الكوميديا «الإلهية لدانتي هل هي بداية الأدب الأوروبي الحديث؟

كارلو أوصولا عالم فيلولوجيا مختص في الأدب الإيطالي، هو أستاذ في الكوليج دو فرانس منذ سنة 2000 حيث يشغل كرسي الآداب الحديثة في أوروبا النيو-لاتينية. من 2009 إلى 2012، خصص محاضراته لقراءة دانتي و هي دراسات معمقة جدا للكوميديا «الإلهية صدرت في كتاب تحت عنوان “مدخل إلى الكوميديا «الإلهية” سنة 2013. 

 لماذا يعتبر كتاب «الكوميديا «الإلهية“دائما من أهم روائع الأدب العالمي في حين أنه نص قروسطي مرتكز على مرجعية عتيقة ولاهوتية؟

قبل كل شيء هي بلا شك”قصيدة الإنسانية الأكثر غنى، على حد تعبير الكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخس، والذي يعتبر هذا النص كأول رائعة أدبية إنسانية، “كتاب يجب علينا أن نقرأه. عدم القيام بذلك هو حرمان أنفسنا من أفضل هبة يمكن أن يقدمها لنا الأدب”. وليس بورخس هو الوحيد الذي يذهب هذا المذهب بل تضع كل مراجع الشعر المعاصر الكبرى الأخرى الكوميديا «الإلهية في مقدمة ا الإبداعات الانسانية الكبرى، مثل الأمريكيين ت.س. اليوت و إزرا بوند والروسي أوسيب ماندلستام. وحقيقة يبقى نص الكوميديا «الإلهية في غاية الحداثة لأن نظمه المجازية تسمح بقراءة الحاضر أكثر مما هو الحال لدى فيرجبل في الإنياذة أو أفيد في التحولات إذ لدانتي عبقرية المزج بين كل الزمنيات و كل الشخصيات، فهناك استحضار للأهلة القديمة وكبار شخصيات التراث اللاتيني واليوناني وعلى رأسهم فيرجيل الذي كان له مرشدا في رحلته عبر الجحيم ثم في ما يسمى بـ «المكان المطهر للذنوب» في المسيحية وكذلك شخصيات عصره : البابوات، الأباطرة، ملوك فرنسا، وحتى جيرانه، وأقاربه وكل شعب فلورنسا المحيط به. وهكذا فـــ»الكوميديا» هي «حاضر الحاضر» و“حاضر الماضي” ولكن هي «حاضر المستقبل» أيضا، إذا أردنا استعمال مقولات القديس أوغسطين و هذا هو البعد الأخير للكوميديا «الإلهية بصفحاتها التنبؤية مثلما يحدث حينما نلتقى في الجنة كاسيغيدا، سلف دانتي وحينما يتكهن بمستقبل فلورنسا. وهكذا نرى أن الكوميديا «الإلهية تعتمد على تعددية تسمح باحتواء كل الأزمنة وكل الفضاءات وذلك بمزج الأسطورة والتاريخ والنبوءة. 

الكوميديا «الإلهية عمل ضخم ليس بمنظور الحجم فحسب- 100 ترنيمة وحوالي 15000 بيت شعر – بل و أيضا بتنوع الموضوعات المطروقة. فكيف استطاع دانتي أن يجمع كل هذا الكم الهائل من المعلومات الموسوعية؟ 

من الصعوبة الإجابة عن هذا السؤال لأننا لا نملك أي أثر تاريخي عن دانتي الشخص إذ لم نتعرف بعد حتى على تاريخ ميلاده. كان رئيس دير في مدينة فلورنسا، و هي هيئة قضاء في غاية الأهمية ومع ذلك لا نجد إمضاءه على أي وثيقة. كما لم تكن بخط يده مخطوطة الكوميديا الإلهية التي وصلت مع مخطوطات أخرى من جنوب إيطاليا حيث أنهى دانتي حياته في المنفى. وقطعا يشهد عمله عن تكوين مكتمل جدا، فالنص الهائل ذاته وبنيته المدوخة، كل هذا يبرهن مثلا عن معرفة واسعة في الجغرافيا و علم الفلك وهكذا نرى رحلة الراوي تتم عبر طبوغرافيا ممتازة ودقيقة التحديد : الجحيم بئر حفره الشيطان في قرص الأرض إثر سقوطه العنيف من السماء في أول لحظات الخلق، «مكان تطهير الذنوب» هو الجبل الذي تكوّن إثر رد فعل عنيف على الوجه الآخر من القرص الأرضي، وعلى قمته وضع دانتي الجنة الأرضية، وتبقى السموات، ودوائرها ذات المركز المشترك، المحكومة بالقوى الملائكية. ودانتي ليس جغرافيا فحسب بل تتوزع عبر النص أيضا كنوز من المعارف والتأملات الفلسفية واللاهوتية والسياسية ودون الحديث عن تلك الموهبة الشعرية التي سمحت الربط بين كل هذه الاختصاصات. كان لدانتي أساتذة من كبار علماء فلورنسا، وكذلك شعراء وإنسانويون نقلوا إليه الإرث اللاتيني فضلا عن التقليد الملحمي الوافد من فرنسا، عن طريق واحد منهم هو برونو لاتيتي. ولذلك كانت ثقافته واسعة وإلهامه متنوعا إذ تلخص الكوميديا الإلهية كل معارف القرون الوسطى تقريبا. سمح له تكوينه الشامل بإخراج صورة للإنسانية أظهرت كل جوانبها. وهو ما جعل من هذا العمل قصيدة الإنسانية، قصيدة كل إنسان وكل الناس على حد تعبير إيزرا بوند.

 لقي عمله نجاحا كبيرا في إيطاليا وليس بين الأوساط المتنورة فقط منذ القرن الرابع عشر، وبعد وفاة دانتي بزمن وجيز. ألا يمكن أن يرد ذلك إلى تدوينه بـ “الايطالية”، أي اللهجة التوسكانية في ذلك الوقت، بدل اللغة اللاتينية؟ 

كتب دانتي أعماله الأكثر نظرية باللاتينية حينما كان يتوجه للعلماء من الناس، وبالتأكيد فباختيار الايطالية في الكوميديا قرر التوجه إلى الجمهور العريض. وأقل ما يمكن قوله هو أنه قد نجح في رهانه إذ تحت تأثير بوكاس الذي قرأ لأول مرة الكوميديا قراءة عمومية بعد خمسين سنة من رحيل دانتي توالت قراءة النص بسرعة في ساحات المدن والقرى. ولا يزال هذا التقليد حيا إلى يومنا هذا، كما ظهر ذلك في السنوات الأخيرة عبر نجاح قراءات روبرتو بينيني العمومية لدانتي في إيطاليا ولكن أيضا في أمريكا اللاتينية وأستراليا. 

من الكوميديا الإلهية، لا يحتفظ الجمهور المعاصر سوى بالجزء الأول المخصص لجهنم قبل كل شيء. وهو النص الذي لا يزال يؤثر على أغلبية التصورات حول الجحيم. كيف تفسر ذلك؟ 

لا ريب أن ذلك يعود قبل كل شيء إلى تلك الواقعية الجذابة والمؤثرة التي وصف بها دانتي العقوبات المسلطة على المخطئين في الجحيم. تظهر أجسادهم في وضع غير طبيعي تماما، و في حالات مفزعة، وفي تفاصيل لا مثيل لها. هناك من يحملون رؤوسهم المقطوعة ومن هم مقطوعون إلى نصفين، والذين يدور حولهم سراب من الزنابير تلدغهم بلا كلل أو ملل، والذين هم غائصون في مراجل مملوءة بقطران يغلي… ولم يحصل أبدا أن تم تخيل كل هذه الابتكارات التي تدور حول الجسد البشري بمثل هذه القوة إطلاقا. وإن استلهم دانتي يوم القيامة بلا ريب من المجسدات الفنية التي كانت موجودة بكثرة أيضا في عصره ،فقد سمحت له روحه الشعرية بلوغ أبعاد آخرى. وحتى السينما ورغم ما تتوفر عليه من تكنولوجيا، لم تتمكن لحد الآن من بلوغ ذلك الثراء في التفاصيل المتعلقة بالجحيم التي وصل إليها دانتي. ومن المنطقي إذن أن يكون الجحيم في الكوميديا الإلهية هو الجزء الأكثر تأثيرا في مخيلة القراء. في «مكان تطهير الذنوب» نحن في سجل آخر تماما كما يقول بورخس ذاكرا شكسببير، فهو “حليب الحنان البشري” إذ هنا يلتقي البشر ويتبادلون أطراف الحديث. وهنا أيضا يستحضر دانتي خلق الروح، روح الإرادة الحرة. أما بخصوص الجنة فهي على نحو ما قصيدة النور والتي سمحت لنا اكتشافات الفيزياء الحديثة حول الموجات و الجزئيات أن نفهم أكثر اذ اجتمعت فيها في رأيي كل من الحركة و التأمل. 


تنتهي رحلة دانتي في دار الخلد، قريبا من الرب.فهل يمكن أن نرى في الكوميديا الإلهية مجرد بحث عن خلاص الروح؟ 

تبقى تأويلات النص متنوعة جدا. وبطبيعة الحال كان دائما للقراءة الصوفية أنصارها. وفي اعتقادي فهي نظرة محدودة إذ على قربه من سر الثالوث، فدانتي لا ينخرط فيه كلية، فهو يتأمله من بعيد وما يثير انتباهه قبل كل شيء هو في المركز اي وجه رجل ، وجه المسيح. وهذا يدل على أن الكوميديا الإلهية هي قبل كل شيء ترنيمة للكرامة الإنسانية. وهناك قراءة رومانسية أيضا استعادها بورخس وسنجلتون في “رحلة نحو بياتريس”: “لم يهم دانتي في هذا المشوار الشاق سوى من أجل العثور على بياتريس، تلك المرأة التي لم يرها سوى مرة واحدة في طريق من طرق فلورنسا قبل أن يأخذها الموت مبكرا، ولكن أحبها حبا مطلقا مثاليا. ولكن حتى وإن وجدها بالفعل في الجنة، فقد غادرها بسرعة. كان القديس برنار هو دليله نحو في رحلته الأخيرة كما كان فرجيل دليلا له في رحلته عبر فضاء «محو الذنوب». وإذا كان الحب حاضرا فلا يحتل في رأيي مكانا مركزيا في الكوميديا الإلهية. يمكن أن نقرأ هذا السرد كرؤية عاشها دانتي و هو ما يدخل حقيقة ضمن نوع أدبي كان منتشرا على نطاق واسع جدا في القرون الوسطى. ولكن لا يفسر هذا التأويل الطابع الفلسفي للكوميديا… 
في الأخير أعتقد أنه ينبغي الجمع بين كل هذه القراءات :فهي عمل لاهوتي، فلسفي، وشعري. هي متعددة وبالضبط لأنها ترتكز على توترين دائمين بين وعيين، ذلك الوعي المتعلق بحدود الوضع الإنساني من جهة. ومن جهة أخرى ذلك المتعلق بالكرامة الإنسانية. وبمعنى من المعاني فكأن دانتي يعلن مجيء باسكال حينما يتحدث عن رجل وضع على قمة بين هاويتين سحيقتين، لا هو بالحيوان و لا هو بالملاك. و لكن بالنسبة لدانتي فقصيدته هي” تقدم وأنت تغني” لأن الإنسان هو دائما أعظم من الإنسان. إنها شهادة ميلاد الانسانوية. 

المصدر :
 Le nouvel Observateur, Hors-série, Janvier -Février2013 
 أجرى الحوار كارولين برون وشارل جيول 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق