الطّاهر الحدّاد

 
ليس من الغريب أن ننكبّ اليوم على ترميم ذاكرتنا الوطنيّة، وأن تنسج آمنة الرّميلي هذا الكتاب الجامع بين شتات أفكار الطّاهر الحدّاد وكتاباته، عبر فرضيّة تبيّن علاقة فكر الرّجل بانطلاق مسارات التّعلمن التي شهدها المجتمع التّونسيّ قبل الاستقلال، أي في الثّلث الأوّل من القرن العشرين. تضيف إلى ذلك سؤال “لماذا” وتضيف إلى ذلك بحثا في أسباب الهجوم عليه وأسباب اندحاره.
هل اندحر؟
لست أدري.
 
كيف انقضّوا عليك يا حدّاد، وكيف فقدت العون والسّند في مجتمع يتوق إلى التّحرّر من المستعمر؟ أم هل المستعمر الأجنبيّ حجاب للمستعمرين الآخرين؟ لماذا ضربوك بالحجارة كما يُضرب المجانين في الحارات؟ وسؤال آخر : ألم تُضرب أنت بدلا عنّا، ولكي نجهر نحن بما لا يجهر به غيرنا؟ أليست أصواتنا امتدادا لصوتك؟ كلّ ما كتبته النّساء التّونسيّات من نصوص جريئة غير مهادنة كتبنه بفضلك، لأنّك تعذّبت بدلا عنهنّ. أليس كذلك؟
 
أعادتنا الثّورة إلى أنفسنا عندما فتحت أفقا مختلفا. جعلتنا نلتقي بمن نعرفهم ولا نعرفهم، وأطلقت ألسنتنا بما يجيش في صدورنا. ومن أجمل فضائلها أنّها جعلتنا نكتشف بعدا أساسيّا من أبعاد الاستبداد هو عزل الذّوات والذّكريات بعضها عن بعض. كنّا مرصّفين في صناديق للأرشيف وعلب لحفظ المصبّرات، فأخرجتنا الثّورة كألسنة اللّهب أو كالشّياطين التي أينعت رؤوسها ولن يحين قطافها.
 
وحتّى اعتداءات كارهي المجتمع التّونسيّ على قبور “أوليائنا السّياسيّين” أعادتنا إلى أنفسنا. هل من الغريب أن يعتدوا على قبر الطّاهر الحدّاد وضريح الحبيب بورقيبة، وأن يتجدّد لقاؤنا بهما في شكل استعادة لما يريدون افتكاكه وإلغاءه؟ وهل من الغريب أن أعرف آمنة الرميلي مؤلّفة الكتاب في هذا السّياق، وكأنّ كلّ واحدة منّا أنتيقون صانعة القبر للحبيب؟
نم قرير العين يا حدّاد، في تلك الزّاوية التي صنعها لك شريط فاضل الجزيري “ثلاثون”. ما زلنا نقرأك ونحبّك. وأنت يا بورقيبة، سامحناك وبكيناك لأنّك أزحت عن نساء تونس كوابيس التّطليق وتعدّد الزّوجات والجهل والفقر والضّياع. وأنت يا محمّد علي الحامّي، ألست الملاك الحامي لكلّ انتفاضاتنا ضدّ الجور؟ أليست ساحتك حائطنا؟
 
التقيت بآمنة مؤلّفة الكتاب بعد الثّورة، في لقاء تلفزيّ حول الطّاهر الحدّاد، ثمّ في ندوة ثقافيّة عرض فيها شريط “ثلاثون”. هذا الشّريط جمع بين من فرّقت بينهم الذّاكرة المدرسيّة، أي التّاريخ وقد وصلنا في صورة شذرات ومعلّبات : ﻣﺤﻤّﺪ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﺤﺎﻣﻲ، ﻭﺍﻟﻄﺎﻫﺮ ﺍﻟﺤﺪﺍﺩ، ﻭﺃﺑﻮ ﺍﻟﻘﺎﺳﻢ ﺍﻟﺸﺎﺑﻲ ﻭﻋﻠﻲ ﺍﻟﺪﻭﻋﺎﺟﻲ ﻭﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﺑﻮﺭﻗﻴﺒﺔ. الطّاهر الحدّاد، فيما أذكر كان قلب الشّريط. ربّما يكون هذا تأويلا خاصّا، لكنّ نهاية الشّريط تلتبس بنهاية الطّاهر الحدّاد، وحيدا، ضعيفا، مقهورا، منكفئا في زاوية. قلب الشّريط النّابض كما تصوّرته أنا هو الطّاهر الحدّاد، الأقرب إلى قلبي. الأقرب إلى قلب والدتي هو الحبيب بورقيبة، لأنّها كانت تسميّه “سيّد الأسياد”، لأسباب منها أنّها كانت تخشى تعدّد الزّوجات ولا تريد “الخامة المصريّة” ولا حتّى “السّفساريّ”. أنا من محبّات بورقيبة لأسباب منها أنّ والدتي تحبّه، لكنّني احتفظت للحدّاد بركن في قلبي وذاكرتي ومنهجي في التّعامل مع التّراث. 
 
للحدّاد منهج فريد طريف في التّعامل مع التّراث في أخطر تجلّياته، وهي النّصّ المقدّس، والشّريعة المستمدّة منه. لم يعتبر الطّاهر الحدّاد الشّريعة مجموعة من الأحكام الثّابتة، بل اعتبرها طريقا. واعتمد منهج التّمييز بين ما أتى به الإسلام وما جاء من أجله: “بعبارة أدق وأوضح أريد أن أقول: يجب أن نعتبر الفرق الكبير البيّن بين ما أتى به الإسلام وجاء منأجله، وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده، كعقيدةالتوحيد ومكارم الأخلاق، وإقامة قسطاس العدل والمساواةبين الناس، والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله دون انتكون غرضا من أغراضه فما يضع لها من الأحكام إقرارا لهاوتعديلا فيها باق ما بقيت هي، فإذا ما ذهب ذهبت أحكامهامعها. وليس في ذهابها جميعا ما يضير الإسلام، وذلك كمسائلالعبيد، والإماء، وتعدد الزوجات، ونحوها مما لا يمكن اعتبارهحتى كجزء من الإسلام.”
 
والطاهر الحدّاد لا ينكر وجود التمييز في الإسلام، خلافا لكل ما نقرأه من أدبيّات إسلاميّة أو أدبيّات نسويّة إسلاميّة. لكنّه لا يخرج مع ذلك عن المنظومة الدّينيّة لأنّه قام بعمليّة التحويل التي ذكرتها. إنّه يقول : “لقد حكم الاسلام في آيات القرآن بتمييز الرجل عن المراة في مواضع صريحة. وليس هذا بمانع ان يقبل بمبدإ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التامة وروح الحق الاعلى. وهو الدين الذي يدين بسنة التدريج في تشريع أحكامه حسب الطوق. وليس هناك ما ينص او يدل على ان ما وصل إليه التدريج في حياة النبي هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية مادام التدريج مرتبطا بما للمسائل المتدرج فيها من صعوبة يمكن دفعها عن قرب او وعورة تستدعي تطور الأخلاق والاستعدادات بتطور الزمن. وفي الإسلام أمثلة واضحة من هذا القبيل.. ولا نتحدث عن مسالة كالخمر تدرجت وانتهت في حياة النبي. وها هي مسألة الرق فلنتحدث عنها.”
النّقلة التي قام بها الطّاهر الحدّاد نقلة فلسفيّة هامّة من تشييء النّصّ القرآنيّ واختزاله في الأحكام إلى فتح طريق الشّوق والتّوق والتّشوّف.
 
هذه النّقلة هي السّبيل الوحيد للملاءمة بين الإسلام والدّيمقراطيّة من حيث أنّها قائمة على قيمتي الحرّيّة والمساواة. وما نلاحظه هو أنّ حركات الإسلام السّياسيّ سارت في اتّجاه مغاير، فوسّعت مجال العقيدة إلى ما ليس من العقيدة، بأن جعلت لباس المرأة مثلا، وهو معطى ثقافيّ، جعلته ركنا من أركان العقيدة، واعتبرته فريضة.
 
إنّني أقدّر من النّاحية العلميّة والتّاريخيّة الاستدلال على أنّ الطّاهر الحدّاد ساهم في علمنة المجتمع التّونسيّ أو في الوعي بها. لكنّ الطّاهر الحدّاد، في اللّحظة الرّاهنة، وفي علاقته التّفسيريّة بالقرآن، يقدّم لنا حلاّ خارج ثنائيّة علمانيّ/إسلاميّ. إنّه يمكّننا من تجاوز هذه الحرب التي قسمت المجتمع التّونسيّ بعد الثّورة وقبلها في الحقيقة إلى نصفين متنازعين. إنّه لا يترك الشّريعة ولا يبطلها بل يحوّل اتّجاهها ومعناها.
 
متى نعيد الاعتبار إلى هذا الرّجل بعد ما لحقه هو نفسه من آلام الطّرد والعزلة؟ متى تنغرس الحركة الإسلاميّة فعليّا في سياق الفكر الإصلاحيّ التّونسيّ بحيث تجنّبنا جزءا كبيرا من عوائق الانتقال الدّيمقراطيّ، وتجنّبنا إهدار طاقاتنا في جدالات ظنّنا أنّ الزّمن تجاوها؟ وتجنّبنا خاصّة إنتاج الألم اللاّمشروع الذي يتضاعف بشعور الغبن : الشّعور بأنّ هذه الثّورة المدنيّة الدّيمقراطيّة ستحوّل وجهتها إلى ما ينافي الدّيمقراطيّة وينافي الدّولة المدنيّة المنشودة.
إن كان الحدّاد علمانيّا، فإنّ علمانيّته فريدة من نوعها مترسّخة في سياقها. وإن كان الحدّاد مصلحا، فإنّ الإبداع عنده أرحب من التّقليد.
 
 
 
 
 الهوامش:
 
آمنة الرّميلي الوسلاتي، المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطّاهر الحدّاد، تقديم: رجاء بن سلامة، تونس، صامد للنشر والتوزيع، 2012.
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This