داعشيات من الرقة.. و«تابلويد» المأساة السورية في تركيا / علي العائد

ينقل ناشط أن داعش جلبت بعضاً من «سباياها» من النساء والفتيات الإيزيديات، العراقيات والسوريات، إلى المدينة الحدودية تل أبيض، شمال الرقة. وتقول الإشاعة التي ينقلها الناشط إن ثمن الواحدة 1.4 مليون ليرة سورية (8000 دولار أميركي). الرقم مرتفع كثيراً عن رقم الألف دولار الذي تداولته تقارير وكالات الأنباء.

وأياً يكن الرقم، لم يرصد الناشط أن عملية بيع واحدة تمت.

هذا خبر جيد. يضاف إليه خبر جيد آخر عن محاولة بعض شيوخ عشائر محافظة الحسكة الالتفاف على داعش بدفع الثمن المطلوب وإيهام الداعشيين أنهم «اشتروا»، في محاولة للمحافظة على إنسانية أولئك النساء ممن كنَّ بالأمس صديقات أو جارات لنساء هذا الشيخ أو ذاك المواطن السوري.

لا شيء من تقارير وكالات تأكد، وظل الأمر في باب الشائعات.

المنطق، وبعض تصرفات الداعشيين، ينفي اعتبار تلك النساء «سبايا»، فقد ظهرت تسجيلات لـ «تخيير» الإيزيديين بين القتل والدخول في إسلام داعش، فاختاروا الدخول في «الدين الجديد». هكذا ببساطة.

ومن المنطقي أن يكون الداعشيون «عرضوا» الأمر نفسه على النساء، والأرجح أنهن «أسلمن»، فلماذا يتم بيعهن كسبايا. هذا هو اللغز، إن صحت تلك الأنباء.

يبقى جسم داعش «لبّيس» بعد مشاهد الذبح والإعدامات الجماعية، و»استحلال» دماء الناس، بفهم للفُتيا أقل ما يقال فيها أمية وغير إنسانية تجاه إسلام الناس، الذي عاشه سكان المنطقة من المسلمين وغير المسلمين عبر قرون من التجاور بين «آخرَيْن».

تابلويد المأساة

تنتقي وكالات الأنباء قصصاً غير موقعة بأسماء أصحابها، بينما لا تذكر إن كان أبطال هذه القصص لهم أسماء حقيقية. من تلك القصص أن شابة سورية خريجة معهد موسيقي استغلت حب شاب تركي لها فقبلت الزواج به، ولا تنتظر سوى مرور ثلاث سنوات للحصول على الجنسية التركية، والهرب إلى أوروبا (هكذا). وشاب سوري يقبل عرض شاب أوروبي مثلي من أصول تركية يعرض عليه الزواج في سويسرا، فيقبل العرض للوصول لأوروبا، والعودة إلى حياته الطبيعية كونه غير شاذ جنسياً (هكذا).

أن يكون الواقع السوري مأساوياً، وأن تجتمع عليه الأمراض، والحالات الشاذة، فهذا أمر يمكن فهمه، أو وتفهمه، أما أن تجمع «وسائل إعلام« سقط المتاع من «صحافيين»، و»ناشطين» يروجون للوساخات هكذا، فهو أمر لا يمكن تبريره. الأدهى أن هذه القصص تنشرها وكالات أنباء معروفة بمقاييسها المهنية الصارمة، لكن هذه الصرامة سقطت في باب تعميم الخاص من الحالات، وفي ترويج قصص فردية بطريقة توحي أن عدد هذه الحالات بالآلاف.

كذلك تفعل وسائل إعلام مستجدة، من سورية وعربية، وفي الفضاء الافتراضي خصوصاً، حيث نقرأ عن الحالات الشاذة المثيرة للقارئ، في محاولة غير واعية، وبلا ضمير، من وسائل الإعلام هذه، لتصوير أن السوريين، في شتاتهم التركي، يعيشون على البغاء والتسول والجريمة.

أما قصة زواج السوريات من أتراك فهي حالة معترف بها، وقد بدأت أصوات منظمات حقوقية تركية ترتفع مطالبة بتقنين هذا الزواج، كي لا يكون وسيلة لبعض الأتراك باتخاذ زوجة ثانية في مخالفة للقانون التركي الذي يُجرِّم الزواج الثاني.

الجانب التركي الرسمي اعترف بازدياد حالات زواج نساء وفتيات سوريات من أتراك، بعقود غير مسجلة في المحاكم. ففي لقاء تشاوري عقد في أنقرة الأسبوع الماضي (الأسبوع الأخير في شهر آب)، بحث المجتمعون وضع السوريين لمدة يومين برئاسة بشير أطالاي، نائب رئيس الوزراء، وحضور سبعة وزراء ومسؤولين أمنيين وعسكريين، ومسؤولين محليين من جنوب تركيا.

وأهم ما انتهى إليه اللقاء أن زواج السوريات من أتراك سيتم تنظيمه حسب القانون التركي، ولن يسمح أبداً بأن تكون السورية زوجة ثانية للمواطن التركي، بل الأولى حصراً.

كما شدد اللقاء على إلزامية إلحاق الأطفال السوريين كافة بالمدارس، وقسراً لمن تقل أعمارهم عن 15 سنة، ولن يسمح بإلحاق هؤلاء بسوق العمل أبداً.

يبلغ عدد السوريين في المخيمات 220 ألفاً (15 مخيماً). وهنالك 1.140 مليون في المدن (480 ألفاً لم يسجلوا أنفسهم كلاجئين طوعاً)، وأكد اللقاء التشاوري في أنقرة أنه سيتم تسجيل هؤلاء كلاجئين قسراً.

وفي ما يخص نسبة ارتكاب الجرائم من قبل السوريين، أكد اللقاء أنها متدنية جداً، وهي أدنى من المعدل العالمي العام، خلافاً لما تروج له بعض وسائل الإعلام التركية، وبعض الأصوات العنصرية في تركيا.

قوقعة الخوف

أن تعيش في بلد لا تعرف لغته، وهو خارج بالكاد من عصر المافيات، وتجارة المخدرات في الأحياء الفقيرة، وأخص استنبول في كلامي، فهذا يعني أن تتلبس في خوفك. كيف الأمر وقد بدأت الأصوات العنصرية ترتفع هنا وهناك ضد كل ما هو سوري. حجة العنصريين أن هنالك سوريين يسيئون إلى العادات والتقاليد التركية، يتحرشون بنساء، أو أطفال، أو يسرقون. هذا يحدث، ومنطقي، لكن مبرر تعميمه على كل السوريين لا يقف أمام منطق.

المفزع في الأمر أنك لا تملك دفاعاً عن نفسك إن صادفت أحد هؤلاء العنصريين في المكان والوقت غير المناسبين. وحتى في وضح النهار، ستجد نفسك أخرس أبكم حين يهاجمك أحد العنصريين إذا لم تكن تتدبر أمر اللغة التركية. والأدهى أن نبرة حديث بعض الأتراك مستفزة، صوتهم عال، وطريقة الكلام اللطيف بين بعضهم توحي أن مشكلة ستنشب بعد قليل، فماذا تفعل وأنت تحمل خوفك بين أضلاعك؟!

وصلت أخبار مهاجمة السوريين ومحلاتهم، وبيوتهم، إلى ضاحية إيكتيلي شرق الجزء الأوروبي من استنبول بعد انتشار مزاعم بأن شباباً سوريين تحرشوا جنسياً بشابة تركية، وبعد خسائر وإصابات، تدخلت الشرطة، وعاد الهدوء. ونقلت (أ ف ب) أن شرارة صدامات اندلعت في أنطاكيا في الإسكندرون (هاتاي) بعد انتشار مزاعم بأن لاجئاً سورياً أساء إلى طفل تركي.

القصة، إذاً، عنصرية الجوهر، وليست خلافاً عابراً، وكما يقول الدمشقيون واللبنانيون «مش رمانة.. قلوب مليانة».

داعشيات قديمة

سألني أحدهم في بيروت قبل أكثر من 14 سنة، مستعرضاً، وفي ما يشبه إجابة وليس سؤالاً: الرقة قرب الجولان، أليس كذلك؟!

كان شاباً لبنانياً يافعاً، وشبه أميّ.

أما أن يسألني قبل حوالى عشر سنوات أستاذ مساعد في جامعة دمشق أين تقع الرقة، فذلك يأتي في باب المضحك المبكي.

ذلك زمن آخر، الآن نحن في زمن داعش.

الرقة الآن على الخارطة. وقلما تجد اليوم من لا يعرف أين تقع الرقة، وإذا كان الشخص مهتماً سيعرف شيئاً غير قليل عن موقعها الجغرافي، وتاريخها، وتركيبتها السكانية، بل ومطبخها إذا أراد.

يفرح بعض أبناء الرقة عندما يسمعون خبراً عن مدينتهم في نشرات الأخبار في زمن «داعش». داعش جعلت من الرقة نقطة جغرافية ساخنة، بعد قرون من النسيان، خصوصاً أن آخر ذكر غير خامل للرقة كان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي حكم بين عامي 786 و809م، فهي عاصمته الصيفية التي كان يأتيها من بغداد بموكب يسير في ظلال الأشجار على طول الطريق. هكذا تقول الرواية.

والرقة الحديثة كانت حتى ستينيات القرن الماضي قرية متناثرة البيوت، لا شوارع منظمة فيها، ولا معالم مميزة إلا تلك الأطلال التي تعود إلى مدينة الرافقة التي بناها الخليفة العباسي الثاني، أبو جعفر المنصور، على غرار بغداد، فجاءت دائرية، لكن الفرات جنوبها جعل المدينة على شكل حدوة فرس. وكان يحيط بها سوران بينهما قناة ماء تأتي من الفرات وتذهب إليه، كنوع من التحصين الدفاعي للمدينة، التي لم تصمد أمام هجمة هولاكو التي اقتحمها في طريقه إلى دمشق.

بقي شيء قليل من سور الرافقة إلى اليوم، كأطلال تُذكِّر بماض بعيد، كما بقي للرقة من أعلامها عالم الفلك «البتاني»، والشاعر ربيعة الرقي، أما أشهر أعلامها في العصر الحديث فهو عبدالسلام العجيلي.

الرقة الآن على الخارطة العالمية، وليس على الخارطة السورية فقط، لكن من باب داعش والرعب الذي نشرته «الدولة الإسلامية» في العالم الواقعي والافتراضي، وفي السياسة والاستراتيجيا التي يفتقدها الرئيس الأميركي باراك أوباما في محاربة العدو الجديد، الذي قد يدق أبواب نيويورك، من باب ما تتقنه مثل هذه التنظيمات الشبحية.

داعش خرجت من تحت جلودنا، نحن رعايا الدكتاتورية، أم خرجت من رحم القاعدة، ليست تلك هي المشكلة. داعش وحدها تعرف ما تريد، وتختار أدواتها لتحقيق ما تريد. الرعب وحده أداتها، وقد نجحت في ذلك، بالذبح، بعبور الحدود، وبإعطاء النظام السوري كل الذرائع لمتابعة ما بدأه من قتل وتهجير، وإعطاء إسرائيل أيضاً تبريراً لاستخدام وسائل قتل أشد هولاً مما استخدمته خلال أكثر من 66 عاماً، لتقول لست الوحيدة في ذلك، بخاصة أن يوميات جيش بشار الأسد جعلت صور القتل والتدمير مشاهد أكثر من عادية.

المتوقع الآن أن يستغل النظام السوري الظاهرة الداعشية في لبنان خصوصاً، والخشية الأكبر من عودة مسلسل الاغتيالات، الذي طبع الوجود السوري في لبنان خلال حوالى ثلاثين سنة من تواجده هنالك، فقد وجد ضالته في «جسم لبيس» أكثر مما اتصف به النظام السوري نفسه. فنظام بشار الأسد جرب ذلك في قصة أبو عدس، التي روجها إعلامه، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، كما جربها في تفجيرات حي الميدان الدمشقي، ونسبها لجبهة النصرة، كـ «جسم لبيس» أيضاً.

عن ملحق جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق