في مرآة الثورة* (2/1)

لو كان لي أن أختار من الثورة أمرا غير مسبوق، بعد سنتين ونصف من وقوعها، لو كان لي أن أضع في موقع الصدارة جدّتها الجذرية، أو إن شئنا، كشف الثورة، لكان ذلك من وجهة نظري أثر المرآة الذي كان لها على مجموع التونسيين. فما كان مغمطا، ما تمّ منعه من المجيء إلى الإدراك وإلى التمثّل الجمعيّين شرع بغتة في الظهور بكلّ وضوح. يحدث أمام أعيننا المذهولة كشف متواصل. ومن هذا الكشف انبجست مرآة هائلة ذات أوجه عدّة تحتلّ الفضاء العامّ من كافّة أجنابه.

لقد ظلّ إمكان هذه المرآة معطّلا طويلا من قبل الجهاز القمعيّ للنظام السابق. على صعيد الذاتية السياسية يتعلّق الأمر بما كان “إتيان دي لا بويسي” قد اعتبره في مقالته عن العبوديّة المختارة(1) صورة جسد الطاغية. قبل ثلاثة قرون من “فرويد” يرى “دي لابويسي” في هذا النصّ العظيم الذي يبشّر بالحداثة السياسية، أنّ قوّة الإخضاع تكمن في انجذاب الذوات إلى الجسد الخيالي للمستبدّ، وهي نفس الذوات التي تسهم في تغذية قوّته عبر إسقاط صور أجسادها عليه. أورد هذا المقطع القصير من معالجة مبهرة حول الاغتراب في الواحد : “هذا العدوّ الذي يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلاّ عينان ويدان وجسد واحد، ولا يمكلك شيئا فوق ما يملكه أقلّكم، على كثرة مدنكم التي لا يحصرها العدّ، إلاّ ما أسبغتموه علي. من القدرة على تدميركم. فأنّى له بالعيون التي يتبصّص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدّها منكم؟ ومن أين له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟”.


يتذكّر الجميع في تونس كيف كانت صورة الجسد الاستبداديّ هذه وخاصّة وجهه ويداه وهي تحاصر جدران فضاء الحياة في بلد بأكمله. أيّ وجه وأيّ رسم كان يمكنهما منافستها؟ إنّ المستبدّ هو دوما نرجس كبير يجرّد رعاياه من حبّهم لذواتهم لصالحه هو. إنّه يريد أن يكون المرآة التي يتعرّفون فيها على ذواتهم من خلالها عبر كونه الموضوع المشترك لمثال الأنا لكلّ منهم. تلك هي في الواقع الآليّة الخيالية التي استخرجها فرويد، في سيكولوجية الجموع وتحليل الأنا(2)، لتفسير تكوين الجموع حول المسيّر أو القائد.


مع الثورة، أفسح زوال هذا الجسد الخيالي الاستبداديّ المجال لسطح انعكاسيّ للكائنات التي تعيش معا وواجهها بوجوهها، بمشهد علاقاتها، بخلفيّة البلاد. نتذكّر أنّه خلال الأسابيع التي تلت هروب بن علي، ألصق بعض الفنّانين على جدران المدن التونسيّة صورا كبيرة لرجال ونساء مجهولين(3). كانت تلك طريقتهم ليبيّنوا أنّ فضاء الحياة قد تمّت إعادته إلى الوجوه العاديّة المتعدّدة لأيٍّ كان وللجميع. ولقد أحسست شخصيّا بتأثّر عظيم حيال هذه الرسوم ذات التغاير المطمئنّ، حيث كنت من قبل معرّضا باستمرار إلى وجه ينظر إليك دائما ومن كلّ مكان. لقد استُبدلت يوتوبيا العين الواحدة بتعدّد مواضع النظرات. ومكّن تحرير الكلمة وحركة المعلومة وممارسة حقوق التعبير انطلاقا من مصادر متعدّدة من مدّ هذه المرآة على شكل مناظير بتنا مدعوّين من خلالها، فرديّا وجماعيّا، إلى التعرّف على وضع العلاقات الاجتماعيّة التي نعيش ضمنها. من المؤكّد أنّه ليس ثمّة إمكان لما يسمّى «ديمقراطية» دون مرآة الفضاء العمومي هذه التي تنتج ذاتيّة جديدة.


لكنّ الانبثاق المباغت لهذه المرآة الكبيرة يدشّن أيضا تجربة انفساخ وجه مدوّخة تنطوي على درجة عليا من القلق والخوف. لنشر إلى أنّ فرويد يخصّص معالجة كاملة لمسألة تلاشي الصلة الليبيديّة بالقائد، وهو التلاشي الذي يولّد الذعر. وذاك ما بيّنت لنا التجربة التونسية آثاره الواقعيّة والخيالية. فالذوات المفكوكة من انجذابها المثالي إلى تمثّل القائد باتت معرّضة إلى البلبلة. ويحاول البعض الحصول على الليبيدو المحرّر وينتصبون على شكل تعدّد من النرجسيّات تتواجه من أجل قِطع من السلطة باسم فروق صغيرة. وهكذا استبدل الخوف من الطاغية بالعداوة بين المتشابهين. وترك حبّ المستبدّ الأبويّ القاسي لأبنائه المكان «للشراسة الأخويّة» Frérocité حسب عبارة جاك لاكان البديعة. وتمثّل الترويكا المتهالكة للرؤساء الثلاثة خير تجسيد لذلك(4). فكلّ الماسكين بالسلطة أو مدّعي ذلك فقدوا كلّ هالة. سقطت الأقنعة مِزقا محوّلة أقرب الأقربين إلى غريب مهدِّد. وجعلت تمظهرات اللاوعي تتبدّى في وضح النهار : زلاّت لسان، نكات مضحكة، هزء، بذاءات، أحلام يقظة، هذيانات على مسامع العموم. لنلاحظ أنّ اللغة الخشبيّة في النظام الاستبداديّ لا تتعثّر ولا تضحك. في حين أنّه منذ بداية الثورة تكاثرت زلاّت اللسان من أفواه السياسيّين التي لم تعد ملجمة. ولقد أثار تصريح الوزير الأوّل الإسلاموي المبتهج بـ«الديكتاتورية الناشئة» في اللحظة التي كان يعد فيها بمستقبل ديمقراطي سعيد موجة من الضحك المرعوب. أمّا الأخطر فهو تفشّي العدوانيّة : ثلب ودعوات إلى القتل تعدّت ذلك إلى القتل الفعليّ، تجميل للرعب، تعميم صفحة المتفرّقات لتشمل كلّ الأنباء… وباختصار فإنّ كلّ شيء بدا مساهما في برنامج عودة المكبوت وتجزئة الجسم الاجتماعي الذي ظلّ حتّى هذا الوقت منصهرا في وحدة موهومة.


يمكنني أن أقدّم عن هذه الأعراض الدالّة على الذعر الذي تحدّثت عنه عشرات الأمثلة من الواقع التونسي المعيش منذ سنتين ونصف. غير أنّي لن أثقل هذا الحديث بما تعرفونه وما هو موجود في أرشيف وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعيّة، وكلّ ذلك متاح مادّة لتاريخ ممكن للحاضر، حاضر مثير وموجع في الآن ذاته. يترتّب عن ذلك كلّه أنّ المرآة الكبرى الذي كان من شأنها إتاحة التعرّف المتبادل (وقد تعلّمت شخصيّا عن التونسيّين في هذه البرهة الزمنية أكثر ممّا تعلّمته عنهم في حياتي كلّها) باتت تبثّ “غريبا أليفا موحشا” جعل الكثيرين يطلقون صيحة اليأس هذه التي نسمعها يوميّا : أهذه تونس إذن؟ ردّوا إلينا بلدنا كما كان! يتعلّق الأمر هنا بالدليل القاطع على أنّ ثورة بصدد الحدوث، مهما كان مستقبلها. بقدر ما ننفذ إلى معرفة جديدة بوضعنا، يبدو جهلنا وانعدام يقيننا بصدد التوسّع على نحو سحيق العمق. إنّ اللجوء إلى التاريخ يسبّب انبثاق معان غير مسبوقة. وها إنّ الماضي يغدو غير قابل للتوقّع! هنا بالذات الختم الأكثر مصداقيّة على انفتاح الصيرورة التي يمكنها أن تطال ذوات ما في تجربة مصيريّة بالنسبة لهم.


لقد اتّضح الأمر إذن : إنّ قيام المرآة السياسية، التي هي الإبداع الحقيقي للثورة، لا يرسل إلينا الانعكاسات الجديدة لذواتنا إلاّ بقدر ما تصيبنا بمشهد انقساماتنا التي في شقوقها تظهر للعلن سلبيّة négativité نُسج منها الحال الإنسانيّ على صعيد الفرد والمجتمع وهو يمكّن من انكشاف هذه السلبية إلى الحدّ الذي نلمح معه عتبات تفكّك ما يسمّى بـ“الذات”، وما يسمّى بالـ «جماعة».
قد يقال : لكن ما الجيّد فيما تصفونه؟ أليست هذه هي “الفتنة” ذائعة الصيت التي طالما لعنها الإسلام وأنتم تتحدّثون عنها عبر هذه المرآة السياسيّة التي بلغ بكم الأمر إلى حدّ تقديمها على أنّها أثر جهبذ! ألا تكونون بصدد تقريظ الحرب الأهليّة؟


إليكم ما أقترح التفكير فيه انطلاقا من ابتكار هذه المرآة : يتعلّق الأمر بخطوة إضافيّة حقّقها المجتمع التونسي باتّجاه تحرير تمثّل “النحن”، حبيس مبدأ الهويّة. يصادر هذا المبدأ على عدم التناقض والوحدة الماقبليّة لجماعة من الذوات متوحّدة فيما بينها عبر تصوّر عضويّ لانتمائهم(5). وأبدعت المرآة السياسية إمكان تجاوز لهذا المبدأ عبر فتحها في الفضاء العموميّ مسرحا للحقائق الاجتماعية حيث تظهر التعارضات لا فقط بين ذوات أو مجموعات، ولكن أيضا داخل كلّ وحدة. فالتناقضات ليست ذاتيّة ولكنّها مموضعة أكثر فأكثر. إنّها تحرّك باستمرار حياة فاعلين ومنظّمات تنتج مواجهات وتنفق في الآن ذاته كثيرا من الطاقة من أجل تجاوزها. إنّه مشهد جديد يتشاتم فيه الفاعلون ويعتذر بعضهم لبعض، ويسيئ بعضهم إلى بعض ويلجئون إلى العدالة. تتكوّن الجمعيّات وتندثر عبر توتّرات دراميّة من شأنها جعل المسلسلات التلفزيّة باهتة مقارنة بها. فالرفض والعصيان باتا متبنّيين باعتبارهما حقّا في مقاومة أيّ شكل من السلطة. وفي ذات الوقت فإنّ معاناة التمزّقات أصبحت لا تحتمل. وتراد التهدئة ويطلب العلاج عبر البحث عن الأسباب والأدوية في فعاليّات اجتماعيّة أو سياسيّة أو بسيكولوجيّة. إنّ ظهور اقتضاء الفعاليّة يصبح ثابتا في الخطابات، حتّى إن لم تكن متبوعة بالتنفيذ، ومع ذلك فإنّها بالتدريج تجعل النّقاوة المثاليّة بائدة غير صالحة. وتقبل وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية بسرور عارم على إظهار الحميميّات، حيثما كانت، خلف أجمل المظاهر. ويتبيّن أنّ الانقسامات متعدّدة ومتداخلة، فهي اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية. وفي كلمة فإنّ المرآة السياسية الكبيرة ترسل صورا لمجتمع تونسيّ متشظّ لم تعد وحدته مسلّما بها. هنا تحديدا يكمن الاعتراف بـالسلب وباستيعابه الممكن. فالأحياء معا، بعد أن لم تعد لهم أيّ ضمانة وبعد أن باتوا متروكين لشأنهم وعرضة بعضهم لبعض، ينبغي عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار نزاعاتهم وأن يستخرجوا الآليّات النظريّة والعمليّة لحلّها. فشبح الحرب الأهليّة يقضّ مضاجع الجميع. حرب يخشاها الغالبيّة ولكنّ البعض القليل يرجوها ويستعدّ لها. فالسلم ينبغي بناؤها بطريقة لن يعتقد بعد أنّها قد اكتسبت نهائيّا، لأنّها مرتهنة بـالبقاء ضمن ظروف متحرّكة هي ظروف تاريخ لا فقط ظروف موروث. إنّه إنشاء في وضح النهار لـمنطق علاقات اجتماعية(6) يتجاوز نظام وحدانية الجماعة.

 

الهوامش:

 

*  نصّ مداخلة ألقيت ضمن ملتقى وجوه وهويّات وثقافات، نظّمها مخبر الفلسفة (فيلاب)، كليّة العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، المكتبة الوطنيّة، تونس، 14-15 جوان 2013.
1 – Etienne de La Boétie, Discours de la servitude volontaire (1574), Paris, Flammarion, 1993.
والفقرة منقولة من ترجمة مصطفى صفوان، ص ص 91-92، نسخة رقميّة.
2 – هذا ما يشير إليه فرويد باعتباره صيغة التكوين الليبيدي للجموع : « مجموع أفراد وضعوا موضوعا واحدا مكان المثل الأعلى لأناهم وتماهوا بالتالي بعضهم في بعض». S. Freud, « psychologie des masses et analyse du moi » (1921), O.C, t. XVI, Paris, PUF, 1991.
3 – يبدو أنّ من بادر إلى ذلك هو فنّان الشارع ذو الأصول التونسية، المعروف في العالم تحت مختصر JR»».
4 – بالنسبة إلى القارئ الذي لا يتابع الأحداث في تونس، لابدّ من التذكير بأنّ البلاد يحكمها، منذ انتخابات أكتوبر 2011 التي لحقت انتفاضة 14 جانفي من السنة ذاتها، ثلاثة رؤساء : رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ورئيس المجلس التأسيسي.
5 – أستعمل مصطلح “عضويّ” بالمعنى الذي يعطيه له فرديناند تونّيز، الذي سأعرض إليه لاحقا، والذي هو نقيض استعماله لدى إميل دوركهايم. فبالنسبة لتونّيز يميّز “التلاحم العضوي” المجتمع التقليدي، بينما يميّز “التلاحم الميكانيكي” المجتمع الحديث. ويبدو لي أنّ هذا التمييز أصحّ من تمييز دوركهايم، لأنّ الأمر يتعلّق بمقولات نجدها عند أرسطو (تعارض العضوي الذي هو طبيعي مع الاصطناع) وعند كانط.
6 – أنظر توضيحات مفهوم “العلاقات الاجتماعية” في فرنسا عند بيار ماشيري، وهو ما يتّضح ظهوره في تونس من وجهة نظري، سواء من خلال المرآة السياسية لثورة جانفي 2011 وكذلك على الأمد البعيد كما سأوضّح ذلك لاحقا. Pierre Macherey, « Aux sources des rapports sociaux : Bonald, Saint-Simon, Guizot », Genèses, 9, 1992, pp. 25-43.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق