شهوة التأصيل: ضبط المزاح فقهياً / محمد أمير ناشر النعم

كم فرحنا بالفقه الإسلامي الخارق، في مقتبل عمرنا، حين كنّا نَدْرس العلوم الشرعية! وكم ازدهينا بمطولات كتبه التي يتراوح عدد مجلدات الواحد منها ما بين العشر مجلدات إلى العشرين، كالمبسوط للسرخسي، والمغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، والمقدمات المهمات لابن رشد الجد! وكم كانت تستهوينا فكرة شمولية الفقه لكل شاردة وواردة في حياة الإنسان! إذ يرسم لنا خطواتنا كلَّها، بدءاً من دخولنا الحمّام، وانتهاءً بشربنا كأس الحِمام!

وكم كانت تزدان في عيوننا أفكار ومواقف، ويلتمع بريقها حين ننظر إليها من وراء كريستالة ميعة صبا العمر والفكر، فنراها في صورة متداخلة بهيجة خلابة، كأنها قادمة من عالم الأحلام!

كان ذلك الزمن هو زمن الشفط والتلقي والتكديس، زمن الافتتان البريء بالكلمات والمصطلحات التي لم تطرق يوماً سمع عموم الناس، ولم تشنّف آذانهم!

ثم جاءت أيام الجامعة وما بعد الجامعة لتكون أيامها أيام التساؤلات والنقد والمحاكمة والتمحيص، واكتشاف أن الخداع لا يتوقف عند حدود البصر، بل يتجاوزه للبصيرة أيضاً…

ولعل من أهم ما خُدع به الفقهاء، أو خدعوا هم أنفسهم به اعتقادُهم أن كل فعل من أفعال الإنسان يجب أن يؤطّر بحكم، وكل حركة أو سكنة في حياته يجب أن تكلل بدليل، بعد البحث والتفتيش والتقميش والمقايسة والمقاربة عن هذا الحكم وذاك الدليل، مقررين لذلك قاعدة تقول بأنّ (ما لا دليل عليه مردود)(1)، فانهمكوا في إنتاج التكييفات الشرعية التي تتفتق عنها أذهانهم، وفي تقعيد الضوابط الفقهية التي تجود بها خواطرهم، في انصياع تام للروح اليهودية الشكلية الظاهرية العاشقة للإصر والأغلال، وفي جفاء غريب عن الروح القرآنية التي أرادت أن تعيد بناء الإنسان، وأن تجدد تعريفه بأنه ليس آلة تُضبط من الخارج، ولا سجلاً يجب أن تُدمغ كل ورقة من ورقاته بدمغة: هذا حلال وهذا حرام.

كل هذه المعاني دارت في خاطري وأنا أقلّب صفحات كتاب (المزاح في الإسلام)، لمؤلفه – ولا بأس بنقل اسمه حرفياً كما ورد على الغلاف الخارجي – الأستاذ الدكتور حسن عبد الغني أبو غدة، أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك سعود بالرياض.

صدر الكتاب ضمن سلسلة (دعوة الحق) عن إدارة الدعوة والتعليم التابعة لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، عدد 216. أما ضوابط النشر في هذه السلسلة فهي كما جاءت في الصفحة الأخيرة من الغلاف الداخلي:

1 – أن يقدم البحث خدمة للدعوة الإسلامية، ويعالج جانباً من مستجدات الأمة وقضاياها.

2 – أن يتصف البحث بالأصالة الابتكار والجدة، والمنهجية العلمية، وصحة اللغة وسلاسة الأسلوب.

3 – أن يكون البحث موضوعياً لا يستهدف به تجريح الهيئات والشخصيات.

وعندما نقرأ عنوان هذا الكتاب الذي يُفترض فيه (الابتكار والجدة) نظن فعلاً أن المسلمين سلخوا طوال القرون السالفة أعمارهم وهم لا يمزحون ولا يضحكون، لعدم تأكدهم من الحكم الشرعي للمزاح المولِّد للضحك، ولعدم تأصيل ذلك تأصيلاً شرعياً! إلى أن جاء كتابنا هذا فقَدّم هذه الخدمة الجليلة، وبرهن بـ (الطريقة العلمية المؤدية للحقائق)(2)، ألّا تعارض بين المزاح والضحك وبين الإسلام، بل لقد (أكدت الدراسة على ما تضمنه الإسلام من سماحة واعتدال في السلوك الاجتماعي مع الآخرين، ما دام ذلك يدخل السعادة إلى القلوب، ويفرح النفوس، ويطبع البسمة على الأفواه، ويرضي الله تعالى)(3)، كما أنه استطاع أن يبرهن البرهان القاطع، ويبيّن البيان الوافي (العلاقة التداخلية المتزنة بين الأحكام الشرعية ووقائع الحياة العملية التي منها المزاح موضوع البحث)(4)، وذلك من خلال (استقراء الأقوال الفقهية، وغيرها من مصادرها المعتمدة، فضلاً عن تتبع الأدلة ورصد الأحداث العملية من سيرة النبي وحياة أصحابه وما نقل عن السلف)(5).

وبعقلية عموم الفقهاء – اليوم – الخارجة عن حدود الزمان والمكان يحدثنا فقيهنا عن (حاجة الناس إلى معرفة حكم الإسلام في المزاح الذي يتكرر وقوعه بينهم، وقد يثير الاختلاف والنزاع والعداوة والبغضاء، أو يترتب عليه الكفر والردة عن الإسلام)(6). وهذه هي طامتنا الكبرى إذ يَفترض فقهاؤنا حاجات للناس بل يفرضونها عليهم، ويقنعونهم من ثَمَّ بالحاجة إليهم في تلبيتها وإيجاد الحلول لها!! ثم يقول المؤلف: (هذا الموضوع لم يدرس -بحسب علمي- دراسة عامة شاملة علمية موثقة، ولم يفرد بالكتابة المخصصة في مؤلف مستقل)(7)، يقول هذا الكلام وفي ظنه أنه ينطبق عليه المثل القائل: “كم ترك الأول للآخر”، لكننا عندما سنكمل عرضنا لهذا النتاج سندرك أنه ينطبق عليه مثل آخر: “لو كان في البوم خير ما سلم من الصائد”.

وفي محاكاة هزيلة للعقول الفقهية العظيمة التي شهدها تاريخنا يناقش المؤلف تعريف المزاح اصطلاحاً، ثم يصححه فيقول: (عرّفه بعض أهل العلم بأنه: المباسطة إلى الغير على وجه التلطف والاستعطاف، دون أية أذية)(8)، ثم يعلّق على هذا التعريف قائلاً: (قلت: هذا التعريف لا ينطبق على المزاح المطلق، بل ينطبق على بعض أنواعه، وهو المزاح المشروع، لأن للمزاح المطلق أنواعاً أخرى يأتي بيانها، وبناء على هذا يمكن أن يعرّف المزاح المطلق في الفقه بأنه: قول أو فعل يريد به صاحبه مداعبة غيره مشروعاً كان أو ممنوعاً)(9)، ودعونا هنا نغتنم الفرصة لنبدي استياءنا من الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويدّعون أن باب الاجتهاد (مغلق)، فها نحن ندمغهم ونريهم هذه المناقشة الفقهية التي تناطح وتباطح أعتى التنظيرات الفقهية يوم كان باب الاجتهاد مفتوحاً على مصراعيه، بل يوم كان الاجتهاد من دون باب أصلاً. على أننا نودّ أن نسجل استدراكاً على تعريف المؤلف الفاضل حين حصر (المزاح) بأنه (قول أو فعل) إلخ، فقد أخبرنا الثقة أنه رأى بأم عينيه نوعاً من أنواع (المزاح) لم ينتج عن (قول أو فعل)، بل نتج عن (امتناع عن القول والفعل)، وقد حقق يومها نوبة ضحك عارمة لم تشهد البلاد لها مثيلاً.

ويستمر فقيهنا في التأطير والتنظير فيضع ستة ضوابط للمزاح المشروع!! ولا عجب فهو يريد مزاحاً مؤصلاً تأصيلاً فقهياً! وعندها لا بد لهذا المزاح من أن ينوء بنياشين الضوابط والقيود! أما هذه الضوابط فهي:

1 – تحري الحق والصدق في المزاح والبعد عن الكذب.

2 – أن يكون المزاح يسيراً من غير إفراط فيه ومداومة عليه.

3 – تجنب المزاح المحرّك للضغائن والأحقاد.

4 – الابتعاد عن المزاح المروّع المخيف.

5 – تجنب المزاح مع غير المحارم إن كان يؤدي إلى الفاحشة، (حبذا لو أضاف الكاتب أيضاً: تجنب المزاح مع الصبية والأولاد والشباب بل وحتى الرجال إن كان يؤدي إلى الغلمة).

6 – ممارسة المزاح بجميل القول ومستحس الفعل(10).

ومرحى لهذه الضوابط التي توضع للتفريق بين المزاح المباح وغير المباح، وإن كان لنا من ملاحظة على هذه الضوابط فهي قلة عددها، إذ ستة ضوابط لا تكفي لكي يضحك الإنسان وتبدو نواجذه وأضراسه!

ولكن دعونا نسأل فقيهنا: هل سأل نفسه قبل الخوض في كل هذا التحذلق عن معنى كلمة (مزاح)؟ ولم سمي المزاح مزاحاً؟ فلو علم أن (المزاح) لم يُدعَ بذلك إلا لأنه أزيح عن الحق والصدق فصار (مزاحاً) عنهما، لأدرك عبث كل هذه الضوابط التي لا عمل لها سوى إزاحة (المزاح) عمّا خُلق له، وبُرئ من أجله! ولعلم أنه يكفيه وضع شرط واحد (للمزاح) لا ثاني له وهو: ألّا يكون (سمجاً ثقيلاً)!

هل نتجنى على فقيهنا العتيد؟ وهل نغمطه حقه؟

والجواب هو في الفصل الذي عقده لـ (المزّاح والمازحين في عصر النبوة والصحابة)!! فقد أتى بأمثلة تخرق كل هذه الشروط والضوابط، فجميع الأمثلة التي أوردها مؤلفنا الكريم تجرح الصحابة وتدينهم وتجعلهم مقترفين للمكروه بل الحرام بمزاحهم غير المضبوط بالضوابط والشروط الشرعية التي حددها وعددها، ليغدو (العرس في دوما، والطبل في حرستا).

فــ (عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن أبا بكر – رضي الله عنه – خرج تاجراً إلى بصرى الشام، ومعه نعيمان (هو ابن عمرو الأنصاري، شهد العقبة وبدراً والمشاهد بعدها)، وسويبط بن حرملة (وهو بدري أيضاً)، وكان سويبط على الزاد، فقال له نعيمان: أطعمني. قال: لا، حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان رجلاً مضحاكاً مزّاحاً، فقال: لأغيظنك. فجاء إلى ناس جلبوا ظهراً، فقال: ابتاعوا مني غلاماً عربياً فارهاً (نشيطاً قوياً)، وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حرٌ. فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه ولا تفسدوا عليّ غلامي. فقالوا: بلى، بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل بها يسوقها، وقال: دونكم هذا هو، فجاء القوم فقالوا: قم قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، وذهبوا به، فجاء أبو بكر فأُخبر، فذهب هو وأصحابه إليهم فردوا القلائص وأخذوه. فلما عادوا إلى النبي (ص) وأخبروه الخبر ضحك هو وأصحابه منها حولاً كاملاً)(11).

وكما ترون فإنّ مزاح هذا الصحابي رضي الله عنه مزاح حرام كما يُستنتج من العرض على الشروط السابقة، فهو أولاً مشهور بأنه مزاّح مضحاك، وهو ثانياً لم يبتعد عن الكذب، وهو ثالثاًلم يتجنب المزاح المحرّك للضغائن والأحقاد، وهو رابعاً لم يبتعد عن المزاح المروّع المخيف، وأي ترويع أفظع من فقدان المرء حريته وهو في طريق سفر!! وتصوروا اللحظات التي قضاها سويبط وهو عبد مربوط، وقد غدا وحيداً مع السادة الجدد، بعد أن تركه نعيمان وذهب بالقلوص، وهو خامساً لم يمارس المزاح بجميل القول ومستحس الفعل، على أنّ الإدانة هنا لا تقتصر على نعيمان فحسب، بل تتعداه إلى من ضحك من هذا المزاح سنة كاملة!!!

أما عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فينسلّ – كما يخبرنا المؤلف – من فراش الزوجية، ويدلف إلى جارية له فيواقعها، فتنتبه زوجه وتخرج فتراه على جاريته، فتعود وتأخذ الشفرة وترجع، فيسألها عبد الله بعد فراغه مما كان فيه، فتقول له: لو أدركتك لضربتك بها بين كتفيك. قال: وأين كنت؟ قالت: رأيتك على الجارية. قال: ما رأيتني. قالت: بلى. قال: فإن رسول الله نهانا أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. قالت فاقرأ، فيرتجل عبد الله ثلاثة أبيات من الشعر على أنها آيات من القرآن، وكانت الزوجة لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤوه فقالت: آمنت بالله وكذّبت بصري، ثم غدا عبد الله على رسول الله فأخبره، فضحك حتى بدت نواجذه)(12).

وههنا تجريح ما بعده تجريح لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، إذ يُتهم بأنه سخر من زوجه، واستغل جهلها بالقرآن، وافتأت على القرآن الكريم، مدعياً أن شعره هو القرأن الموحى به من عند الله، وهل هذا إلا مزاح محرّم مقيت يقترب من الكفر والردة بحسب شروط فقيهنا وضوابطه.

نعم إنها شهوة (التأصيل) و(الضبط) و(التقعيد) حين تستبد بكيان فقهائنا، فتطير بهم خارج حدود الرشد، وتجعلهم مجرد متسلطين متحذلقين واهمين، يلتفتون ذات اليمين وذات الشمال في حميّا البحث عما تجاوز عنه السابقون، ليقوموا هم باستدراكه عليهم! وليفرحوا بأنهم أول من لملم هذا البحث، أو قعّد ذاك الموضوع!! ويا ليت أنهم يستدركون ما ينفع، أو يقدمون ما يُقنع، في إطار الواقعية والصلاحية، وحاجات الناس الفعلية الحقيقية إذن لشكرنا لهم جهودهم، ولأثنينا على أعمالهم، ولما أسفنا على الأموال التي تهدر في تبني هذه الأعمال، سواء في كليات الشريعة، أو في مراكز البحث، أو في المؤسسات العلمية والخيرية.

بقي أخيراً أن أشير إلى رأي المؤلف الغريب في من يحترف ما يسمى بـ (الكوميديا)، حيث يقول: (أما لو اتخذ الإنسان المزاح الحق [أي: الذي اتصف بالضوابط الستة التي اشترطها المؤلف] مهنةً له، لإضحاك الناس وإدخال السرور عليهم فهو مكروه)(13). ثم يقول: (وقد أشار الغزالي وغيره إلى هذا فقال: “من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح – أي: المباح – حرفة يواظب عليه ويفرط فيه”. قلت: والظاهر أنّ هذا يشمل احتراف ما يُسمى الأعمال الكوميدية، والرسوم الكاريكاتورية ونحوها، وتفريغ الوقت لممارستها)(14).

وما أود أن ألفت النظر إليه هو تعبير الإمام الغزالي الذي نأى بنفسه عن أن يعطي حكماً شرعياً، فعبّر بكلمة (الغلط)، وهي كلمة تتعلق بالذوق والرأي الشخصيين، بخلاف تعبير مؤلفنا وفقيهنا بكلمة (مكروه) فهي من الأحكام التكليفية كما لا يخفى!! ويا للعجب: أإضحاك الناس وإدخال السرور عليهم بالمزاح الحق المستوفي لشروطه وضوابطه هو شيء مكروه!! ماذا نصنع إذن بتراثنا الفكاهي الكوميدي الكاريكاتوري الهائل للجاحظ وابن الجوزي وأبو حيان التوحيدي والراغب الأصفهاني وووو إلخ؟ هل نهيّئ له الهولوكست؟ أين هذا من تقرير الشيخ الأكبر ابن عربي أن من يتخذ الإضحاك حرفةً، أي (الكوميدي)، هو من أقرب المقربين إلى الله، ومن أخصهم منزلة عنده، وأنه تجلٍ من التجليات الإلهية, مصداق قوله تعال: وأنه أضحك وأبكى.

وفي الختام:

أيها القارئ العزيز:

أبشرْ! فباستطاعتك الآن أن تمزح مزاحاً مشروعاً بضوابطه الستة إن اجتهدت وتربّصت واقتنصت، وبإمكانك أن تستدرّ مع ذلك جميع أنواع الضحك بأصواته المختلفة. ومن أجل ذلك اهتف:

ليعش الفقه الإسلامي المعاصر! وليحيَ فقهاؤنا المعاصرون!

الهوامش:

(1) انظر: البركوي، رسالة المصافحة ص 28، ضمن كتيّب المقامات، بتحقيق إبراهيم صوباشي التوقادي. بدون تاريخ، دار سعادت، آستانة.
(2) انظر: أ. د حسن عبد الغني أبو غدة، المزاح في الإسلام. ص9، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، السنة الثالثة والعشرون، العدد 216، العام 1427 هـ.
(3) المصدر نفسه، ص 7.
(4) المصدر نفسه، ص 8.
(5) المصدر نفسه، ص 9.
(6) المصدر نفسه، ص7.
(7) المصدر نفسه، ص 7.
(8) المصدر نفسه، ص 13.
(9) المصدر نفسه، ص 14.
(10) المصدر نفسه، ص 37-40.
(11) المصدر السابق، ص 113.
(12) المصدر نفسه، ص 57.
(13) المصدر نفسه، ص 83.
(14) المصدر نفسه، ص84.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق