الناجون من الغرق.. شهادات المُنازلين لأهوال البحر /

عرفت الإنسانية سلسلة من حوادث الغرق الكبرى التي لا يزال الناس يتحدثون عنها، وليس أقلّها شهرة حادث غرق السفينة «تيتانيك» في أوّل رحلة لها لتدشينها. لكن هناك بعض الناجين من حوادث الغرق الكبرى قدّموا رواياتهم عن المعاناة التي عاشوها. شهادات هؤلاء هي موضوع كتاب البحّار والكاتب الفرنسي دومينيك لو بران الذي يحمل عنوان «الناجون من الغرق»، ويروي حكايات أناس نازلوا أهوال البحر، وتكيفوا مع قسوة ظروف الطبيعة في أعتى صورها.

يحدد المؤلف الفترة التي تعود إليها الشهادات المعنية إلى القرون من السابع عشر إلى القرن العشرين. ويرسم دومينيك لو بران في الصفحات الأولى من الكتاب تلك الأجواء التي عاشها الناجون من الغرق، والتي تشترك غالباً في هبوب العواصف، التي تزأر، لتعلن أن العاصفة قادمة وتقترب. ثمّ تأتي اللحظات الحاسمة التي تتكسّر فيها السفينة على الصخور لتغدو أعماق البحار والمحيطات قبر أولئك الذين كانوا على متنها.

القلّة القليلة هم أولئك الذين قد يجدون «صخرة ناتـــئة» تغدو بالنسبة لهم «أمل النجاة». وها هم «وحيدون منهكون محرومون من كل سبل الحياة على أرض مقفرة ومـــعادية بطــــبيعتها. وســريعاً يحل الجوع واليأس، حيث إنهم لا ينتظرون سوى الموت القريب». لكن قد يحدث ويعود البعض منــــهم ليرووا «أشياء تكاد لا تصدّق». ويتفق جميعهم على القول إن بقاءهم ونجاحهم في تحقيق ما يبدو مستحــيلاً كان وراءه «الأمل والإرادة الصلبة».

سفينة «باتافيا»

مثل تلك الانفعالات يجدها المؤلف في شهادة فرانسوا بيلسيرت، قبطان السفينة «باتافيا»، التي غرقت في البحر عام 1629. ولا يتردد المؤلف في القول إن غرق تلك السفينة في عصره أثار ضجّة شبيهة بتلك التي أثارها غرق السفينة «تيتانيك» في القرن الماضي.

بنيت «باتافيا» عام 1628 من قبل الشركة الهولندية للهند الشرقية، وكانت مؤّهّلة لحمل 1300 طن على متنها ومزوّدة بعتاد حربي من الأكثر تقدماً في ذلك العصر، وأبحرت بتاريخ 28 أكتوبر من عام 1629 من مرفأ تيكسيل في هولندا متجهة نحو باتافيا «جاكرتا اليوم»، التي كانت في عداد المستعمرات الهولندية.

ويروي قبطان السفينة في شهادته أن السفينة كانت مجهّزة بأجهزة توجيه ليست دقيقة جداً في تلك الحقبة من الزمن، الأمر الذي جعله يجد نفسه مع سفينته في عرض البحر مقابل القارة الأسترالية وعلى بعد 1500 ميل عن مرفأ جاكارتا. ويكرر في تلك الشهادة «أسفه الكبير» لذلك الخطأ الفادح، مشيرا إلى أن القبطان المساعد المسؤول عن التوجيه قرأ خطأ «الخط الأبيض»، الذي لاح في الأفق على أنه «انعكاس ضوء القمر على سطح الماء».

سُبل العيش

ومما نقرأه عن ظروف ارتطام السفينة بالصخور الناتئة هو أن هيكل السفينة المصنوع من شجر السنديان الهولندي قاوم الصدمة ولم يتفتت لتغدو السفينة معلّقة على صخرة بعد انحسار المدّ البحري في منطقة الحادث. هكذا وجد عدد ممن كانوا على متنها أنفسهم على جزيرة صخرية صغيرة في عرض البحر.

شهادات زرقاء

وفي عام 1761، وفي عرض المحيط الهادي ارتطمت سفينة كانت تقلّ شحنة من العبيد بصخرة كبيرة. بحّارة الطاقم قضوا في الحادث أو غادروا بواسطة قوارب للنجاة. وبقي العبيد. كان ينبغي على أولئك «المنسيين» أن يجدوا سبل العيش على جزيرة صغيرة مجاورة لمكان غرق سفينتهم لم يكن فيها أي نبات. لقد اضطروا أن يجعلوا منها «عالمهم».

نجا من تلك السفينة الغارقة «ميدوز»، وما يعني «قنديل البحر»، ثلاثة مما كانوا على متنها استطاعوا الوصول إلى الشاطئ، وقدّم كل منهم شهادته. وجاءت شهاداتهم مختلفة جذرياً من حيث التجارب التي عاشوها. ساندر زانغ هرب من السفينة بقارب صغير. وهنري سافينيي كان على ظهر السفينة الغارقة. وشارلوت دارد استطاعت الوصول سباحة إلى الشاطئ ثم بلغت السنغال سيراً على الأقدام.

وشهادات أيضاً في عام 1825 حيث اضطر تسعة رجال أن يمضوا عامين من الزمن في جزيرة، بعد أن جرفت عاصفة قاربهم الذي كانوا قد تركوه ونزلوا إلى السفينة بحثاً عن الماء العذب. وتجربة أخرى عاشها خمسة رجال على جزيرة مقابل شواطئ زلندة الجديدة عام 1864 ونجحوا في أن يبنوا فيها بيتا ويخترعوا أدوات للطعام، وقد استلهم جول فيرن من تلك التجربة توصيف «الجزيرة الغامضة» التي كتب عنها.

المؤلف في سطور

دومينيك لوبران كاتب فرنسي، درس القانون وامتهن الصحافة، ولكنه أيضا بحّار ورحّالة مغامر قبل كل شيء. وهو أحد المراجع في فرنسا حول الأدب البحري. قدّم حوالي ثلاثين كتاباً صدرت عن دار نشر «أومنيبوس» المختصّة بأدب الرحلات والأدب البحري.

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This