لو كانت «كاريوكا» بيننا لرقصت في ميدان التحرير ثورة على فتاوى التحريم / حمدي رزق

«إن تحية كاريوكا مثل أم كلثوم، تحتل موقع الرمز المرموق في الثقافة الوطنية المصرية». هكذا كتب المفكر والمثقف الراحل إدوار سعيد في صحيفة «واغنز نبهتر» السويدية في يونيو/ حزيران عام 1991، فكانت لكلماته أصداء واسعة..

فالمفكر يكتب عن الرقص الشرقي، بوصفه فنا مؤثرا بصورة مباشرة في الثقافة المصرية. ومضى إدوارد سعيد في مقاله قائلاً: «إن تحية كاريوكا ترى ـ وهي على صواب فيما أظن ـ أنها جزء من نهضة ثقافية أساسية.. وحركة إحياء وطني في الفنون ارتكزت على حركة سعد زغلول الليبرالية المستقلة، وعلى ثورة 1919..».

تذكرت سعيد وكاريوكا وهذا المقال الشهير، الذي أثار ضجة وقتئذ، وقرار المنع يسدل الستار على برنامج «الراقصة» الذي كانت فضائية «القاهرة والناس« تستعد لإطلاقه قبل أكثر من أسبوع، ثارت الدنيا وقامت فلم تقعد.. ولم ترقص بالطبع، لو كانت تحية كاريوكا بيننا لرقصت في «التحرير« ثورة على فتاوى تحريم الرقص الشرقي التي تصدم القاهرة الآن!

البرنامج الذي كان يفترض أن يقدم مواهب جديدة في الرقص الشرقي من كافة أنحاء العالم، عبر لجنة تحكيم مكونة من الراقصة الشهيرة دينا والسيناريست تامر حبيب والفنانة التونسية التي تعيش في مصر حالياً فريال يوسف، ضرب بالضربة القاضية فجأة ومن دون مقدمات، كانت إعلاناته تروج على فضائية» القاهرة والناس» قبل منعه بأيام، وقبل يوم العرض، والقاهرة والناس تستعد لاستقبال الراقصات الفاتنات، والراقصة دينا تتأهب لتحقيق حلم العمر بأول مدرسة للرقص الشرقي، على الهواء مباشرة يتم توقيف البرنامج، ومعه تنفجر أزمة مجتمعية حادة وعنيفة، كما الرقصات الأفريقية على طبول الحلال والحرام.

الساعات التالية كشفت أن «دواعش القاهرة« خرجوا من القمقم ليقمعوا البرنامج، ويحجبن الراقصات عن النظارة المتشوقة لسباق ترفيهي على «واحدة ونص»، وتداخل نفر من علماء الأزهر الشريف (المؤسسة الدينية الأم في عالم السنّة مشرقا ومغربا)، وأصدروا بيانا ضد «البرنامج» وطالبوا بمنعه، وانضم إليهم قطاع من النخبة (إعلاميين ومثقفين وتكنوقراط وبعضهم من الأسماء الرنانة)، يطالبون جميعا بمنعه.. بعضهم طالب بالمنع من باب المثل العامي المصري القائل «إحنا في إيه ولا في إيه»، بمعنى أننا في معركة يخوضها الوطن ضد الإرهاب، فكيف نعرض برنامجا للرقص الشرقي، فنعطي للارهابيين ذريعة لإرهابهم أمام قواعدهم وشبيبتهم باعتبارنا شعباً راقصاً والرقص تهتك وتعري. سيحللون قتلنا وذبحنا على مرقص فضائي!

وذهب بعضهم، لاسيما رجال الأزهر، مذهبا دينيا، ووصلوا إلى حكم شرعي بأن الرقص الشرقي حرام حرام حرام، فيما ذهب قطاع آخر من النخبة إلى أن هذه الاقاويل والفتاوى ردة ثقافية وفنية وحضارية، وأن الرقص الشرقي فن مصري خالص، معترف به، وطالما رفع رأس الفن المصري عالياً في عواصم العالم، وقالوا: ما الفرق بيننا إذن وبين عصر «الإخوان»؟

البرنامج الذي كانت ترعاه شركات ومؤسسات خاصة، دفعت بالفعل ملايين الجنيهات في صورة إعلانات تتخلله، تم إيقافه لأجل غير مسمى فيما لزم مالك القناة طارق نور، رجل الإعلانات والدعاية البارز في مصر والشرق الأوسط، الصمت. لا يتكلم عن المنع، ولا عن البرنامج. فيما تواصل القناة هذه الأيام سلسلة من البرامج تستطلع فيها آراء المثقفين والفنانين والإعلاميين وعموم المصريين من الشارع أيضاً، تثبت فيها أن الرقص الشرقي ليس مرفوضا من المجتمع، وأن من يقفون وراء منع البرنامج هم ضد الفن والثقافة، وتشتعل المعركة التي أخذت نارها تخبو شيئا فشيئاً – لتتحول إلى «مكلمة» كبيرة، وتصبح القضية «هل الرقص الشرقي فن بالفعل؟ أم أنه مجرد وسيلة لإثارة الغرائز؟«.

مع هذه الكلمات، يقف المثقف المصري حائرا بين الانتصار لهذا البرنامج أو الوقوف ضده. فإن وقف معه.. ما الذي يضمن له أنه لا يقف مع برنامج لايفيد إلا القائمون عليه من ناحية الملايين التي ستدخل جيوبهم فيما لن يقدم البرنامج شيئا جديدا؟ أي أنه في هذه الحال يكون وقف مع «الرأسمالية الراقصة«، والمثقف المصري عدو مبين لها في الأساس، أم يقف ضده فينضم إلى صفوف المحافظين وبعضهم من المتطرفين الراقصين دينياً على جثث المثقفين، كما يسمونهم «الدواعش المصريين». المثقف المصري في هذه المعركة بين خيارين كلاهما مر.

لكن المعركة تحيلنا إلى خلفية تاريخية أكثر بهجة واستنارة وأكثر تسامحا وإيمانا بالفن، وهي – إلى ذلك – خالية من «البروباغندا» – أيام أن كانت الراقصة الشرقية تقدم فنا لا يختلف عليه اثنان، وكان المجتمع يحتضن هذا الفن من دون أن يخطر ببال أحد تحريمه، أيام كانت الراقصة لا تكسب إلا جنيهات معدودات وإن أقلعت عن الرقص تموت جوعاً أو مرضاً، تلك أيام مضت. لعلها تعود كذكريات ملحة على خلفية تلك المعركة!

[بديعة.. الأسطورة

أياً تكن هذه السيدة، فهي التي افتتحت مجال الرقص الشرقي في مصر على هذا النحو الواسع، وإليها يعود الفضل في تحوله إلى فن معترف به.

قبل بديعة مصابني بمئات السنين عرف المصريون خصوصاً، والعرب بصفة عامة، فن الرقص الشرقي، لا يعرف أحد على وجه التحديد متى وأين بدأ هذا الفن، وهل له من أصول فرعونية أم أنه عربي خالص الوجه واليد واللسان؟ على أية حال، فإن الثابت في هذا السياق أن الرقص الشرقي «بات مصريا تماما في القرن العشرين» كما قال المؤرخ الفني الكبير الراحل كمال النجمي في مقال له في رثاء الراقصة سامية جمال في ديسمبر /كانون أول من العام 1994 بمجلة «المصور» القاهرية، وذهب يقول «حتى لو كانت له أصول مصرية، فإن فن الرقص الشرقي تمركز في مصر، لاسيما مع قدوم بديعة مصابني إلى القاهرة في العام 1919..».

إذن بدأ هذا الفن – رسمياً – من هذا التاريخ، قبل 95 عاماً، وبعد خمس سنوات يتمم مئويته الأولى، ونلاحظ هنا أنه صعد مع ثورة 1919، التي أخذت المجتمع المصري برمته من «العثمانية» التركية إلى الليبرالية المصرية التي بشر بها سعد زغلول، زعيم أكبر حزب في الوطنية المصرية، حزب «الوفد». ولم تكن مصادفة أن يظهر هذا الفن في العام الذي قام المصريون فيه بواحدة من أكبر وأهم الثورات الشعبية في تاريخهم ضد الاحتلال والقصر معاً!

نعود لبديعة، مفتتحة هذا الفن رسمياً – في مصر.. فقبلها لا نسمع سوى عن «العوالم»، وهن كثيرات. تجدهن في روايات صاحب نوبل وشيخ الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ. كن أقرب إلى «المحظيات» منهن إلى الفنانات، وكن يجمعن الغناء إلى الرقص الشرقي إلى أشياء أخرى!

جاءت بديعة في العام 1919وهي المولودة في دمشق في العام 1892، لأب لبناني وأم سورية، وأسست فرقة خاصة بها للرقص والتمثيل المسرحي بعنوان «فرقة بديعة مصابني« وتعلمت الغناء والرقص وعاشت في مصر أعواماً طويلة، وأتيح لها أن تخرّج كثيراً من الفنانين من خلال صالتها، وكانت فرقتها أشبه بمدرسة تخرج فيها عدد كبير من فناني الغناء الاستعراضي، لعل من أبرزهم فريد الأطرش وتحية كاريوكا وسامية جمال وهاجر حمدي ومحمد الكحلاوي ومحمد فوزي.. ممن لمعت أسماؤهم في مجال الفن في السينما والمسرح والاستعراض.

وظلت مصابني تتزعم المسرح الاستعراضي نحو 30 عاماً، استطاعت خلالها أن تجمع ثروة طائلة، حتى عرفت في النصف الأول من القرن العشرين بأنها أغنى الفنانات في مصر، وكانت صالتها أكبر ملهى في الشرق الأوسط كله. حتى أضحت أسطورة في الفن والثراء والنفوذ كذلك! لكنها بعد ذلك – في الخمسينيات – عادت إلى لبنان، وأغلقت «الكازينو» في القاهرة. ولت أيامها، بعد أن عصفت ثورة يوليو / تموز 1952 بمثل هذا النوع من الكازينوهات. كان المجتمع كله يتغير في العمق، حتى الرقص الشرقي غيّر نفسه شكلاً وموضوعاً، وفي 23 يوليو/ تموز العام 1974 ماتت عن عمر يناهز الثانية والثمانين من عمرها، وقبل أن تموت وقعت على الدرج وأدخلت مستشفى «تل شيحا» في زحلة. فهل كانت مصادفة أن ترحل في يوم الثورة التي جعلتها ترحل عن مصر؟ ربما!

[كاريوكا.. الرمز

كان الرقص الشرقي في مصر في حاجة إلى مرحلة جديدة فيما يبدو. كانت بديعة مصابني أثرت، وأصبحت صاحبة الكازينو الكبير، وأوشكت على التقاعد عن الرقص والغناء، وكان هذا المجال بحاجة إلى دماء جديدة تسري في عروقه، فكانت تحية كاريوكا.. والمهم في «كاريوكا« أنها أول نجمة للرقص الشرقي في مصر من أب وأم مصريين، وفي ذلك الزمان كانت الراقصات الأجانب يملأن كازينوهات القاهرة، من هنا رحبت بها بديعة مصابني في الكازينو الخاص بها وهي لا تزال ابنة 16 عاماً. فكاريوكا بدأت في ممارسة الرقص والغناء والتمثيل وهي في سن صغيرة حتى اكتشفتها الراقصة محاسن محمد ثم تعرفت على مصابني، التي كانت أكبر مكتشفة في ذلك الزمان للمواهب في الغناء والرقص على السواء، وانضمت إلى فرقتها، فاستعانت بها في السينما والمسرح.

لكن شهرة تحية كاريوكا الحقيقية لم تحصل إلا في العام 1940، عندما قدمت رقصة الكاريوكا العالمية في أحد العروض أمام الفنان الكبير سليمان نجيب، وهي الرقصة التي التصقت بها بعد ذلك حتى أنها لازمت اسمها. وكان نجيب ممثلا مهما، كما كان رئيسا لدار الأوبرا المصرية وقتها، والأهم أنه كان قريبا جدا من القصر الملكي!

طورت كاريوكا أسلوبها الخاص في الرقص الشرقي، الذي اعتمد على إعادة إنتاج الهرمونية الشرقية القديمة في الرقص وهو الأسلوب الذي تأسس عليه مدرسة كاملة في الرقص الشرقي، وفي منتصف الخمسينات اعتزلت كاريوكا الرقص الشرقي وتفرغت نهائياً للسينما حيث شاركت في عدد ضخم من الأشرطة السينمائية البارزة التي حملت بصمتها الفريدة.

لكن الغريب في أمر كاريوكا أنها الوحيدة – فيما نعلم – التي خلطت الرقص بالسياسة، مع احترامنا الكامل لرواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس التي صدرت في الثمانينيات «الراقصة والسياسي» وتحولت شريطا سينمائيا بطولة نبيلة عبيد.. سبقت كاريوكا رواية عبد القدوس بعشرات السنين، وإن كانت بطلة الرواية اصطدمت بالسياسة عن غير قصد، فإن «كاريوكا» دخلت إلى رحابها عامدة متعمدة! لعبت كاريوكا دوراً سياسياً بارزا، وألقي القبض عليها أكثر من مرة بسبب نشاطها السياسي السري، حيث كانت عضواً في أكثر من تنظيم شيوعي، أشهرها تنظيم «حدتو« الشهير في الأربعينيات.

وتحية كما يذكر إدوارد سعيد في دراسته بالغة الاهمية التي أشرنا إليها في السطور الأولى من هذا المقال «.. لا تنتمي إلى صنف الفتيات الهامشيات أو الساقطات المصنفات، وفق ثقافة يمكن التعرض لها، بل تنتمي إلى عالم النساء التقدميات اللاتي يحاذين أو يتجاوزن الأسوار الاجتماعية. لكنها ظلت مرتبطة على نحو عضوي بمجتمع بلادها، لأنها اكتشفت لنفسها دوراً أكثر أهمية كراقصة تشارك في الحفلات العامة. متجاوزة في ذلك دور «العالمة«.

وينهي إدوارد سعيد كلامه عن تحية كاريوكا فيقول: «كانت تحية شعاراً لكل ما هو غير خاضع للانضباط والإدارة. في ثقافتها. ولهذا كان دور الفنانة هو الأمثل لتلك الطاقات!».

إنها ـ كما يقول ـ تحمل بين جنباتها هذه الشخصية، التي تتسم بالثقل والسلطة، التي تنبع من إحساسها بأنها أكبر من مجرد راقصة شرقية!

[سامية.. المجددة

جيل جديد من الراقصات يظهر. فإن كان جيل مصابني افتتح هذا الفن بصورة حقيقية في مصر، وجيل كاريوكا قام بتمصيره وأعطاه احترامه الكامل، فإن جيل سامية جمال غاص وراء فنيات الرقص الشرقي وجعله فنا مركبا، مثلما تطورت السينما وتطور الغناء وتطور المسرح في الثلاثينيات والأربعينيات، جاء تطور الرقص الشرقي – بعد تمصيره – حاملا عنوان سامية جمال.

اسمها الحقيقي «زينب خليل إبراهيم محفوظ«، وهي من مواليد بني سويف، جنوب القاهرة (العام 1924)، ظهرت في أوائل الأربعينات من القرن العشرين وعرفت باسم «سامية جمال»، بدأت حياتها الفنية مع فرقة بديعه مصابني حيث كانت تشارك في التابلوهات الراقصة الجماعية، وكانت مصابني لاتزال تواصل دورها الذي اكتشفت من خلاله نجوما كثيرين من بينهم «كاريوكا».

وفي العام 1943 بدأت بالعمل في مجال السينما، حيث شكّلت ثنائياً ناجحاً مع الفنّان الكبير الراحل فريد الأطرش في عدة أشرطة سينمائية، وقدّمت على أغنياته أحلى رقصاتها وأشهرها، من خلال سته أفلام شهيرة.

وعملت ساميه جمال، من خلال ممارستها للرقص الشرقي لسنوات طويلة، على تطوير أسلوب خاص بها، حيث تميز رقصها بالمزج بين الرقص الشرقي والرقصات الغربية، كما ركّزت جمال في رقصها، على تقديم حالة من الابهار للمتفرج من خلال الملابس والموسيقى والإضاءة والتابلوهات الراقصة، التي تشكلها صغار الراقصات في الخلفية، لكن النقاد الذين كانوا يعنون في هذا الزمن بالرقص الشرقي – رصدوا في الأربعينيات ومطلع الخمسينيات أن سامية جمال كوّنت في الرقص الشرقي اتجاهاً فنياً مضاداً لاتجاه تحية كاريوكا. ففي حين اعتمدت جمال على المزج بين الرقص الشرقي والغربي، اتخذت تحية اتجاه الرقصات الشرقية والمصرية القديمة والتنويع على الحركات القديمة، وتقديمها بشكل أكثر حداثة.

[عاكف.. الاستعراضية

رقصت كاريوكا ومثلت، ورقصت سامية ومثلت. صحيح أن كلا منهما قدمت اتجاها مغايرا في الرقص، لكن كلا منهما أيضا أكملت الثانية، وجاءت نعيمة عاكف من اتجاه ثالث، لا علاقة له بـ«كازينو بديعة»! صحيح أن حياتها قصيرة (فقط 44 عاما تنحصر بين 1922 و1966) لكن هذه الحياة شهدت تطورا حقيقيا لفن الرقص الشرقي.

قدمت نعيمة عاكف فن الرقص والغناء والمونولوج والتمثيل. أسعدت الملايين غير أن حظها في هذا العالم قليل، تزوجت مرتين ورزقت بطفل وحيد، وهاجمها وحش المرض، الذي أنهى حياتها التي كانت مفعمة بحب الحياة والسيرك والفن، حياة قصيرة في العمر.

ولدت في مدينة طنطا قلب الدلتا المصرية وأكبر عواصمها، شمال القاهرة بنحو ساعتين – حيث كان سيرك والدها، يقدم عروضه خلال ليالي الاحتفال بمولد «السيد البدوي» أشهر الأولياء في الدلتا. وخرجت «نعيمة« إلى النور لتجد نفسها بين الوحوش والحيوانات والألعاب البهلوانية مثل أبيها وأمها وسائر أفراد أسرتها، ولما بلغت العاشرة تزوج والدها من أخرى غير والدتها التي اضطرت إلى ترك السيرك مع أولادها، لتستقر في شقة متواضعة بشارع محمد علي ثم انتقلت إلى ملهى «الكيت كات«، الذي كان يرتاده معظم مخرجي السينما، فالتقطها المخرج أحمد كامل مرسي وقدمها كراقصة في شريط «ست البيت» السينمائي، ومنه اختارها المخرج حسين فوزي لتشارك في بطولة شريطه السينمائي «العيش والملح» ثم في «لهاليبو».

وبرغم فارق السن الكبير بينهما، إلا أن المخرج حسين فوزي تزوجها ونقلها من شارع محمد علي إلى فيلا بمصر الجديدة. وتوالت أشرطتها ولمع نجمها في السينما. وبعد عشرة أعوام من الزواج، انفصلت نعيمة عن زوجها في هدوء شديد، بعد أن أخرج لها 15 شريطا.

وحصلت عاكف – التي مزجت الاستعراض الحديث بالرقص الشرقي عبر «تابلوهات» لا رقصات – على لقب «أحسن راقصة في العالم» من مهرجان الشباب العالمي بموسكو عام 1958، ضمن خمسين دولة شاركت في هذا المهرجان، لكن أحسن راقصة في العالم توفيت صريعة مرض سرطان الأمعاء، وأنهت مشوار سبعة عشر عاماً من الفن والتألق والإبداع.

[نجوى.. الامتداد

يصف نقاد الرقص الشرقي نجوى فؤاد بأنها امتداد لتحية كاريوكا، فهي تنتمي إلى مدرستها ذاتها في هذا الفن!

نجوى المولودة في 1943 في الإسكندرية من أب مصري وأم فلسطينية، عملت كراقصة في الصالات ثم مزجت بين الرقص والتمثيل، وقامت ببطولة الكثير من الأشرطة السينمائية، وأسست شركة إنتاج سينمائية وقامت بإنتاج العديد من الاشرطة. من هنا، كانت فؤاد أول راقصة مصرية تعنى بفكرة القضاء على هذا الهاجس : بعد أن تتقدم الراقصة في السن.. ما الذي يبقى لها؟ وكيف تعيش؟ وبرغم أنها أسست هذه الشركة، إلا أنها انهمكت في فن التمثيل لحساب الشركات الأخرى.. تبدو نجوى فؤاد دوما هاربة من شيء ما، هاربة من الفقر والمستقبل المظلم، وهي نجحت في ذلك. من هنا تركت الرقص بعد نحو عشرين عاما فقط من ابتدائها له، وأصبحت ممثلة، كأنها تتأسى في هذا بأستاذتها» كاريوكا».

ورغم أدوار الراقصة المتكررة في هذه الأفلام، فإنها حاولت أن تعطي نفسها مكانة كممثلة، وبعد أن كتب كثيرون عن فراقها للرقص، وظلوا يكتبون عشر سنوات تقريبا، أعلنت أخيراً اعتزالها الفعلي فن الرقص الشرقي في عام 1998.

[فيفي.. المثالية

قبل أشهر من اليوم، تحديداً في مارس /آذار، ومع اقتراب الاحتفال بعيد «الأم» الذي يعطيه المصريون اهتماماً كبيراً – كمجتمع يعشق الأم ويقدس دورها – أعلنت إحدى المؤسسات الخاصة فيفي عبده أماً مثالية، فانشغل المجتمع كله بالخبر، واشتعل الفيس بوك وتويتر سخرية من هذا الاختيار، قالوا : كيف تكون الراقصة أما مثالية؟

خمدت نيران هذه المعركة.. لكن بقي السؤال : هل الراقصة منبوذة اجتماعيا؟ السؤال نفسه يشغل خاطر فيفي عبده نفسها، وإلا لما سعت وتسعى لتأسيس نقابة للرقص الشرقي تصون مستقبل من تعملن بهذه المهنة في مصر، وهي تقول عن نفسها دوما انها الابنة الروحية لكاريوكا. ويعرف كثيرون ممن كانوا على صلة بالراحلة الكبيرة كاريوكا أن فيفي عبده كانت قريبة جدا منها في سنواتها الأخيرة.

فيفي المولودة في العام 1943، ليست مجرد راقصة شرقية ولا ممثلة مصرية، هي رمز لمرحلة، تحديدا التسعينيات، حين لمع نجمها بشدة، وصارت «رقم واحد» بين جميع الفنانات المصريات شهرة وثروة، وحيكت عنها الحكايات الكثيرة، لكنها صمدت وظلت تحتفظ بمكانة كبيرة لاسيما لدى الأوساط الشعبية في مصر.

ظهرت للمرة الأولى في السينما من خلال شريط «الرسالة« للمخرج العالمي مصطفى العقاد بدور الراقصة في العام 1976، ثم توالت أدوارها في السينما كما الرقص الشرقي. وفي السنوات الأخيرة توالى ظهورها كبطلة مسلسلات تعرض على الشاشات العربية.. وتبقى فيفي عبده مواصلة لمدرسة كاريوكا في الرقص بعد نجوى فؤاد.. الرقص الذي يعتمد على الأسس العربية، لا على أسس الاستعراض التي تمزج العربي بالغربي على نحو خلب لب وزير الخارجية الأميركى الأشهر هنري كيسنجر الذي كان يخصص وقتا مستقطعا من رحلاته المكوكية أثناء احتدام الصراع العربي الاسرائيلي قبل وبعد حرب تشرين / اكتوبر 1973 لمشاهدة وصلة رقص من نجوى فؤاد، لوصل ما انقطع، وهو ما ذكرته نجوى باعتزاز وفخر شديدين، في حواراتها الصحافية، المثيرة كرقصها تمام.

[دينا.. العالمية

إذا كانت فيفي عبده التي اعتزلت الرقص عملياً لا رسمياً، تواصل هذا الفن على أساس انتمائها إلى مدرسة تحية كاريوكا، فإن «دينا «تواصله على أساس الانتماء الواضح لمدرسة سامية جمال.

«دينا طلعت» هو اسمها، وهي مركز الحديث اليوم، فهي بطلة البرنامج الذي تم منعه «الراقصة«. وترأس لجنة التحكيم فيه. دينا التي ولدت في العام 1965، حاصلة على ماجستير في الفلسفة.. نعم، ولا غرابة في ذلك.. فهي أول راقصة مصرية تكمل تعليمها، بل تتخطى كثيرا من المتعلمين إلى الدراسات العليا. كانت لها أخت اسمها «ريتا»، كانت تعمل في مجال الغناء في فترة ثمانينات القرن العشرين، وقررت الاعتزال وارتداء النقاب بعد ذلك. لعل هذا هو ما جعل نقادا وصحافيين كثيرين يتوقعون اعتزال «دينا« عدة مرات، وفي كل مرة تخيب دينا ظنهم، حتى أقلعوا نهائيا عن هذا التوقع!

بدأت دينا شهرتها في تسعينيات القرن العشرين وكانت بدايتها في الرقص في المرحلة الثانوية.. وحافظت على موقعها في المقدمة برغم زحام الراقصات اللبنانيات والروسيات وقلة من المصريات في مصر!

وخرجت إلى العالمية، ليس فقط بحفلاتها في جميع القارات، ولكن بمدارس الرقص الشرقي التي افتتحتها وعلمت فيها الراقصات الأجنبيات في بلادهن أسس هذا الفن، فصارت لها تلميذات من بلاد كثيرة. لعل هذا هو ما دفع صناع برنامج «الراقصة» إلى اختيارها على رأس المحكمين، فدينا عالمية بالفعل، والراقصات المشتركات في البرنامج أغلبهن من بلدان غير ناطقة بالعربية. ودينا في هذه الشهرة الطاغية تنتصر لمدرسة سامية جمال في الرقص التعبيري، إن جاز التعبير، ولكن على أسس حديثة. وربما فوجئت دينا بشهرة الراقصة الأرمنية / الروسية «صوفينار» التي سماها المصريون «صافيناز»، لكن لصوفينار قصة أخرى وحديث آخر عن هجمة الشرق الأوروبي على الرقص المصري في عقر داره، فالرقص الشرقي بدأ بمصابني وانتهى بصوفينار على ما يبدو، التي رقصت على واحدة ونص ببدلة رقص بالوان علم مصر فلفظها المصريون من عيونهم المدربة على تذوق جمال الرقص الشرقي. صافيناز ارتكبت إثماً وطنياً، ولكن الرقص صار طقساً وطنياً مصاحباً للحالة الثورية التي بات عليها المصريون قبل الهجوم الداعشي الأخير!

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق