هناك من يربّي عداوة بين اللبنانيين والسوريين / يوسف بزي

وصل الكاتب السوري الشاب إلى مطار بيروت. على الفور، أوقفه ضباط «الأمن العام» لمدة ساعتين. كانوا يتحققون منه، ومن سبب زيارته. كان يمكن لهذا الإجراء أن يبدو طبيعياً لولا المعاملة السيئة، المفعمة بالإهانة والإذلال المتعمّدين.

ما لاحظه الكاتب السوري في ملفه لدى «الأمن العام» كلمة «موهوب». وبطبيعة الحال، يحمل الملف معلومات إضافية من نوع «معارض» أو «معتقل سابق في سوريا»..إلخ. الجهاز الأمني اللبناني يبدو نشطاً في هذا المضمار، أي ترتيب ملفات وتقارير عن «الموهوبين» والمعارضين السوريين. ويبدو أن معلوماته مستقاة من مصادر أصلية واسعة الإطلاع، تعرف من هو الموهوب ومن هو المعتقل السابق ومن هو المعارض. على الأرجح هذه المصادر ليست بعيدة عن أجهزة النظام السوري نفسه. ونتجرأ على هذا التخمين، طالما أن وزير العدل اللواء أشرف ريفي قال يوم الأربعاء الماضي: «القضاء (اللبناني) لن يكون أداة في يد النظام السوري، لتنفيذ توقيفات ظاهرها قضائي ولكن خلفياتها سياسية»، في معرض رده على قيام «الأمن العام» بتوقيف الفنانة السورية المعارضة، أصالة، وحجز جواز سفرها.

ما بين أفعال «الأمن العام» وموقف وزير العدل فجوة كبيرة، تدلنا على سعة الانقسام السياسي العميق الذي يشق المجتمع اللبناني ودولته ومؤسساته. انقسام مذهبي وطائفي، علاوة عن كونه انقساماً في المحاور الإقليمية والدولية، يترجم نفسه بقوة في الصراع السوري المرير، بين سفالة الإنحياز لنظام بشار الأسد أو التضامن مع الشعب السوري.

ما حدث للمغنية أصالة في مطار بيروت، يكشف على نحو مخزٍ استمرار «التنسيق الأمني» بين بعض الأجهزة اللبنانية والمخابرات السورية. ويكشف أيضاً أن مؤسسات الدولة اللبنانية، الأمنية والخدماتية والسياسية، تتوزع ولاءاتها دون القرار الرسمي ودون قرار الحكومة، إن وجد هكذا قرار أصلاً.

وإذا كانت نجومية «أصالة»، منحتها بعض الحصانة، وأوقعت الدولة اللبنانية في الحرج إلى حد الفضيحة، فإن مئات السوريين الذين يتعرضون يومياً للمضايقات والإهانات وحتى الإيذاء الجسدي، لا يجدون أي حصانة تصون كرامتهم.

ويتفاقم التأزم اللبناني على وقع الحدث السوري، ليس فقط في الاستنفار المذهبي الحاد، بل في إسقاط المعضلات اللبنانية كلها على مسبب واحد، كبش فداء مستضعف، ومن السهل النيل منه: النازح السوري.

على هذا النحو، وانتقاماً للمهانة التي تعرض لها الجيش اللبناني في عرسال، منذ شهرين تقريباً، تُشن حملة على النازحين السوريين في البلدة وتُحرق خيامهم، ويُقتل طفل منهم، وتنتشر صور المعاملة المسيئة للشبان والرجال السوريين، لتنتهي الحملة بتوقيف 22 شخصاً «للإشتباه بانتمائهم لمنظمات إرهابية» (فقط اشتباه؟!) بالإضافة إلى توقيف 36 شخصاً «لدخولهم الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية» (معظم النازحين دخلوا بطريقة غير شرعية!).

هنا تجد العنصرية اللبنانية «التلقائية» (إن صح التعبير) نهجاً سياسياً رسمياً لها. فبعدما كانت عنصرية تتذرع بالاختلاف الثقافي أو الطبقي وأنماط العيش وتقاليده، ومتحولة إلى سلوك تمييزي مشين. وبعدما كانت عنصرية قائمة على ضغائن شعبوية وشوفينية، غذتها تجربة الحروب واحتلال جيش النظام السوري ومخابراته للبنان. وبعدما كانت عنصرية نابعة من الخوف الديموغرافي الطائفي وامتداداً للعصبيات المذهبية وأحقادها.. ها هي العنصرية اللبنانية تكتسب بعداً جديداً إذ تتحول إلى «سياسة رسمية» تترجم نفسها في الإجراءات الأمنية والعسكرية والإدارية، كما في التدابير التي تعلنها المجالس البلدية أو سلطات تطبيق القانون الأخرى. عدا عن «فحيح» الإعلام والمناشير وفناني «عبدة الصباط»، والحملات الدعائية الأخرى التي بات من الواضح أنها منسقة ومنظمة.

لا شك أن قسماً كبيراً من اللبنانيين قدم تضحيات من أجل نصرة الشعب السوري، وأظهر قدرة ومرونة فائقتين في استيعاب عدد من النازحين السوريين يماثل ثلث السكان، وتحمل أعباء هائلة في تقاسم القدرات والموارد الضعيفة أصلاً، بل إن مظاهر التعاطف والشهامة والتكافل هي الغالبة على امتداد السنوات الثلاث. ولا شك أن قسماً لا يستهان به من اللبنانيين، «تحلّى» بوضاعة سياسية جعلته متورطاً في الدم السوري وفي خراب سوريا. هذا ما اختزله ببراعة الكاتب والناشر السوري المقيم بباريس فاروق مردم بك، قائلاً: «ما فهمناه في محنتنا، نحن السوريين، أن أصدقاءنا اللبنانيين أنبل الأصدقاء، وأن أعداءنا اللبنانيين أنذل الأعداء. فهم الفلسطينيون ذلك قبلنا«.

«أنذل أعداء السوريين» من اللبنانيين، يعرفون بيقين أن المليونيّ سوري تقريباً الموجودين في لبنان، هم هاربون من النظام السوري تحديداً. يدركون أن الذي هجّرهم من بلادهم هو جيش الأسد المدعوم من مقاتلين لبنانيين من صنف «الأنذال» إياهم. ولهذا السبب بالذات، ما ينزل بالسوريين من عقاب عنصري ممنهج داخل لبنان، هو امتداد لحرب الاستئصال التي تطالهم داخل سوريا. إذ إن النظام السوري وصلت به الحقارة إلى حد أنه لم يتنكب عناء ولو مجرد بيان احتجاجي دفاعاً عن كرامة «مواطنيه»، فهؤلاء ليسوا من رعايا «سوريا المفيدة»، على ما تفتقت به إحدى النظريات السياسية. والنظام السوري نفسه فائق العنصرية تجاه رعاياه، وحكم طوال أكثر من أربعين عاماً بنظام تمييزي، شديد العنصرية. لولا ذلك ما كانت له هذه القدرة الوحشية في القتل، وهذه الشهية على المجازر. فقط نظام عنصري أصيل هو الذي يستطيع إخراج ملايين السوريين من خانة البشر، فيستسهل رشهم بالمبيدات الكيماوية ورميهم بأطنان البراميل المتفجرة. وها هم حلفاؤه من اللبنانيين يلاقونه تنكيلاً وإيذاء ومهانة بالهاربين من بطش الفاشية الطائفية «البعثية»، والواقعين الآن تحت بطش الفاشية الطائفية اللبنانية.

ما يحدث الآن، هو «تربية» عداوة مقصودة، وتنميتها بسرعة بين اللبنانيين والسوريين. يتم اختراع أحقاد وضغائن، ويسقط ضحايا في الأثناء، ويتلاقى إرهابيو «داعش» و»النصرة» مع إرهابيي النظام السوري و»حزب الله» في توريط لبنان الرسمي وجيشه وأجهزته، بحرب قذرة على النازحين السوريين، إن استمرت ستكون أفدح بما لا يقاس، بنتائجها الكارثية، من خطيئة المنظمات الفلسطينية وأحزاب «الحركة الوطنية اللبنانية» و»الجبهة اللبنانية» عندما جروا الفلسطينيين واللبنانيين إلى مذبحة أكل فيها النظام السوري وإسرائيل لحمنا حتى العظم.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق