في مرآة الثورة (2/2)

لن أتوقّف عند فكرة «السلب» التي أدخلها هيغل (1) إلاّ للتذكير بأنّها في قلب الفكر الفلسفيّ للأزمنة الحديثة، عبر نقضها لكلّ جوهر، لكلّ هويّة، لكلّ مقوّم يفترض أنّه معطى ويدّعي أنّه أوّل أو أخير. ثمّة بلا شكّ انتشار حتّى أطراف العالم للذات التي تحمل هذا النّقض التاريخي، على نحو واع أو لا واع. وسواء كانت هذه الذات فرديّة أم جماعية فإنّها صارت بلا سكون، مدعوّة بلا انقطاع إلى أن تتحدّد بما تفعل أو تبني، إنّها ذات مجبرة على المرور بتقويض تحديداتها كي تنكشف، وسط الألم، مختلفة عن نفسها. هنا يكمن هوّام الهويّة الذي استبدّ بالعالم : المدّ اللامحسوب للتفكيك نحو كلّ أساس مهما كانت ملاسته الأصليّة. وإذا وقفنا عند حدود التجربة التونسية اللاحقة لثورة 17 ديسمبر 2010 / 14 جانفي 2011، يمكننا أن نعاين كيف أنّ الـنّحن يظهر معرّضا للذعر والارتعاد. هذا الـنحن القلق هو العرَض الدّالّ على اكتسابه صورة مجتمعيّة عوضا عن تلك الجماعتية التي كان يمتح منها من قبل طمأنينة الانتماء العضوي. هذا لا يعني أنّ الثورة قد ابتكرت بغتة هذا الـنحن المتناوس بين تصاديات وسلالم نغم اللعبة الاجتماعية، فالثورة لم تكن سوى العارض الذي فرض الظّهور على السّطح لشرخ قد أصاب بعد كلّ طبقات الجماعة. لقد أعطت الثّورة لهذا “النّحن” الكلمة، وهيّأت الفضاء العمومي حتّى تكون المرآة اجتماعية وحتّى يكون التواصل المعمّم وسيلة تعرّف كلّ أطراف وحدة أصبحت حاملة للمخاطر. ويبقى السؤال عمّا إذا كان في هذا الارتعاد وهذا القلق، في هذا الأرق الذي يعيشه التونسيون منذ سنتين ونصف، إذا كان ثمّة، بهذه المرآة وبهذا التواصل بين الأطراف، إمكانيّة ولادة مجتمع تونسيّ مهيكل على نحو جديد، لا عبر التوافق وإنّما عبر بناء جماعي لأشكال تركيبيّة تحكم العيش معا.


فالتوافق ليس في واقع الأمر إلاّ حلاّ ودّيّا مؤقّتا هشّا غالب الأحيان، لاسيّما وأنّ الوضع الدولي والإقليمي الحالي غير مستقرّ. إنّ التسوية التي ينتجها التوافق تصادفية منسوجة من عمليّات خضوع ومن مكافآت تلغي الصراع رسميّا عوضا عن وضعه في العمق. وللوصول إليه فإنّ المفاوضات يمكنها أن تطول، حتّى وضعيّة الشلل أحيانا لتنتهي باللجوء إلى تحكيم يشتغل على شاكلة ديكتاتوريّة مؤقّتة غير متوقّعة الآثار. أمّا البناء التّركيبيي فإنّه يأتي من بعد آخر. إنّه خاضع إلى معقولية تتّبع قواعد صوريّة، مثل نحو مؤسّس على المنطق وليس على مشاعر أو علاقات انتماء عضويّ. داخل هذه القواعد يمكن للملفوظات الصراعية أن تجد مكانها باعتبارها تعطي إمكان حوارات واختيارات، وربّما أيضا اتّفاقات ولكن حسب معايير المنطق الذي يشكّل نسقا.
بين ثنايا التحليلات السابقة بخصوص المرآة السياسية رجعت مرّات عدّة إلى براديغم الفرق والتعارض بين جماعة ومجتمع اللذين كان منظّرهما الأوّل هو فرديناند تونّيز (Ferdinand Tönnies)(2) قبل أن يتبعه في ذلك عدد كبير من علماء الاجتماع مثل جورج زيمّل وإيميل دوركهايم أو ماكس فيبر، على سبيل الاقتصار على هؤلاء المؤلّفين من بين جمهرة من المفكّرين الذين شدّدوا على إشكاليّة الانتقال إلى حداثة اجتماعية في الغرب. لنذكّر بأنّ هذا البراديغم يقوم على المرور التاريخي من التصوّر العضوي للجماعة (Gemeinschaft) إلى التنظيم الاجتماعي (Gesellschaft) المسمّى «متفَكّرا»، بمعنى أنّ الأمر متعلّق فيه ببناء معقلن للحياة الاجتماعيّة. يختصّ الأوّل بانتساب الفرد وتوجيه شعوره نحو مجموعة انتمائه (من عائلة وعرش وقرية وحتّى مدينة صغيرة) والتعلّق بالعادات والممارسات الدينية. أمّا الثاني فيتشكّل عبر التخلّي عن ذلك الانتساب لصالح علاقات بين أفراد تربطهم وظائف وعقود وتبادلات إنتاجية وتجاريّة وسط مجالات مدنية واسعة ويحكم ذلك كلّه دولة وقانون معياريّ. غير أنّه لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ هذا التعارض نسبيّ عندما نمرّ من الباراديغم المفهومي إلى وصف الواقع الاجتماعي، حيث نعاين وجود جسور بين التصوّرين، على الأقلّ لكون الـمجتمع يقوم على الـجماعة دون أن يقوّضها كلّيّا. بل إنّها تخلق داخل التنظيم الاجتماعي المتفَكّر انتسابات ومشاعر انتماء وتضامن بمرور الزمن وتشكيلات وسيطة، على غرار «الجماعات المفتوحة» التي يقترحها ماكس فيبر، حيث لا يتأسّس الانخراط على صلات القرابة. هناك بمعنى ما خلق لـما يشبه الـجماعة المحدودة داخل الـمجتمع. وفي المحصّلة فإنّ الدراسة التجرُبية تقود غالبا إلى تحويل التقابل الثنائي بين الجماعة والمجتمع إلى عوامل أكثر منه إلى متغيّرات. ومع ذلك فإنّه يبدو لي أنّ استعمال هذا التصنيف، دون أن يغفل هذه الفويرقات وتعقيد الواقع الاجتماعي، يجد مبرّره حينما نتموقع من وجهة نظر ديناميّة التحوّلات الاجتماعية الساخنة، بمعنى آخر لمّا يكون مسار الانتقال في أوجه وتكون المواجهة بين الإرادة العضويّة (Wesenwille) والإرادة المتفَكرة (Kürwille)، حسب تعبير تونّيز قد بلغت ذروة الاحتدام. بل أنّه من اليقينيّ أنّه لمّا تشرع التركيبة العضوية في فقدان أولويّتها تحت ضربات الإرادة المتفكّرة ولمّا يفقد أعضاؤها توازنهم بفعل «انقلاب العالم» الذي يمثّله ذلك، فإنّا نشهد ردّة فعل تحصينيّة للإرادة العضوية يمكنها أن تبلغ درجات من العنف غير مسبوقة يمكن أن تصل حدّ الحرب الأهليّة بل وحتّى الحرب بين البلدان. تلك هي الوضعيّة في دول العالم الإسلامي الحالي حسب المقاربة التي أحاول وضعها، عبر بيان أنّ المواجهة بين النزعة العضوية للجماعة والنزعة المتفكّرة للمجتمع هي معطى الذاتية المعاصرة للمسلمين(3).


لنشر إلى أنّ ابن خلدون (1332-1406) قد بنى نموذجا شديد القرب من ذلك الذي وضعه تونّيز، قبل هذا الأخير بأربعة قرون، عبر مفهوم «العصبية» الذي يذكّر كثيرا بالإرادة العضويّة، طالما أنّه يؤشّر على فعل الانتصاب والتطويق والتوحيد وأنّه شكّل الأصل الذي انحدرت منه أسماء من صنف العصب والتّعصّب والعُصبة والوحدة الجوهرية. وقد عيّن ابن خلدون هذا الصنف عند القبائل الرحّل المحاربة، وهي صلة تضعف حسب نظريّته حالما تستقرّ تلك القبائل عبر إمساكها بالسلطة في الحواضر(4). فمدنيّة الحواضر ونقل التلاحم نحو توسّطات سياسية ستضعف القوّة العضوية للقبيلة.


لا يمكن أن نمرّ على هذا الأمر دون أن ننبّه إلى كون اللسان الشعبي قد قام عبر عدد من الانزياحات بكلمة “عصبيّة” بمنح فكرة “العُصبة” (bande) دلالة قضيبية، في معنى قريب من الاستعمال الفرنسي Phallus. هذا التوارد يسمح لنا بتضمين عدد من الملاحظات ذات الطابع التحليلي بخصوص المسار النفسي الذي يحكم الصلة العضويّة التي تشدّ الفرد إلى الجماعة. سأقترح اعتباره متأسّسا على تماهٍ قضيبيٍّ، بمعنى القضيب الخيالي، على غرار الوضعيّة البدائيّة للطفل في علاقته بأمّه. نعرف أنّ هذه الصلة بين الأمّ والطفل تشكّل على نحو ما ضربا من «الشيوعيّة» البدائية عند الإنسان، الذي يتميّز بأنّ مدّة التصاقه بالأمّ هي الأطول مقارنة بباقي الأنواع الحيوانيّة. وتحمل الجماعة آثار هذه التجربة الأوّلية للحبّ والهويّة، عبر تأثيثها، من خلال أفرادها، للممكنات الرحميّة والعطوفات الأموميّة. ذاك هو، إلى جانب حالات أخرى، حال جماعة المسلمين التي يشار إليها من خلال لفظة “أمّة” الذي يحيل بشكل صريح إلى الدال “”أمّ“. إنّ التبعيّة للآخر الأمومي يقدّم على نحو عامّ نموذج صلة خيالية جوهرية يعتقد بمقتضاها أفراد الجماعة أنّهم آتون من نفس الجسد، جسد مقدّس بمعنى المحرّم (التابو). ويثير تهديد تفكّك هذه الصلة أشكالا من قلق انتزاع الذات من أصلها، كما تظهر لنا ذلك عياديّة المنفيّين. أمّا عن مخاوف تقويض الجماعة فإنّها توقظ هوّامات تسلّل العدوّ إلى الجسم الأمومي الجماعي (الوطينة، يمكننا القول) ليفسده ولينتج فيه جنسيّا قذارة السلالة ملوّثا بذلك الخصوبة الخاصّة والنقيّة لذلك الجسد. هوّامات الانتزاع هذه هي من بين الأشدّ عنفا، إنّها تنتج غالبا فظاعات تجاه النساء خلال المعارك بين المجموعات المتقاتلة(5). كما توجد قطبيّة قضيبية أخرى في شكل آلية وظيفية سالبة لخيال”الوطينة“التي يتمّ بمقتضاها تحجيب المرأة بما هي قضيب مولّد. وهو ما يشير إليه جاك لاكان من خلال التالي : «من جهة ما هي امرأة فإنّها تجعل نفسها قناعا. تجعل نفسها قناعا حتّى تكون، من وراء ذلك القناع تحديدا، قضيبا»(6). لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا أنّ العالم التقليدي ينزع، عبر إوالة الخيالي، إلى تشويش السجلّ الرمزي والواقعي وإلى لصقهما سحريّا. ومع ذلك فإنّ الوظيفة القضيبية السالبة محفوظة على هذا النحو أو ذاك ليس دون اللجوء إلى التضحية، باعتبارها تسمح لأفراد الجماعة بعدم الانصهار في الجسد الخيالي للوطينة وبحفظ نواميس الممنوع بينهم. هذه الوظيفة يضمنها الرجوع إلى السلف، عموما عبر سلسلة نسبية أبويّة تمضي حتّى واضع الناموس. وبذلك فإنّه لمّا تتبدّى التهديدات الواقعية أو الخيالية لتقويض حصانة الجماعة، فإنّا نعاين تنامي قلق خيانة السلف، والرعب بالتالي من عقوباته، ونلاحظ تزايد اللجوء إلى حمايته وذكر اسمه. إنّ تنامي السلفية (نسبة إلى السلف) في الإسلام المعاصر يستجيب إلى الخوف الشديد من تفكّك وحدة الأمّة العضوية. ضمن تغاير درجات التطرّف في هذه الحركة، يكرّر المنتمون إليها شهادات الحضور النسبي للآخر في أجسادهم الخاصّة ويسعون إلى التخلّص من كلّ ما قد يثير شبهة الأنوثة فيهم عبر التحجّب بفحوليّة من القبح. إنّهم ينشدون تجسيد السلف حتّى لو بلغ بهم الأمر حدّ التضحية بحياتهم عبر الاستشهاد في سبيل تحقيق ذلك. تذكّرنا هذه الاعتبارات بأنّه لا يمكننا الاكتفاء بوصف الظواهر الجماعية باعتبارها وقائع موضوعية نراها من خلال منظار مكبّر، دون النفاذ إلى السببيّات الذاتية التي تحرّك الأفراد.


منذ دخول الأنوار العالم الإسلامي، قبل ما يزيد عن القرنين، ثمّة حرب ضروس بين دعاة الجماعة العضوية للإسلام وبين الذين يريدون استبدالها بمجتمعات متفكَّرة تحكمها دولة قوميّة مهما كانت بعد ذلك مخاطر ذلك التوجّه(7). ليس الصراع الحقيقيّ إذن بين العلمانية والدين كما يُعتقد، أو بالأحرى إنّ هذا الصراع ثانويّ مقارنة برهان تحويل عهد الجماعة إلى عقد اجتماعيّ. في ما عدا ذلك فإنّ دعاة المجتمع المتفكّر في العالم الإسلامي واللذين هم بلا شكّ أنصار الأنوار لم يكن لديهم مشروع علمنة سياسيّة، باستثناء حالة كمال أتاتورك الذي هو، كما هو معلوم، من قضى على الخلافة باعتبارها مؤسّسة رمزية سياديّة لجماعة المؤمنين. أمّا عن حالة بورڤيبة بتونس، فإنّ المرام كان بوضوح هو”مَجتمعة“البنى الجماعاتية، إذا استعملنا معجم ماكس فيبر، عبر التربية والتهيئة الترابية والتصرّف السكّاني من أجل إضعاف الصلات العضوية (من عروش وقبائل وعلاقات أبويّة، إلخ.). ولقد تمّ حصر الدين في المساجد وتمّ وضعه تحت رقابة الدولة، ولم يتمّ قمعه بما هو كذلك. من ثمّة جاء أثر التمدّن في ثقافة التونسيّين وفي حياتهم الاجتماعية، في معنى أنّ التماهي كما عدم التماهي في الإسلام وفي قيمه، كانا يتعايشان على الصعيدين الذاتي والبيذاتي(8). لكنّ هذه الخيمياء السياسيّة للتمدّن التي حقّقها بورڤيبة ما كان لها أن تكون إلاّ لأنّ لتونس تاريخا طويلا مع الأنوار الغربيّة والشرقيّة، إذا ما نظرنا إلى تاريخ المؤسّسات الثقافية العقلانية للإسلام في هذا البلد. وهكذا فإنّ الثلاثينات الرهيبة التي عصفت بالكثير من الأمصار، إضافة إلى البشاعات الاستعماريّة، أعطت في تونس قفزة مدهشة شهدت ظهور نخبة فكرية وسياسية حديثة لافتة. وهي تلك التي أعطت النصوص التي أنجبت، حسب مجاز بيار لجوندر(9)، الأجيال المتعاقبة التي أدّت إلى ثورة جانفي 2011. إذا كانت النصوص تصنع الإنسانية، وإن كان ينبغي اقتطاف جملة من تلك التي صنعت مدنية تونس، فإنّي مذكّر بهذه التي كتبها الطاهر الحدّاد (1899-1935)، أحد مؤسّسي أوّل نقابة في العالم العربي ومنظّر تحرير المرأة : «ليست الحرّيّة الخروج من ربقة قيود الحياة وإنّما هي النزوع إلى تحريرها من الأوهام المتحجّرة المحيطة بها».

الهوامش:

1- G-W F Hegel, Phénoménologie de l’esprit (1807), trad. par Jean-Pierre Lefebvre, Aubier, 1991.Cf. l’article deMichel Dufrenne, « Négativité », inVocabulaire Technique et Critique de la philosophie, PUF, 2002. Également, Jean-Luc Nancy, Hegel, l’inquiétude du négatif, Hachette, 1997.

2- Ferdinand Tönnies, Communauté et société (1887), Trad. Jacques Leif, Éditions Retz, 1977.

3- Fethi Benslama, La guerre des subjectivités en islam, Éditions Lignes, 2014.
4 – Ibn Khaldun, Al-Muqaddima (1377), Discours de l’histoire universelle, trad. V. Monteil, Sindbad.
5- Fethi Benslama, « La dépropriation », Lignes, n° Lignes, n° 24, 1995, pp. 34-61.
6- Jacques Lacan, La relation d’objet (1956-1957), Séminaire, livre VI, Seuil, 1994, p. 380.
7 – أنظر المؤلّف المهمّ لعلي المزغنّي Ali Mezghani, l’État inachevé, Gallimard, 2011.
8- يعطي إيتيان باليبار لمصطلح”التمدّن” هذا تطويرات نظريّة ذات قيمة كبرى. وهي تنظر في إمكان استراتيجيّة مضادّة للعنف عبر الحفاظ على هذه العلاقة المفارقيّة والتي هي مع ذلك سلميّة بين التماهي ونزع التماهي. Etienne Balibar, Violence et civilité, Galilée, 2010
9- Pierre Legendre, Les enfants du texte, Fayard, 1992.

 

في مرآة الثورة (2/1)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق