عن ذبح “غير الأبرياء” / راتب شعبو

“أنا ضد ذبح الأبرياء”، عبارة نسمعها كثيراً اليوم من مسلمين كبار يودّون أن يبعدوا أنفسهم عن همجية أتقن تنظيم “داعش” إدخالها إلى القرن الحادي والعشرين، بفحش لا مثيل له. غير أن هذه العبارة ذاتها تحافظ على صلة لا تنقطع مع الهمجية التي تريد أن تبتعد عنها. أنتَ ضد ذبح الأبرياء، جيد، ولكن ماذا لو ذُبح غير الأبرياء؟ ومَن هم غير الأبرياء في نظركَ؟ هل هم الكافرون؟ وهل مَن “كفر”، يصل إلى مستوى كفر جلاّد يذبح “كافراً” بسكّين؟ أليس على مَن يكرر هذه العبارة “غير البريئة”، أن يحدد لنا مَن هم غير الأبرياء؟ هل هم مَن يحملون السلاح مثلاً؟ ولكن، ألا يحمل السلاح أيضاً مَن يذبح هؤلاء “غير الأبرياء”؟ أم أن الفكرة أو المبدأ الذي دفع هذا الجلاّد إلى حمل السلاح، أرفع وأكثر حقاً من المبدأ الذي دفع ضحيته إلى ذلك؟ ألا تفتح عبارة “أنا ضد ذبح الأبرياء”، طريقاً سالكاً للذبح، ذبح مَن يجده الجلاّدون “غير بريء”؟

البراءة في لغتنا السياسية غير بريئة. كل براءة مستمدة من مرجع غير إنساني عام، هي براءة غير بريئة. كل مرجع يمنح الناس البراءة ويرميهم بالخطيئة بصفته مركز الحق ومصدره، إنما هو مرجع باطل ومضخة دائمة للكراهيات والعنصريات وتخريب الأرواح. لا تستعيد البراءة في اللغة السياسية براءتها، حتى يتحرر الناس من وهم الحق المطلق الذي يلقي ظلال الباطل على ما عداه، أكان “حقاً” سياسياً أم دينياً.

فعل الذبح هو من الفظاعة والقسوة بحيث يجعل كل من يذهب ضحيته بريئاً، كائناً من يكون. لا يمكن أن لا يشعر المرء بالصدمة لمجرد سماع كلمة “الذبح”. لا يمكن أن لا يتحسس المرء رقبته أمام صورة الذبح، وأن لا يشعر بتوحد إنساني مع الضحية وهي تستسلم لهذا القتل البارد الرهيب. هذا يجعل من “جريمة” الضحية (إن كان ثمة جريمة أصلاً) فعلاً ثانوياً أمام جريمة الذبح الذي تتعرض له. وهذا يرفع سقف الجرائم إلى حدود تسمح بإمرار جرائم كثيرة، مضت أو ستأتي.

لا تقتصر جريمة الذبح وقطع الرؤوس على الإسلاميين، فقد مورس هذا الفعل الشنيع على يد كثير من الشعوب. غير أن ميزة الذبح عند الإسلاميين، أن مَن يمارسه من متطرفيهم إنما يعتبرونه اقتداءً بالرسول محمد الذي قال للقرشيين حين بالغوا في الإساءة إليه، كما تذكر كتب الحديث، “لقد جئتكم بالذبح”. على هذا، ليس الذبح، في ذهن الجماعة الإسلامية التي تمارسه، فعلاً وحشياً انتقامياً منفلتاً من ضوابط العقل والأخلاق، بل هو فعل اقتدائي وتقرّب من “الإنسان الكامل” الذي يمثله في تصوراتهم الرسول محمد. هذا فارق مهمّ، يشبه الفارق بين القمع العاري الذي تمارسه الأنظمة الديكتاتورية، وبين القمع الذي تمارسه الأنظمة الفاشية التي تنظر إلى ذاتها وتقنع جمهورها بأنها تمارس القمع والتصفيات لإنفاذ رسالة تحملها. القمع الديكتاتوري يتعارض مع أخلاق الجمهور، غير أن الجمهور يسكت ويرضى بفعل الخوف أو بفعل اقتناع سياسي ما، أما القمع الفاشي فيجد لنفسه مبرراً وقبولاً أخلاقياً في وعي جمهوره وضميره، وهنا تكمن خطورته وصعوبة التحرر منه. وكذا حال الذبح “الإسلامي” الذي يغدو، بعد أن يؤسس لنفسه في الحديث والسيرة النبوية، ضرباً من ضروب السنّة. لذلك يخشى “المسلم” أن يعارض فعل الذبح عامةً كي لا يقع في خانة مَن يعارض السنّة، فهو يدين بعبارة عامة لا تعني شيئاً مثل عبارة “أنا ضد ذبح الأبرياء”. تالياً يصعب تصور نبذ مثل هذه الأفعال إسلامياً. فالدائرة الإسلامية تحتفظ لمَن يشاء بـ“فتوى” جاهزة ودائمة تُعلي من شأن الذبح كطريقة لقتل “الكفار”، وتزود مَن يشاء أحاديث تزيّن له أفعاله الشنيعة على أنها “تقوى”.

يجتهد كتّاب مسلمون كثر في تحرير وعي المسلمين وضميرهم، من تأثير “حديث الذبح” هذا، مستجيرين بالمعاني المجازية لفعل “الذبح”، مفترضين أن الرسول كان يقصد فيه معنى مجازياً. غير أن جدوى مثل هذه المحاولات قليلة، ذلك لأن كتب السيرة تتوافق على رواية أفعال ذبح لا تقبل المجاز قام بها أنصار الرسول تحت قيادته. والإسلاميون غير غافلين عن هذه الوقائع، لا بل هم لا يرون من أفعال الرسول سواها، يقتدون بها ويردّون إليها دون غيرها سرّ انتصار “المبعوث بالسيف رحمةً للعالمين”.

العبارات العائمة والحذرة التي تصدر من شخصيات مسلمة في إدانة جرائم الذبح، إنما هي وقود لأهل الذبح طالما أنها تترك باباً مهماً كان صغيراً لقبول هذا الفعل المشين. فحين تشرّع ذبح أيّ شخص بدعوى أنه “غير بريء”، مهما كانت جريمته، إنما أنت تشرّع الذبح عموماً. في الأمر ما يزيد الاقتناع مجدداً بضرورة شقّ طريق تحرري بعيداً من الإسلاميين وعلى الضدّ منهم.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق