لو كانَ لي بنتٌ أخرى.. لسمّيتها نينوى

 إنّه العاشر من حزيران/يونيو 2014

 أودع فيه نينوى للمرة الثانية بعدما ودعتها لآخر مرة في اغسطس 2007 إنهُ العاشر من حزيران وفيّ حنين للأمومة وبنت أحملها في يديّ تحمل في وجهها ابتسامة مفتوحة مثل منتهى نينوى. عندما خرجتُ منها أول مرة عرفتُ أنني لن أعود إليها. لم يكن يأساً ولكنه كان قراراً حاسماً. لم أتخيل أن قراري سيكون مصير مدينة بكاملها في ذهني أيضاً. تعرّف الله على صرختي الأولى في نينوى ونشأت ودرست وكبرت فيها. قُبلتي الأولى كانت خلف جدرانها. انجبت ابني وابنتي هناك، رغم أني كنت مقيمة في بغداد وقتها، لم تخلُ أوراقي الرسمية مهما اختلف مكان اقامتي من ختم حتمي باسمها. نينوى، تلك المدينة الطازجة على مرّ العصور لم أكن أفهم اختلاط جمالها الخاص بروح أهلها المرتبطة بأصولهم النابعة من تاريخ عميق لا يمكن أن افهمه كتاريخ، لأنه كان حاضراً دائماً أمامي ولم يتغير شيء فيه. جدران المملكة الآشورية تشق بنيان المدينة الحديثة والقصور الجديدة وتقف بواباتها شامخة متحدية كل ما يتعالى عليها بالحداثة. رأيت تلك البوابات وأنا أعبرها كل يوم إلى مقر عملي كيف اصبحت ثكنات للمحتل وكيف اصابها رصاص المواجهات اليومية بينه ومسلحين يظهرون بين الحين والآخر.. شاهدت آثار “بسطال” الأمريكان تعبر بوابة سنحاريب وأنا أقود مجموعة من الطلاب في رحلة ثقافية لأريهم آثار المدينة. سمعتُ أنين الأرواح التي تسكن جدران المدينة مرات ومرات وهي تصدّ رصاص العبث عن وجوه لم تفهم وجه نينوى يوماً.

 

حميتُ ابني وابنتي من صوت الانفجارت والمعارك في الشوارع وركضتُ مع والدتي، بساقيها العاجزتين عن الجري، لتفادي انفجار ما أو وابل من رصاص متطاير فوق رأسينا. بقيتُ لأيام على الحدود لا استطيع دخول المدينة بسبب من معارك داخلية وتذوقتُ ما معنى أن تلجأ إلى بيت غريب في ليلة العيد لأن سيارة مفخخة انفجرت للتو بالقرب من صالون التجميل الذي كنتَ فيه! شممتُ فيها رائحة شواء لحم البشر بدلاً من السمك والكباب وتذوقت على طرف شفتي دم أحدهم بدلاً من النبيذ. لسنة كاملة بقيتُ أشمّ رائحة الدم والرعب من رأس ابني، الذي لم يتجاوز عمره آنذاك سنتين ونصف، بعدما نجا من حادث ارهابي استهدف عائلتنا. عبرتُ المدينة عشرات المرات أقصد سيدة عجوز عمياء لتدعو له كي يذهب عنه “أبو صفار”* الذي أصابه فجأة إثر الحادث. أتوسل بالمفارز العراقية والأمريكية أن يدعوني أعبر كيلا أفوّت موعداً معها. لم أكن أقصدها لأني مؤمنة بما تقوم بهِ، بل كنت أقصد الجدران العتيقة التي تسكنها في بيت من بيوت المدينة القديمة. أرسلتُ العديد من رسائل النعي في أصدقاء فقدتهم أثناء عملهم الصحافي واستقبلتُ العشرات من التهديدات المباشرة وغير المباشرة بعزلي عن الأمل في الغد. سكنتُ في بيوت تثمر في حدائقها أشجار البرتقال وأخرى تورث الحزن عندما يخطُّ على جدار منزلك أحدهم: كافر.. أنت التالي! 

 

عندما لم يتفهم الموت أنني لا أريدهُ الآن وأنَّ علي حماية أولادي من أنيابه تركتُ المدينة إلى غير رجعة. كان قراراً نابعاً من اليأس ولكنه ضرورة. ففي الطوفان إن لم تستطع إكمال بناء السفينة التي ستنقذ الجميع لا بأس أن تتعلق بقطعة طافية من أجل أمل البقاء لربما تعود يوماً وتكمل بناءها.

 

 لجوئي إلى كردستان ثمَّ إلى النرويج لم يحل المشكلة في داخلي أن اقطع الحبل السري المرتبط بنينوى. ظلت مثل حسرة قاسية كلما بلعت ريقي لأتنفس جرحتني.

 

كان لجيلي حصة الصراع الأكبر مع مرجعية المدينة الثقافية والاجتماعية ومع تطور العالم خارج نطاق المحليات. مشكلتي الشخصية مع منظومة المجتمع الموصلي بدأت منذ الطفولة، وليس كما يحدث غالباً بعد النضوج. المدينة معروفة بتعصبها لحضريتها وليس لدينها. فهي تستنكر كل ما هو خارج مفهوم الحضرية أو المدنية. عندما يريد السكان الأصليين التميز عن الوافدين يسمون أنفسهم: الحضريون!

 

حتى في العامية الدارجة عندما يسأل أحدهم عن أصله يقولون له: أنت حضري؟ بسكون الحاء والضاد وكسر الراء. كان أول تعبير تاريخي أتشربهُ من تفاصيل يومية ومنذ تلك اللحظة عرفتُ نفسي أنني سأجد صعوبة في الاندماج مع مكونات المجتمع. معظم صديقات الطفولة والمراهقة والجامعة كن من عائلات ضاربة جذورها في القدم وما إن اشاروا إلى شخصية أو صناعة ما حتى نعرف من أية عائلة هو. بالرغم من معارضة بعض عائلات صديقاتي على علاقتنا، نظراً لأني كنتُ في رأيهم لستُ حضرية بل أثنية تعود أصولها لأكثر من تفرع يبدأ بقلعة أربيل ولا ينتهي ببغداد، إلا أنني استطعتُ أن أكوّن محيطي الذي اتسق مع شعوري المبكر باللا انتماء. كان لكتاب اللا منتم لكولن ولسن الأثر الأكبر في قدرتي على مواجهة مجتمع الموصل وغرس جذوري فيه رغم الصعاب. بالإضافة إلى وجود أثر ملموس للحركة الشيوعية التي اختفت ظاهرياً من المدينة لكنها بقيت في آثار أفعال المؤمنين بها.

 

 نينوى كانت وما زالت متعصبة لعرقها وأصولها. مسلمون ومسيحيون، وهي من المجتمعات المحافظة جداً لكنها لم تكن متطرفة يوماً. فلم تشهد المدينة حادثة طائفية أو دينية جادة حتى عام ٢٠٠٧ بأول حادث بشع لقتل فتاة مراهقة من ديانة “ما” لاعتناقها الاسلام إثر علاقة حب. كانت هذه الحادثة بداية التكشف عن وجوه نائمة في المدينة استفاقت فجأة وصارت تقتل وتنحر نصرة للدين. وهذا ما لم استوعبه وقتها لأني أعرف المدينة وأهلها جيداً. من أين أتى هذا العنف كلهُ والتمييز العنصري والديني فجأة رغم أن الموصل كانت آخر مدينة دخلها الجيش الأمريكي وظلت بدون أجهزة أمنية لأسابيع تدير شؤونها بنفسها وبمتطوعين من العامة. كيف سقطت الموصل في ثلاثة أيام بدون مقاومة تُذكر من الجيش أولاً ومن الناس ثانياً؟ ومن نلوم على ما حدث؟ هل نلوم الجيش المُعَد والمجهز بشتى أنواع الأسلحة المتطورة أم نلوم أناساً عزل سبق وأن صودرت معظم اسلحتهم في حملة مداهمات كان يقوم بها أفراد الجيش؟

إنه العاشر من حزيران ويصلني صوت أختي خائفاً ومرتجفاً ولا تعرف ما تقول سوى أن تخبرني أنهم على قيد الحياة إلى حين!

يقطنُ معظم عائلتي في الجانب الأيسر من المدينة التي يشقها نهر دجلة. وكل ما عرفته منها ذلك اليوم أنهم فتحوا بيوتهم للعائلات النازحة من الجانب الأيمن بسبب المواجهات المسلحة وسقوط نصف المدينة بيد المسلحين. كانت تقول أنهم يفتحون الباب ويجدون جنوداً من أفراد الجيش يتوسلون لهم باعطائهم ملابس مدنية للهروب بها.. تركوا اسلحتهم وآلياتهم وتوجهوا إلى كردستان التي أدخلتهم بدورها دون تردد.

 

 اسئلة كثيرة صارت تتبادر في ذهن الجميع عما حدث وظهرت تحليلات كثيرة بعضها لا يمتُ للواقع بصلة منها أنها كانت ثورة عشائر. غير مقنعة، بالنسبة لي على الأقل، لأني أعرف طبيعة المدينة جيداً، فهي مدينة عائلات معروفة غير مسلحة وليست مدينة عشائر كباقي مدن الوسط الجنوب. ثورة عشائر لن تكون ممكنة لمدينة متعددة الأديان والأعراق. في البدء تأنت الجماعات المسلحة في الافصاح عن هويتها كي لا تثير الرعب والرفض من العامة ولكن بعد أيام عندما بدأت الأمور تنجلي قرر الكثيرون مغاردة المدينة خوفاً من السيناريو القادم، ومنهم أفراد من عائلتي، لأنهم بدأوا يشكّون بهوية المسلحين الذين سيطروا على المدينة بالكامل.

 

لم تكذب الخبر هذه الجماعة في الإفصاح أخيراً أنهم جماعة “الدولة الإسلامية” التي غيرت اسمها من الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى دولة الخلافة الإسلامية. عزز ذلك ظهور “الخليفة” نفسه في أكبر جوامع المدينة دون علم مسبق للأهالي. ومن يتابع الفيديو لخطبة “الخليفة” أبو بكر البغدادي أو ابراهيم العواد سيقرأ نظرات الدهشة والعجز في وجوه المصليين من العامة. بين كل عشرة مصلين عدة مسلحين من الدولة ولا أعرف أي سلام شعروا به تلك الجمعة ليكملوا صلواتهم! فنتازيا جديدة تضيف إلى تاريخ هذه المدينة بعد سلسلة قصص سمعناها عن معارك الآشوريين قديماً والمسلمين بعد “فتح” البلاد وحصار نادر شاه و “ثورة الشواف” وصور الجثث المعلقة على أعمدة الكهرباء والتي لا يعرف العالم عنها الكثير. مستوى جديد تفتحهُ آفاق هذه المدينة على تاريخ لا أعرف كيف ستسطرهُ بعدما يزول هذا كله، لأني على يقين حتماً لن يدوم، مثل مصير أمنيتي القادمة تماماً: إنه الخامس والعشرون من تموز/يوليو.. حيث دفنتُ آخر أمنية لي مع ذكرى “مقام صاحب الحوت”، كانت أن أعود إلى حديقة منزلنا واسقي مجدداً شجرة البرتقال والكروم وأجلس أخيراً على مقعدي البلاستيك لأراجع قصيدة جديدة تحت ظليهما.

 

* التهاب الكبد الفيروسي

*التعابير والاسماء بين فاصلتين تعبر عن تناقل الأخبار لها وليس رأي كاتب المقال 

منال الشيخ: كاتبة وشاعرة من العراق مقيمة في النرويج.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق