضعة لها إلى مزيد من الباشويات لزيادة المبالغ المحصَّلة من بيع هذه المناصب..

فقسَّمت بلاد الشام على سبيل المثال في القرن الثامن عشر إلى خمس باشويات، بعد أن كانت ثلاث باشويات لشدة الطلب على الباشويات، وارتفاع سعرها. كما تفشَّى استخدام الرشوة بشكل كبير وفاضح، للحصول على المناصب الدينية العليا المختلفة، الذي كان مركزه الآستانة، ومناصب القضاة، ووكلاء القضاة، ومناصب الإفتاء.

واقع إداري

أما الفساد الإداري، فقد وصل حداً، كانت معه الإدارة العثمانية ممثلة بالسلاطين تُرسل للولاة السارقين الهدايا والعطايا، حتى يُمعنوا في السرقة، والنهب، والظلم. فقد أرسل السلطان عثمان الثالث 1754- 1757 إلى والي دمشق أسعد باشا العظم هدايا وفرماناً، فيه تفخيم كثير، ومدَّ له حبل النهب والسلب، فشُغل الباشا ببناء قصره العظيم، ولم يلتفت إلى رعاياه، وتركته الدولة يجمع الأموال..

ويبني القصــور، ثمَّ أمرت بقتلــه خنقـــاً في الحمام، ومصادرة أمواله، وأملاكه. غير أنَّ المؤلِّف شاكر النابلسي يرى أنَّه في عهد الدولة العثمانية من 1517 وحتى عام 1918، كانت بلاد الشام وحدة سياسية واحدة، ولمَّا سقطت، انفصل عنها لبنان في عام 1920، حيث نشأ كيان مرتبط منذ الأساس بنظام سياسي محدد..

ذلك أنَّ فرنسا كانت حريصة على إعطاء العصبية المارونية المتحالفة معها منذ قرون، مجالاً للتعبير السياسي المستقل عن ذاتها في القرن العشرين، وقيام إمارة شرقي الأردن التي لم يكن لها جذور في التاريخ يُعاد إليه، وظهرت كدولة على المسرح العربي نتيجة ضرورات وتسويات السياسة الدولية.

تزويق سياسي

ثمَّ يستعرض المؤلَّف المشاريع الوحدوية لبلاد الشام فيذكر ما كان من الحزب السوري القومي الاجتماعي، عندما اقترح مؤسِّسه أنطون سعادة (1904-1949) مشروع سوريا الكبرى، أو سوريا الطبيعية، أو الهلال الخصيب، إذ أقام الحزب السوري القومي الاجتماعي الدنيا..

ولم يقعدها في النصف الأوَّل من القرن العشرين، اقتحم الحزب السوري القومي الاجتماعي، بوابة الإرهاب السياسي عندما اتُهم باغتيال رياض الصلح (1894-1951) في عمَّان، انتقاماً من إعدام أنطون سعادة عام 1949. ثمَّ يشير حسب – يوسف خوري – إلى أكثر من 90 مشروعاً واتفاقية وبياناً للوحدة العربية من عام 1913- 1989، وكلها فشلت فشلاً قاتلاً وذريعاً، وكانت حبراً على ورق، ومن أجل التزويق السياسي فقط.

حروب

وحسب المؤلِّف: فإنَّها الصراعات الطبقية، تثير الفزع وهي بداية إعلان حرب أهلية في أي بلد، ولدى أي شعب. ومن هنا، يخشى الناس الصراع الطبقي، الذي يمكن أن يهدِّد المواطنة، ولكن هذا كله، لا ينفي وجود صراع طبقي في بلاد الشام كافة..

حيث يسود الفساد المالي والسياسي، وحيث يُنهب المال العام، منذ أكثر من خمسة قرون. وبذا، أصبح الصراع الطبقي واقعاً اقتصادياً في بلاد الشام، لا محالة. طرفه الأوَّل، طبقة سياسية مستغِلة، وفاسدة، وناهبة. والطرف الثاني، الشعب المستغَل، والمنهوب، والمسروق.

المؤلف في سطور

شاكر النابلسي كاتب وباحث أردني صدر له ما يزيد على 60 كتاباً منها: وسادة الثلج: أميركا والعرب والعالم الثالث، أسئلة الحمقى في السياسة والإسلام السياسي، تهافت الأصولية، من الزيتونة إلى الأزهر، النظام العربي الجديد.

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق