ألم تحكمنا داعش طيلة 1400 عام؟

في حديثٍ رواه سفينة مولى رسول الله، قال: سمعت رسول الله يقول “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك”.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن.
ينطوي هذا النصّ النبويّ رغم قِصَرِ متنه على الكثير مما يمكن كشفه والحديث عنه، مما قد يخالف بديهيات تستقر في وعينا الجمعي منذ قرون، وسنحاول في هذا المقال الحديث عن بعضها:
يتحدث النصّ السابق صراحةً عن أن الخلافة ستستمر في أمة محمد ثلاثين عامًا فحسب، وبحسابٍ بسيط يسرده راوي الحديث عقب نقله للنصّ، فالخلافة الإسلامية انتهت بمقتل عليّ بن أبي طالب، وباعتلاء معاوية بن أبي سفيان سدّة الحكم، بعد معارك غير مسبوقة بين المسلمين منذ وفاة النبيّ، وهكذا يكون معاوية بن أبي سفيان المسلم العربيّ هو من أسقط الخلافة الإسلامية، وليس أتاتورك العلماني، تركيّ الجنسيّة، كما تروج لذلك كل أدبيات النواح والبكاء الإسلاميّة اليوم، التي تتمحور حول الفكرة القائلة بأن الخلافة الإسلامية اغتصبت على أيدي العلمانيين في تركية، في مطلع القرن العشرين، والذين سيتحولون إلى أعداء رسميين للمؤسسة الدينيّة التقليديّة، بل لتوضع العلمانية فيما بعد بالتضادّ مع الدين، لنكون أمام ثنائية: متدين أو علماني!

الحرب الباردة بين التيارين، ابتدأت من هنا، من زعم أن العلمانيين هم من أسقطوا الخلافة الإسلامية العثمانية، رغم أن النبي عينه لم يطلق عليها مصطلح الخلافة بل الملك، بكل الحمولة السلبيّة التي تحملها هذه اللفظة بالذات، وارتباطها بالخراب والدمار، ففي الخطاب القرآني نقرأ على لسان بلقيس ملكة اليمن:”إن الملوك إذا دخلوا قريّة أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون“. وقوله تعالى”وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمّرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول، فدمرناها تدميرًا“. فهذه طبيعة الملوك والأمراء، وديدن حكمهم، ولا يضرّ ذلك الاستثناءات هنا أو هناك، كبعض الملوك الصالحين في التاريخ.

بل في حديثٍ آخر، هو أكثر شهرة من النصّ السابق، يسم النبيّ فترة الملك تلك، بوسم”الملك العضوض” الذي يُعضّ عليه حبًا في الملك، وشهوةً في الحكم، رغم ما يكون فيه من ظلم وجور للعباد، كي لا يترك مجالًا للشك في الشر الكامن ضمن هذه الفترة –فترة الملك– التي تعقب الخلافة.

وهذا ما ينقلنا لجوهر المشكلة التي عانى منها العالم الإسلامي طيلة القرون الماضية، وهي مشكلة الاستبداد وما يخلقه من أمراض اجتماعية واقتصادية وأخلاقية عامّة، تشلّ الحياة، وتوقف عجلة الحضارة، فالمشكلة داخلية إذا وليست خارجية، تتمثل في تسلط فئة من المسلمين على حكم البلاد والعباد، ليتبعوا فينا سنن المستبدين في الإمارة، وهذا ما ينقله نصّ آخر للنبيّ رواه البخاري عن أبي هريرة: (هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش).

فهلاك هذه الأمة كان داخليًا إذًا، بتسلط فئةٍ منها على الحكم، والاستئثار به، ثم استعباد الناس، وما يقتضيه ذلك من إبقائهم في حالة من الجهل والفقر والمرض، كي يسهل حكمهم ويستمر.
بينما تصوّر الأدبيات الإسلامية أن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في تكالب وتآمر القوى الاستعمارية الخارجيّة علينا، والتي تكيد للعرب والمسلمين، وتريد أن توقع بهم، لأغراض كيدية بحتة.

وبين النظرة الأولى التي تقتضي إعادة التفكير وتصحيح الخطأ الداخلي، وبين النظرة الثانية التي تفرز استعداءً للآخر الغربيّ، وتلقي اللوم على العوامل الخارجية، بون واسع، وفرق كبير، كالفرق بين من يسير بخطى ثابتة للخروج من الأزمة، وبين من يبقى داخلها، يدور ويدور.
وهكذا يكون يزيد بن معاوية الأموي، وأبو العباس السفاح العباسيّ، وخلفاء بني عثمان الذين باتت المجازر الأسريّة عندهم أسلوبًا متبعًا في توطيد الحكم، مع أبو بكر البغدادي: أخوةً لا غير، أو أبناء خالة على أبعد تقدير، وهكذا لا يكون من المستبعد أو المستغرب أن يتوطد حكم داعش ويستمر، لا سيما أنها تحاول أن توائم نفسها مع بعض مقتضيات هذا العصر.
إن مواجهة داعش اليوم تتطلب مواجهة تاريخ كامل من الاستبداد الديني، والتسلط باسم الإله، والحكم بالسيف وإراقة الدماء، واستعباد الجماهير، لمحاولة إحداث انقلاب جذري في مجرى التاريخ العربي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق