في الاستخدام المفرط للعنف الرمزي

I. العنف الرمزي مصادره وتمظهراته:
إن العنف الرمزي في تعريفه السوسيولوجي عنف يكاد يكون طبيعيا لأنه يمارس ضمن علاقات الاجتماعية وسمي عنفا لأنه يسلط من “قوي” على“ضعيف” تسلطا تفرضه طبيعة العلاقات المتحكمة بين أطرافه. وهو رمزي لأن ماهيته في تضاد مع أنواع أخرى من العنف كالعنف المادي… وهو عنف ناعم مصدره الأساسي “الرأسمال الرمزي” le capital symbolique الذي يمتلكه من يمارس هذا الصنف من العنف وتعد المؤسسة التعليمية سواء القديمة أو الحديثة إحدى أهم المصادر لهذا العنف وليست الوحدة. فالمعلم يمارسه على تلامذته وكذلك الأستاذ والأستاذ الجامعي على طلبته والشيخ على مريديه والفقيه على أتباعه. .. إنها سطوة المعرفة وقدرتها السحرية على التلاعب بالعقول وصياغتها وفق إرادات أصحاب الرأسمال الرمزي. ويزداد منسوب العنف وحدته كلما كان المتلقي خاويا من كل آليات التقبل السليمة أي القدرة على الفهم والتقدم والتمحيص فمتى كان المتقبل خاليا من وسائل الصناعة كان أشد تأثرا بالعنف الممارس عليه وأكثر خضوعا له وانطباعا به. ولعل الطرق الحديثة التي توختها البيداغوجيا عملت على التخفيف من حدة هذا العنف حين نأت بنفسها على طريقة “التلقين” التي كانت العمود الفقري للمنظومة التعليمية التقليدية والتي عملت البيداغوجيا على تقويضها مستندة في ذلك إلى آخر ما وصلت إليه اللسانيات الحديثة.

لقد أبان هذا العلم على أن الخطاب المتداول بين الباث –المتكلم والمتقبل –المخاطب أو بين الكاتب والقارئ يخضع في عملية فهمه أولا إلى مواضعات اللغة التي تحملها قناة الاتصال وهي التي ينتقل بواسطتها الخطاب من المتكلم إلى المخاطب وعملية التخاطب /الكتابة ليست بالعمل البرئ فهي محكومة باستراتجية الخطاب وهي تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف التي يريد الباث /الكاتب إيصالها إلى السامع/ القارئ وهي تأخذ بعين الإعتبار نوعية المتلقي والإطار الذي يجري فيه التخاطب أو ما يعرف بالوظيفة المرجعية. وعملية استيعاب الخطاب تتحكم بها ثقافة المخاطب / القارئ وأفق انتظاره الذي قد يصاب بخيبة الانتظار وهذا قد تعطل الوظيفة التأثيرية التي يروم الباث تحقيقها.

إضافة إلى ما تنتجه المؤسسة التعليمية من رأسمال رمزي قابل للتحول إلى سلطة تمارس عنفا ناعما.  يلحظ علماء الاجتماع ظهور أشكال أخرى للعنف الرمزي متولد عن سلطة رمزية un pouvoir symbolique قد تكون مكتبا فخما وواسعا سيارة من أرقى الأنواع ومعها سائق , لباسا أنيقا وأيضا بعض المؤشرات التي تدل على الانتماء الاجتماعي الراقي لشخص ما , بطاقة زيارة une carte de visite دونت عليها شهادة علمية عليا , طريقة في استقبال الضيوف , طرق في التعبير تنم على تمكن من المجال المتحدث فيه من شأنها أن تثير الإعجاب يقول بيار بورديو pierre bourdieu معرفا السلطة الرمزية بقوله : هي السلطة السحرية التي تمكن صاحبها من الحصول على ما يوازي الحصول عليه بالقوة الجسدية أو القوة الاقتصادية وذلك بفعل تأثيرها الخاص وقدرتها على التجييش والتعبئة la mobilisation ويبدوا أن لهذه السلطة قوة إخضاع إرادي لمن تمارس عليهم فهي أشبه بالكاريزما. “(1)
إن العنف الرمزي عنف ناعم ومقنع يمارس بالتواطؤ مع ضحاياه وهو عنف لا يترك بصماته على الأجساد بل إنه يطبع الأذهان بآثاره.(2)

II. الإعلام والإسراف في العنف الرمزي:
أن يكون الإعلام سلطة رابعة فذلك صار من البديهيات لما له من نفوذ وتأثير في المتلقنين إن كل سلطة تستمد شرعيتها من طبيعتها ومن وظيفتها من بوأ الإعلام هذه المكانة / السلطة ؟ إنها لا شك منظومة حقوق إنسان وذبك بالاستناد إلى الفصل الحادي عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطنة والذي يضمن حرية تبادل الأفكار والآراء وقد نجح القضاء الفرنسي مثلا في جعل الحق في المعلومة مبدأ أساسيا من مبادئ التواصل استنادا على الفصل المذكور أعلاه.  هكذا يتبوأ رجال الإعلام مكانة مرموقة في الفضاء الاجتماعي بما يمتلكونه من رأسمال رمزي باعتبارهم من خريجي المعاهد العليا للصحافة وعلوم الأخبار وبما يختزنه وضعهم ذاك من سلطة رمزية ينتج عنها عنف رمزي قد يكون عرضة للإستعمال المفرط وللتوظيف وللتوجه نحو هذه الوجهة أو تلك مما ينتج عنه تجاوز في الاستعمال السلطةun abus de pouvoir وخرق للأخلاقيات التي تضبطها مهنة الصحافة la déontologie تلك الضوابط تجعل ديدن الصحفي والإعلامي البحث عن الحقيقة وتوخي الصدق والشفافية في نقلها إلى الجمهور.  لأن الصحفي في جوهره مثقف يدرك أن خدمة الحقيقة من أقسى أنواع الخدمات كما يقول نتشيه عندما نتطلع على تاريخ الحقيقة وما كلفته من أثمان باهظة نعتقد أن المثقفين الحقيقيين هم وحدهم أولئك الذي قتلوا بالفعل أو تعرضوا لمحاولات اغتيال الحقيقة.. هذا هو الدرس الذي علمنا إياه سقراط والسيد المسيح والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولوشر، بن رشد وديكارت وسبينوزا… هنا يكمن الفراق الجوهري بين الإعلامي الحقيقي والإعلامي المزيف.

إن الصحفي/المثقف تتثمل مهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وتقديمها مع اضاءة الإشكاليات العامة التي تطرحها للجمهور بشكل موضوعي.  فوسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة تغطي الأحداث وتمارس التحاليل الاجتماعية والسياسية بعين نقدية قادرة على إنارة تلك الأحداث في مختلف أبعادها وفي بعض الأحيان تغلب العجلة على تغطية الأحداث مما يمنع من التفكير العميق فيها واتخاذ المواقف الملائمة يقول أفلاطون « dans l’urgence on ne peut pas penser » إن اكراهات النزعة التنافسية بين القنوات والإذاعات والصحف والبحث على نسبة أعلى من المشاهدة والاستماع والقراءة تكون في أغلب الأحيان عائقا أمام التحليل الرصين للظواهر والأحداث والمستجدات وهي تؤثر سلبا على العمل الصحفي مما يجعل العنف الرمزي الممارس على المتلقين أشد وطأً.

III. المشهد الإعلامي والانتخابات:
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي وانطلاق الحملات الانتخابية سينصب اهتمام على وسائل الإعلام بمختلف أنواعها باعتبارها الملجأ الأساسي للمواطن للحصول على المعلومة والتعرف على البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية والمستقلين للقوائم الائتلافية وسيتصدر المشهد وجود اعلامية وسياسية من كل حدب وصوب ومن مشارب فكرية مختلفة ومتناقضة وستكثر التحاليل ووجهات النظر والآراء في شتى الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وسيستدعى التاريخ القريب منه والبعيد وستنبش الذاكرة وستنصب المحاكم للخصوم وسنسمع المواقف منها ما سيتسم بالعمق والرصانة ويحترم عقول الناخبين ومنها ما سيكون سطحيا ساذجا فيه يضحك على الذقون وقد نسمع آراء ممجوجة لوثت عقول أسماعنا في الانتخابات الفارطة وذلك لأن أصحابها ظلوا يراوحون مكانهم ولا يمتلكون بدائل سوى شطب الآخر المختلف وإقصائه. سيكون الإعلام أمام امتحان خطير إما أن يكون في مستوى اللحظة التاريخية التي تعيشها البلاد فيسترجع مكانته التي اهتزت بفعل سنوات الاستبداد واستمرار المنظومة القديمة في التحكم بمساراته وإما أن يصبح وسيلة”تخريب “المسار الإنتقالي بأيدي بعض اللوبيات المتنفذة , ساعتها يصدق عليه المثل العربي القديم” على نفسها جنت براقش “إن المخاطر التي تهدد الحقل الإعلامي عديدة ومتنوعة سنذكر إثنين منها أولا هشاشة الكثير من المؤسسات الإعلامية من حيث وضعها المادي مما يجعلها خاضعة لنفوذ قوانين الاقتصاد الرأسمالي ولسطوة رجال الإعلام الذين يتحكمون في هذا الحقل ويوجهونه الوجهة التي تخدم مصالحه وبذلك يخضع الصحافيون إلى قوى من خارج مجالهم. les forces extra journalistique تتخذ من مجال الإعلام فضاء لتلميع صورتها وتبييض أموالها وقد يقتحمون العمل السياسي أو يتحكمون بمفاصله ويحركونه من وراء ستار.

أما الخطر الثاني الذي يهدد الإعلام هو وقوعه في أتون التجاذب السياسي والاستقطاب الايديولوجي فيطرح الصحفي حينئذ جلدته كإعلامي تربى على البحث عن حقيقة وعلى صدق والحياد ويتقمص دور المتحزب والمتأدلج فينحاز إلى هذا الطرف دون ذاك ويتبنى مواقف وآراء يعمد إلى تسويقها في فضاءه الإعلامي أو يستدعى لها في برامجه من يدفع عنها وفي أغلب الأحيان يكون الضيوف على شاكلته ووراء لبوس المثقفين والأكادميين والعلميين يتصدرون المشهد الإعلامي ليبثوا”أفكارهم “و”تحاليلهم” ويغيب مقابل ذلك الرأي والطرح الآخر وإذا لم يغيب فإنه يبخس حقه في الحضور. وهؤلاء هم أيضا مثقفون وأكاديميون إلا أنهم لا ينطقون بما ينطق بيه هوى ذاك الشخص أو تلك القناة ولا يلتزمون الخط التحريري لهذه الصحيفة أو تلك.
إن المواعيد الانتخابية المقبلة تفرض على المشهد الإعلامي تحديا جديدا يفترض التزام الموضوعية والحيادية والتعامل بمصداقية مع كل ما يتعلق بمرحلة الانتخابات لاسيما بعدما أصبحت الساحة الإعلامية فضاء لبث الإشاعات والإخبار الزائفة واستسهال ترويج المعلومات دون التثبت من صحتها. هذا الوضع يعزوه البعض إلى المنافسة والسبق الصحفي مما يجعل الكثيرين من الصحافيين يتناسون المعايير الموضوعية وينساقون وراء الربح. هذا الإسهال في الأخبار يرجعه البعض إلى تقصير الهياكل الرقابية على الإعلام فعلى هيئة الاتصال السمعي البصري أن تلعب دورها التعديلي المناط بعهدتها وأن تكون تدخلاتها حازمة وسريعة لمنع التجاوزات والاخلالات . يبقى الفراغ الإعلامي يتعلق بالصحافة المكتوبة والصحافة الالكترونية وهو ما يتحتم الإسراع ببعث مجلس الصحافة الذي ينتظره عمل كبير في تنظيم هذا القطاع. في انتظار أن يرى المجلس النور ترى كيف سيكون تعامل الصحافة المكتوبة مع الاستحقاق الانتخاب؟ ولعل الطامة الكبرى في المشهد الإعلامي اليوم هو شبكات التواصل الاجتماعي المنفلتة من كل ضوابط. هذا القطاع الذي يعيش فراغا تشريعيا رهيبا يقننه بات يستخدم للتضليل وتشويه صورة الآخر المختلف فما الدور الذي سيلعبه في الانتخابات القادمة وهل سيكون له أثر ما في توجيه الرأي العام ؟ 

الهوامش:

1- Voire revenue science humaines l’œuvre de pierre boudieu numéro spécial 2002 P109
2- Ibid , P6

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق