في تعاسة الفنّان العربي الرافض الوصاية / فاروق يوسف

سيكون من الصعب على مَن لم يتخطّ بعد سنّ الثلاثين من الفنانين، أن يفهم ما المقصود بـ“التشكيل”، ذلك لأن الكثيرين منهم كانوا قد دخلوا في وقت مبكر في متاهة الفنون البصرية بما نتج منها من مفاهيم، يمكن أن يكون الفن التفاعلي أكثرها إغواءً لغموضه، لما ينطوي عليه من تسطيح للرغبة في خلق فن اجتماعي. وهي رغبة تعود أوروبياً إلى ستينات القرن الماضي، حين كان الالماني جوزف بويز قد بدأ مسيرته في إشاعة الخلخلة في عقول طلاّبه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى طرده من جامعة دوسلدورف.

أؤمن بأن كل كلام في هذا المجال سيكون متأخراً ولن يكون مجدياً. فقد تم تعطيل الحياة الثقافية الطبيعية في العالم العربي مقابل تبني مجموعة من المشاريع “الثقافية” القائمة على أساس المنح والتمويل المحلي والأجنبي. وهي مشاريع تتستر بالثقافي، غير أنها في جوهرها محاولات محكمة لإفراغ البنية الثقافية من تاريخها وتعريضها لظروف قاسية، سيكون فيها اللجوء إلى التنفس الاصطناعي ضرورياً.
لقد انتقل التشكيل العربي إلى غرفة الانعاش، وهذا يعني أن كل شيء صار تحت السيطرة. هناك غرفة للتحكم تقع في مكان ما، تتصل بها مجموعة من عدسات التصوير، تراقب الوضع عن قرب. هذا الوضع الاستثنائي لم يقع بالمصادفة. كان هناك اختراق مهّدت له طريقة تعامل المجتمع مع الفن، قائمة على الاستهلاك المجاني ونظر الفنانين إلى مستوى كرامتهم وقد انحط بعدما صاروا خدماً لدى المؤسسة الرسمية الراعية.

من الرعاية إلى الوصاية

أكان محتماً أن ينتقل الفن العربي إلى مرحلة الوصاية الأجنبية؟ ما يحدث للفن العربي اليوم، لا يحدث للفن في أيّ مكان آخر على الأرض. لا لأن قيم السوق هي التي صارت ميزاناً لقيمة العمل الفني، وهو أمر يمكن تداركه نقدياً، بل لأن السوق نفسها صارت تُدار على أيدي أناس لا علاقة لهم بالفن ولا بثقافة المنطقة، وقد تمكنوا من تعطيل سلطة النقد بالاستعانة بمال عربي، مسرف في كرمه الأسطوري.

لم يعد النقد الفني ضرورياً، فما من أحد في حاجة إليه، في ظل انفراد الناشطات والقيّمات الاجنبيات بالقرار الفني. هناك نشاط يُدار بعقلية تجارية لا يمكنه أن يطيق أن يكون مرئياً أو موضع مراقبة جهة نقدية. وهو نشاط جسّدته خير تجسيد أسواق الفن في دبي وأبو ظبي وبيروت، اضافة إلى ما قام به مزاد كريستيز البريطاني من نشاطات مثيرة. سيكون مزعجاً بالنسبة إلى الجميع ان يقول النقد كلمته المشاغبة. فهناك مال، علينا أن نفكر في قوته. لن يسمح المال للحقيقة بأن تفسد سطوته. لقد انحرفت قوة المال بتطلعات الصالات الفنية، فصارت تلك القاعات تقيس خطواتها بما تتلقاه من إملاءات ضمنية. أيمكننا أن نفكر في حالٍ من هذا النوع، في انفراج على مستوى الفن؟

الفنان باعتباره صناعة

لم تعد المعادلات القديمة قائمة. فصاحب القاعة لم يعد وسيطاً بين الفنان والجمهور من خلال العمل الفني. صار صاحب القاعة يملي إرادته على الفنان. هذا يعني أن الفنان صار منفِّذاً لمخطّط يضعه سلفاً صاحب القاعة الذي يرعى مصالحه التجارية المرتبطة بإملاءات سوق، لا يتحدث القائمون عليها اللغة العربية. في هذه الحال، سيكون على الفنان أن يقدّم نفسه بالانكليزية في بلاد يفترض أن العربية هي لغتها الأم. هنا يكون الفنان بمثابة الحلقة الأضعف.

ما شهدته أسواق الفن في العالم العربي وقد صارت في السنين العشر الأخيرة بديلاً من القاعات والمتاحف واللقاءات والمحترفات الفنية، يؤكد أن ما من شيء قد تُرك للمصادفة. لقد انتهت مرحلة الموهبة الفنية التي تفرض نفسها، باعتبارها خياراً لا غنى عنه. نحن نعيش مرحلة، على الفنان أن يكون فيها صناعة. وهي صناعة تقع في جزء كبير منها على كاهل نساء أجنبيات أوكلت إليهن مهمة إدارة الثقافة، التي هي في حقيقتها نوع من الاستعراض الموقت، ينتهي مفعول تأثيره في ليلة الختام.

ما يعرفه فنّانو اليوم عن الفن، ممّن هم دون الثلاثين سنة من أعمارهم، لا يتخطى سياج ما كانت المؤسسة الفنية البديلة (الاسواق والمزادات) قد قدمته مفهوماً للفن. ما من قيمة للمعاني التاريخية فهي لن تكون موجودة على طاولة النقاش الذي يتطلع إلى اختراع فنّ تفاعلي، لن يكون فيه الفنان إلا شاهداً. الفنان العربي اليوم لم يعد إلا شاهداً. أما حضوره، إن كان له حضور، فهو لا يتعدى التزيين. ولكن ما معنى أن يكون الفنان شاهداً؟

عزلة الفنان العربي

حين اقتيد الفن في العالم العربي إلى غرفة الإنعاش، كان واضحاً أن تلك الخطوة لم تكن اجراءً انقاذياً، بقدر ما كانت نوعاً من تقييد الحركة، وهذا ما لم يأخذه الفنان العربي على محمل الجد. كان خياله الاقتصادي (إن وجد) يعمل في منطقة أخرى، تغلب عليها النيات الحسنة. لذا لم يكن في إمكانه أن يدرك أن اقتصاد السوق سيحاصره ليضعه بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يخضع لسلطة المال التي هي سلطة موضوعية شرسة وإما يظل متمسكاً بانحيازه الذاتي لقوة الفن فيكون في الحال الثانية قد اختار العزلة التي ستفرض عليه من خلال قوة اقصائية ناعمة، لم تضع أصلا فكرة احتوائه فقرةً في أجندتها. هناك اليوم مئات الرسامين العرب لا يجدون لهم منفذاً لعرض أعمالهم.

في الحالين، ستكون الخسارة واحدة. فريق خسر نفسه وفريق آخر خسر فرصته في العرض. ما يجمع بين الإثنين، موقفهما السلبي في النظر إلى المعطيات الثقافية للمرحلة التي يعيشانها، وهذا ما ساهم في توسيع نطاق دائرة السوق التي صارت عنواناً ثابتاً للقاء سماسرة الفن وبرفقتهم حشد من الفنانين الذين قرروا أن يربطوا مستقبلهم بإرادة أولئك السماسرة. هم شهود بطريقة مضادة. أكانت عبوديتهم التي تجسدها عقود وقّعوها، تنص على احتكار نتاجهم الفني، هي مصدر شعورهم بالتفوق على الآخرين ممن صارت العزلة تستعبدهم؟

لعبة المليون دولار

لكن ذلك التواطؤ لم يكن في إمكانه أن يقف في مواجهة طوفان الرؤى الجديدة الذي صار يجتاح عالمنا انطلاقاً من مكاتب الحسنوات وصولاً إلى ضربة المطرقة في المزاد. حين بيعت لوحة لفنان عراقي يقيم في الولايات المتحدة ولم يكن معروفاً، بمبلغ مليون دولار أثناء إحدى دورات مزاد كريستيز في دبي، شعر الجميع بالحسد. لم يلتفت أحد إلى تلك الظاهرة الاستثنائية في تاريخ التشكيل العربي إلاّ من جهة نفعية. لم يتساءل أحد مثلاً، كيف قُدِّر للرسم العربي أن ينتقل من مستوى العشرة آلاف دولار معدلاً قياسياً للوحات الكبار من الفنانين العرب إلى مستوى المليون دولار ثمناً للوحة فنان شاب، متواضع الامكانات ولم يُعرف من قبل بحضوره العالمي. أحدث ذلك بالمصادفة؟ مَن باع ومَن اشترى؟

هناك سياق مجنون يقع خارج أي منطق.

المطلوب منا، بعدما تم تعطيل النقد في حياتنا الفنية، أن نصدّق كل ما يجري. من وجهة نظري التي لا أعتقد أن أحداً يقاسمني إياها، لم تكن لوحة المليون تلك إلا كذبة أريد منها أن تكون مقياساً للوهم الذي سيسقط فيه الكثيرون. لقد بحث الكثيرون في سيرة ذلك الفنان من أجل أن يعثروا على الثغرة التي كانوا يعتقدون أنها ستساعدهم في الوصول إلى موقع الاختراق. وهو، كما أرى، جهد عبثي. ذلك لأن نوادي الفن السرية لن تسمح للمتسللين بالدخول إلى محافلها. شيء أشبه بالأسطورة المعاصرة يكاد يحيق بنا من كل الجوانب. لا أحد في إمكانه اليوم أن يحدد جهة الاختراق.

غزو ثقافي مستتر

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان الحديث عن الغزو الثقافي يأتي مشوباً بريبة عقائدية وكان هناك مَن يرى فيه نوعاً من النبوءة الفاسدة، بسبب خوف الأنظمة الوطنية من الخارج الذي كانت ترى فيه عدوّاً جاهزاً. بعد خمسين سنة صار علينا أن نعترف أن تلك الأنظمة كانت محقة في هذه النقطة بالذات. لكنه الحق الذي حملنا باطله. كان في إمكاننا أن نكون أقوى لو أن تلك الأنظمة لم تغلق أمامنا الطرق كلها ولم تهبط بعماها العقائدي على عيوننا. كان فشل تلك الأنظمة يكمن في رغبتنا في التلصص على ما يجري في الخارج بعدما فرضت ستاراً حديداً يحول بيننا وبين ذلك الخارج. لقد استهانت تلك الأنظمة بقدرتنا على التمييز، الأمر الذي سهّل وقوع أجيال في فخ القبول بكل ما تجلبه السوق معها من أمنيات، لن يكون الجزء الأكبر منها سارّاً.

كذبة الحاجة إلى فن جديد

يُعرَض الفن العربي اليوم في السوق. قديمه في المزاد، أما جديده فيمر من خلال مزاج أجنبي لا يرى فينا إلا كائنات طارئة على الفن. يجهلنا ذلك المزاج حين يعتبرنا مجرد كائنات فولكلورية، لا شغل لها سوى الخزف والسجاد. فهل وصلنا إلى الحقيقة؟ أيّ حقيقة؟ هي حقيقةُ ما لم يعد أحد راغباً في أن يشير إليه. لقد تمّت غوايتنا وانتهى الأمر. فبعدما تمّ تعطيل حياتنا الثقافية الطبيعية، صار علينا أن ننتظر وقوفاً عند أبواب غرف الانعاش ما يمكن أن ينقذنا من الفراغ الذي صار يحيط بنا. لقد قالت إحدى الناشطات اللبنانيات ذات مرة إنها في صدد إقامة أكاديمية لتعليم الفنون ولم نصدّقها فهي تجهل ما الفن. وها هي اليوم تتصدر المشهد بقوة التمويل الذي استطاعت أن تحصل عليه. ليس لديها ما تقدّمه، غير لغة الهدم التي صارت بالنسبة إلى العرب لغة للفنون المعاصرة. بالنسبة إلى تلك الناشطة كانت القطيعة مع التاريخ ضرورية من أجل أن يقع مشروعها على أرض صلبة. جهلها بالفن العربي صار مشروعاً للتجهيل المطلوب من الجهات الراعية. هناك أجيال من الفنانين ستكون مضللة تحت عباءة ما بعد حداثتها. كانت الفنون المعاصرة ذريعة لتدمير بنية الفن العربي، بما انتهى إليه ذلك الفن من نتائج جمالية. كانت هناك حاجة إلى فن آخر.

فن خلاسي في انتظارنا

سيكون الاعتراف واجباً. لم تمسك الناشطات في مجال الفنون طرف الخيط إلاً بسبب الكسل الذي اعترى حياتنا الفنية. لقد كنا فنانين ونقاداً مطمئنين إلى أن المؤسسة الرسمية الراعية ستكون موجودة دائماً، وأن السياق التاريخي سيكون تقليداً راسخاً إلى الأبد. وكان ذلك الادعاء مخجلاً من حيث سذاجته. لقد اختفت تلك المؤسسة وصار التاريخ مجالاً للتندر. في بيروت اليوم عشرات القاعات تديرها فتيات لا يعرفن مَن هو صليبا الدويهي أو بول غيراغوسيان أو أمين الباشا. في عمّان يبدو مهنا الدرة غريباً لا يعرفه أحد. في بغداد يبحث سالم الدباغ عن قاعة ترضى بعرض أعماله. كان الرسام المغربي أحمد جاريد قد حدّثني عن غربة تشبه غربة الفنان المشرقي. هل سُرقت فرصة الفنان العربي أم أنه كان سبباً في ضياع تلك الفرصة حين لم يكترث بالزمن؟

لقد بلغنا قعر البئر. وهي جملة مخادعة. لا تزال هناك مسافة ممكنة حتى يختفي الفن العربي لنشهد ولادة فن خلاسي، هو الفن الذي سيمهد لولادة شرق أوسط جديد، المصطلح الذي يفهمه الفنانون الجدد بديلاً من مصطلح العالم العربي الذي لم يعد قيد التداول بالنسبة إلى القيمات على أنشطتنا الفنية. وإلا فما معنى أن تشرف يابانية على بينالي الشارقة، وإنكليزية على آرت دبي، وهندية على جوائز كابيتال في أبو ظبي، وفرنسية على آرت بيروت؟

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق