نقد المضمون في بيان محمد أركون

أعتقد أننا نعيش اليوم في عصر ابتعدنا فيه بشكل ملحوظ عن التأمل والتفكير والتحليل في الظواهر والقضايا والمشكلات التي تواجهنا وبالتالي لا يمكننا تحديد الأبعاد و الإفرازات التي تنتجها، أنها الخلقة التي خلقنا الله عز وجل عليها ووميزتنا عن غيرنا من الكائنات وهي ميزة العقل والتفكير وهذا مصداقا لقوله عز وجل في سورة الإسراء “ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” وأننا اليوم في حاجة ماسة إلى إعمال الصفة العقلية على الكثير من اعتقاداتنا و سلوكاتنا وإعادة النظر في حقيقة العديد من المضامين العقائدية والقيمية بمختلف أنواعها وكذا إعادة مراجعة السياقات التاريخية للأحداث ومعالجة الارتدادات الناجمة عليها، يعتقد الكثير من الكتاب والمفكرين المسلمين منهم والمستشرقين الغربيين الذين درسوا بتمعن تاريخ الفكر الإسلامي عبر مراحله المختلفة وحاولوا الولوج إلى عمق الأزمة التي أسقطت الحضارة الإسلامية بمكوناتها العلمية والفكرية والمادية والثقافية وتركتها تتوارى في نفق لم تستطع الخروج منه، اجمع هؤلاء أن الإسلام كدين وتشريع منزل من الله عز وجل ومصادره الأساسية والمتمثلة في القرآن الكريم كخطاب والسنة النبوية كسلوك ترجم القيم التي حملتها النصوص القرآنية بالإضافة إلى الإجماع قد أفرزت مجتمعا ملغى العقل والشخصية لأنه أصبح بعد الرسالة المحمدية تحت وصاية ربانية وان جميع الأفعال والأقوال قد تم بيانها في التشريع الإسلامي وبيان صوابها من عدمه وتصنيفها مابين “الحلال” والحرام “وبعد الوصاية الدينية يأتي القائمون بأمر هذه الوصاية وهم رجال الدين والعلماء والمشايخ وهؤلاء تصطبغ عليهم بعض القدسية لعظم ما يقومون عليه بين الناس، لقد حصر المستشرقين الغرب والمتأثرين منهم بالفكر الغربي من الكتاب العرب جل أسباب سقوط الحضارة الإسلامية والعربية في الدين و في العقيدة ومكوناتها رغم أنها السبب الأساسي في انبثاقها إلى الوجود ولطالما استعمل هؤلاء المقارنة بين الحضارة الإسلامية وأسباب سقوطها والنهضة الأوربية وما صاحبها من تنوير وانفتاح على عوالم وحضارات أخرى وانتقال الحضارة الغربية من التفكير اللاهوتي والميتافيزيقي إلى التفكير العقلي المنطقي الذي يستنطق الأشياء من واقعها المادي المحسوس ولا يؤمن إلا بما تثبته المناهج العلمية ويتوافق على صحته العلم الحديث وأدواته ولهذا كما يرى المستشرقون و ومفكرينا في المهجر انفصلت الحضارة الإسلامية وخرست لأنها ببساطة تجردت من وسائل العقل والبرهان وبقيت رهينة السجالات الدينية والعقائدية دهرا من الزمن محاولة بذالك العودة إلى أصل التشريع الذي أنهكته الاختلافات والصراعات الفكرية والمذهبية بين الطوائف المتعددة في الإسلام، لقد اطلعت على بعض ما كتب المستشرقين ولن ادعي أبدا أني كنت نهما في البحث ولكني اعتمدت على بعض النصوص التي توفرت لي لبعض الدارسين والمفكرين العرب الذين خطوا طريقا جديدا محاولين تجديد الفكر الإسلامي والانتقال به إلى مسار الفكر العلمي ومحاولة الانفتاح على تيارات عقائدية أخرى استطاعت أن تنتقل من الفلسفة الصامتة التي تعمل على الاستغراق في التشكيك والتفكيك وخلق الفوضى العقائدية و العصبية إلى تفعيل الفلسفة الواقعية التي تندمج مع العلم وأصوله في التساؤلات والتحليل والبرهان والبحث عن النتائج التي تثبتها التجربة، كثيرون أولئك الذين كتبوا في تجديد الفكر الإسلامي ومنهم من اختلط عليه الأمر وانتقل من دراسة الفكر الإسلامي ومواضع التجديد فيه إلى دراسة الإسلام كتشريع والتشكيك في مصادره وأسسه وكذا التشكيك في من حمل هذه الرسالة، صدمت في الوهلة الأولى وأنا اقرأ بعض النصوص التي كتبها المفكر الجزائري محمد أركون في نقده للعقل الإسلامي ونقده للنص القرآني ونزع صفة الكمال والتقديس عنهما ولكن سرعان ما أعادني أستاذي الدكتور بلقاسم بن روان إلى جادة الصواب وقال لي بالحرف الواحد” عليك أن تتجرد من عاطفتك تلك فهي منبوذة في مجال البحث العلمي، أنت أمام نص فلسفي فكري لمفكر قضى أكثر من خمسين سنة يتدارس الفكر الإسلامي ونحن محتاجون إن ندرس ما قدمه الرجل بحيادية وبكل مصداقية “لقد بدأت عمل البحث عن أصل الرجل ونشأته ومسيرته العلمية فوجدت انه تتلمذ على يد الكثير من المبشرين المسيحيين رغم أن نشأته كانت في أسرة مسلمة تتصف بالاعتدال في إسلامها ولست اعرف أن كانت نشأته تلك على يد المبشرين البيض له أم عليه ولكنها طبعت في الرجل كما يبدوا دوافع البحث والتساؤل والمقارنة بين الأديان والمذاهب ولن اذهب إلى ما ذهب كثيرون من النقاد الذين انحرفوا من نقد المضمون إلى تجريح شخصية المفكر واتهامه بالانسلاخ عن أصله وجلدته وتسخير مشروعه الفكري لضرب الإسلام في العمق من خلال التشكيك في مقدساته وكأن هذا الدين الذي صمد أمام الردة في عهد الخلفاء الراشدين وهي اكبر الفتن وكذالك فتنة خلق القرآن في عصر الدولة العباسية لن يستطيع الصمود في عصرنا هذا طبعا” إذا افترضنا أن ما يقال صحيح في شخص المفكر الجزائري محمد أركون كما أن تجريح الشخص دون المضمون لا يفيد القارئ الباحث عن الحقيقة في شيء فهو يبحث عن سجال علمي وفكري بين الطبقات والتيارات المختلفة، سجال تعلوا فيه البينة والحجة والاستشهاد والمقارنة والمقاربة وليس نوعا من السباب المنمق الذي يزيد من رفعة ومكانة المفكر أيا كان وتحط من قيمة النقد والناقد على حد سواء، لقد قيل الكثير عن كتابات المفكر محمد أركون وعن جرأته في طرح مواضيع وأفكار يراها البعض سهاما طاعنة من مفكر مسلم للإسلام والمسلمين وخاصة عندما يصل الأمر في تشكيكه بالنصوص القرآنية ووصفه لما جاء فيها من القصص والعبر بالأساطير كما أن اغلب خطابات المفكر محمد أركون للمجتمع العربي جاءت بلغة الغير منتمي لهذه المجتمعات وثقافاتها ونسيجها وهو أمر قد يكون مبررا لأن الرجل ترعرع وعاش وزاول دراسته وتدريسه ومسيرته العلمية في فرنسا وهي قضية جوهرية قد لا يفهمها البعض كيف يستطيع المفكر محمد أركون أن يدرس نفسية وشخصية وذهنية المجتمع العربي الإسلامي وهو الذي عاهد غيره؟؟ وحتى إذا عدنا إلى المجتمع الجزائري الذي هو مصدر انبثاقه فهو لا يعبر بالشكل السليم و الصحيح على بنية المجتمع العربي بحكم المخلفات الثقافية والاجتماعية للاستعمار الفرنسي على الأقل في العقدين اللذان أعقبا الاستقلال، يقول المفكر محمد أركون “إن احد ميادين تطبيق هذا المسار الذي اخترت والذي فرضته علي الأحداث كذالك هو دراسة القرآن ولكنها دراسة بمثابة إعادة قراءة مستندة في أن واحد على كل التجارب الثقافية التي بلورها الفكر الإسلامي على قاعدة القران في المرحلة الكلاسيكية وكذا على الإستعمال الحالي للنص القرآني من قبل المسلمين في مختلف المجتمعات الإسلامية وهو استعمال مغاير لما كان عند مفكرينا القدامى هذا من ناحية ثقافية ”وكأن المفكر محمد أركون يفرق بين العلاقة التي جمعت المسلمين بالقرآن الكريم كدستور ونص ومصدر فالعلماء والمفكرون القدامى كان لديهم اليقين والإيمان التام ليجعلوا منه منهاجا لحياتهم ومنارة لأفكارهم، لقد تحول النص القرآني في العصر الكلاسيكي إلى سلوك وثقافة عكس الاستعمال الحالي للنصوص القرآنية والذي أصبح يمثل للجماعة المسلمة حاجة نفسية و اجتماعية خاصة إذا ما تعلق الأمر بالهروب من فوضى الحياة المعاصرة إننا نستعمل القرآن الكريم على حد قول المفكر محمد أركون للإجابة على العديد من الإشكالات التي لا نجد من يجيبنا عليها تلك المتعلقة بالموت والحياة واليوم الأخر والقدر، ثم يضيف محمد أركون “يستعمل القرآن شكلا لغويا ونماذج ثقافية ومراجع أسطورية وكونية ومؤسساتية وتاريخية يدركها الجمهور العربي من أهل القرن السابع عشر لحض الإنسان على أن يعي أوضاعه في مجملها” لقد استعمل المفكر مصطلح الأسطورة على بعض الشخصيات التي جاء بها القرآن والنماذج الثقافية وهي القصص القرآنية وهنا لا يمكننا إلا أن ننطلق إلا من التحليل المفاهيمي لمصطلح الأسطورة وهي الخرافة والحدث أو الشخصية المبنية على الخيال الإبداعي للإنسان والتي يوظفها لأغراض معينة قد تكون سياسية أو ثقافية لكنها لا تمت للواقع بصلة لا يفرق المفكر محمد أركون بين الأساطير الإغريقية والفرعونية والبابلية واللاتينية وما جاء به القرآن الكريم من القصص لأنهما يعبران عن الموروث الثقافي والتاريخي لحقبة زمنية معينة كما أنهما يشتركان في وظيفة ترسيخ مجموعة من القيم العقائدية والسلوكية والأخلاقية كما انه اعتبر القرآن الكريم شكلا لغويا وفي العبارة إلغاء واضح لباقي الجوانب التي يتضمنها النص القرآني فهو مجموعة من النصوص الأدبية التي توارثتها الأجيال وغيرت فيها عبر تعاقب الأزمان فلا أحد يوهمنا حسب تفكيره إن هذه النصوص المجمعة في المصحف الكريم هي تلك التي نزلت على سيدنا محمد بشكلها الشفوي إن القرءان الكريم هو موروث ثقافي كغيرها من الأرصدة الأدبية الذي توارثتها المجتمعات العربية لا يفرق المفكر محمد أركون بين النص القرءاني ورباعيات الخيام وحكايا ألف ليلة وليلة وكتابات بديع الزمان الهمذاني والمعلقات و جاحظيات وهنا يبدأ الانحراف والتجني والتحريف في فكر محمد أركون لأنه يتغاضى قصدا أو بغير قصد على البعد الإعجازي في الذكر الحكيم وكيف أسس القرآن الكريم إلى فهم جديد للكون ومكوناته واصبغ على التفكير الإنساني الرؤية العقلية والمنطقية والمنهجية للتعرف على الحقيقة ودعنا نتعرض لبعض النصوص القرأنية التي تحمل في طياتها النزعة التحررية والعلمية التي يعتقد محمد أركون أنها غيبتها في عقل المسلم “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ اعتقد أن التفاسير القديمة قد ركزت على أسباب النزول وسرد تفاصيل الحدث القرآني فتفسير ابن كثير والقرطبي والطبري تناولت هذه الحادثة بصورة تناقلية سردية سلطت من خلالها الضوء على المحيط الذي ترعرع فيه والمعاني التي تضمنتها الآيات في بيان اهتداء سيدنا إبراهيم إلى الحقيقة، إن هذه الآية لدليل دامغ على تبني النص القرآني للمنهج الاستقصائي وبدا واضحا في الخطوات التي قام بها سيدنا إبراهيم عبر طرحه للإشكالية الكبرى إذ جاء في تفسير القرطبي انه سأل أمه : من ربي فقالت : أنا فقال : من هو ربك؟ فقالت : أبوك فقال : ومن هو ربه؟ فقالت : النمرود بن كنعان فقال :ومن هو ربه؟ فلطمته وقد عاصر سيدنا إبراهيم النمرود بن كنعان وهنا بدأ سيدنا إبراهيم القطيعة الإبستمولوجية مع كل العادات والتقاليد والاعتقادات السابقة وبدأ يلاحظ ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض ويضع الافتراضات اللازمة للإشكالية الكبرى التي وضعها ويخضع الظواهر الكونية التي تبادرت له أنها إجابة لإشكاليته للتحليل العقلي ، إن النص القرآني في حد ذاته والمضامين التي جاء بها من تعاليم هي احد أقوى الأسباب التي أدت إلى ازدهار العلم والمعرفة خاصة في الدولتين الأموية والعباسية بصورة نموذجية لأن الأمور كانت قد استتبت ويمكننا التأريخ لبعض العلوم في هذه المرحلة فعلم الفلك هو من بين العلوم التي ازدهرت في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور وكذالك العلوم الإحيائية كالطب والصيدلة وغيرها لقد وردت في القرأن الكريم الكثير من المواضع التي تشدد على الروح العلمية والنزعة التحررية والالتزام بالتشكيك والنقد ففي قوله عز وجل”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “البقرة 260 وهو قمة التحرر وطلب البرهان والبينة من المولى عز وجل ولهذا اعتقد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أول من استعمل خطوات البحث العلمي للوصول إلى اكبر إشكالية واجهت البشرية ولا تزال توجهه هي حقيقة الخلق والخالق، أننا ندرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الإسلام كدين جاء ليحرر العقل وليس ليجعله متقوقعا ومنغلقا كما يرى المفكر محمد أركون، كما أنني اعتقد أن المفكر محمد أركون قد اخطأ وأصاب فالتفسيرات القديمة للقرآن الكريم لم تعد تقدم الدلالة التامة لما يتضمنه القران الكريم فالعلوم الجديدة الدارسة والناقدة للنصوص القرأنية أكدت بما ليس فيه شك ولا لبس أن القرأن الكريم يتضمن من العلوم والشروحات المفسرة للحركة الكونية والمجرات والأفلاك وكذالك الوصول إلى حقيقة التكوين البشري والجيني مما يؤكد أن هذا ماهو بقول بشر إنما هو قول من خلق البشر يقول الدكتور زغلول النجار” إن المفسرين الأوائل للقرآن الكريم قد اجتهدوا في تفسيره على القدر الذي وفره لهم الظرف الراهن و الأقوال والأحاديث المتواترة من الصحابة والتابعين ولكن العلم الحديث اليوم يرتفع عن تلكم التفسيرات لقد اكتشفنا أن مكة المكرمة هي محور الكرة الأرضية من خلال تحليل النص القرآني ودلالاته اللغوية، إننا نثبت يوما بعد يوم إن القرأن الكريم هو أعظم مصادر العلم والمعرفة “لقد أهمل المفكر محمد أركون كل هذه التفاصيل وتقوقع بدوره في دراسة النصوص الإنجيلية والتوراتية ومقارنتها بالنص القرآني واكتفى بدوره بدراسة الحدث الأدبي في القرأن دون التطرق لأبعاده العلمية ، ثم يضيف المفكر محمد أركون” إن الفكر الإسلامي لا يمكنه التهرب طويلا، إن فعل الإيمان “الأرثوذكسي” المحتسب دوما يقوم على التأكيد بأن الدين يرتكز على الوحي الذي انزله الله للناس بواسطة الأنبياء وبالتالي فإن الدين فوق المجتمع لكن الواقع العلمي الحديث ينزع إلى فرض فكرة إن الدين كله في المجتمع، الله بذاته بحاجة إلى شهادة الإنسان له « إن التشبيه التي يقدمه المفكر محمد أركون ما بين الإسلام والمذهب الأرثدوكسي خاطئة بالمجمل فالفكر الأرثوذكسي قد نصفه بالدوغامتية و التطرف إن خاصية التسليم الرسولي لدى المذهب الأرثوذكسي تكرس عملية التسليم المطلق لكل ما جاء به الآباء والقساوسة دون تأويل ولا تحويل لان هذا تشكيك في السيد المسيح نفسه ودخول في الهرطقة و الدجل بيد أن الإسلام فتح الباب واسعا للاجتهاد والتحقق مما ينقل إلينا ولهذا فإننا نجد مجموعة من التفاسير المختلفة للقرآن الكريم كل حسب اجتهاده وتحققه من الروايات المتواترة كما أن الإسلام كتطبيق للعبادات ينقسم إلى المذاهب الكبرى وهي الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية كلها تتفق في الأصول وتختلف في الفروع كلا حسب اجتهاده، لا يمكن لأحد إن يقول غير ذالك فحتى النصوص القرأنية تملي على النبي صلى الله عليه وسلم التشاور والتحاور مع أصحابه بالرغم من إن الوحي يأتيه من السماء يقول تعالى “وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” والمواقع التي فسح فيها الوحي المجال للصحابة كثيرة في السيرة النبوية الشريفة في حين أن الكتاب المقدس المعتمد لدى الطائفة الأرثوذكسية جاء فيه التالي “وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوه” وفي موقع أخر “نوصيكم أيها الإخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تتجنبوا كل أخ يَسلُك بلا ترتيب، وليس حسب التعليم والتقليد الذي أخذه منا” وهذا طبعا مع الفارق بين القرأن الكريم و غيرها من الكتب التي ادعى أصحابها صحتها، أن المفكر محمد أركون يرى أن العقل البشري في الحقيقة هو فوق جميع السلطات وانه من غير الممكن في عصرنا هذا إن يبتز هذا لعقل باسم اللاهوت والغيب والسلطة «الإلهية في حين إن هذا العقل استطاع الوصول إلى القمر بفضل العلم والمعرفة وهي رؤية نسبية فالعقل مهما ارتفع وعلم تبقى بعض التفاصيل الغائية التي عجز وسيعجز عن فك رموزها لأنها من اختصاص الخالق ولعل أهمها “الروح” و الموت“” وبداية الخلق “وهي أمور لم تستطع المناهج العلمية في مجملها الإجابة عليها، اعتقد أن المفكر محمد أركون أراد جاهدا أن يحقق نقلة نوعية في الفكر الإسلامي حاملا معه التجربة الأرثوذكسية والثورة التنويرية التي حصلت في أوربا كأنموذج لمشروعه على مدى خمسين عام من النشاط الفكري للمفكر إلا أنها بقيت رهينة السجالات النظرية لأنها لم تراعي بدورها النسيج المجتمعي والعقائدي والثقافي للمجتمعات العربية المسلمة و لا يمكننا أبدا التشكيك في نية المفكر في تحرير المجتمعات الإسلامية ونقلها إلى حال أفضل وهو ما عبر عنه في العديد من المناسبات فلنا الظاهر ولله الباطن ولن نقوم مقام المولى في الحكم على الخلائق، لقد اجتهد المفكر محمد أركون ودافع عن الإسلام في عدة مواقع عندما وهو ما عرضه للنقد والهجوم اللاذع في المهجر وبالرغم من خروجه المتكرر عن النص إلا إننا نحتاج إلى أن نعيد قراءة ما أنتجه بعقلانية وتجرد من العاطفة والانتماء لعلنا نجد من الفائدة ما لم نجده لدى غيره من الكتاب، كم أننا مدعوون اليوم كمثقفين ونخبة وكتاب ومفكرين بالالتزام بالروح العلمية في تناولنا للدراسات المختلفة والتحلي بالحيادية و المصداقية وتغليب الانتفاع العام على المصالح الشخصية والأفاق الضيقة وكم أتذكر ذاك الحوار الفكري الفلسفي الجميل بين فيلسوف غرناطة”ابن رشد “والمفكر العلامة”أبي حامد الغزالي “والذي كتب كتاب” تهافت الفلاسفة “فرد عليه ابن رشد بعد ثلاثة أرباع القرن بكتابه” تهافت التهافت ” فكان بحق سجالا فكريا بلغ من الرقي ما لا يمكن تداركه في يومنا هذا، يكفي اليوم أن لا نقف موقفا سلبيا من المفكر محمد أركون أو المفكرين الآخرين ونلتفت لتأسس لفكر جديد ومنهاج مغاير.

هشام سراي: كاتب وأكاديمي جزائري

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق