القرآن وقضية حقوق الأقليات الجنسية


(1)
يتجلى جوهر لاهوت التحرير في التضامن مع المظلوم وبذل الهمائم لتحقيق العدالة. ترتسم الغاية السامية لـ لاهوت التحرير في إزالة التمييز غير العادل عن ساحة الحياة الاجتماعية والتقليل من المتاعب الناس ومن يعيشون على المعمورة بلحمهم وجلدهم ودمهم. يبدا لاهوت التحرير سبيله بالإعراب عن تضامنه مع ضحايا العنف والتمييز المتعسف وشعوره بالألم الجارح لكيان الإنسان ويقف إلى جانب كافة الحركات المطالبة بتحقيق العدالة. فمن دون شك ان أحد اهم أسس المكونة للخطاب القرآني هو حساسيته الخاصة بقضية العدالة والدفاع عن المظلوم: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا(1) . تعتبر الحساسية تجاه تحقيق العدالة، الروح السائدة على الثقافة القرآنية ومن الأسس الرئيسية التي يجب على المسلم تنظيم إطار فهمه واستيعابه للقرآن في ظلها(2).
السؤال الرئيس الذي اطرحه على بساط البحث في هذا المقال هو: هل يمكن توسيع دائرة لاهوت التحرير رقعة، كي يحمل بين دفتيه حقل الحقوق والكرامة الإنسانية للأقليات الجنسية؟
إنني اجب على هذا السؤال بـ نعم. لكن هنا وبغية إيضاح المعنى الذي تتضمنه هذه المقولة أرى من واجبي ان اجب على سؤالين وهما:
الأول: لماذا (وفق رؤيتي) يصبح التفسير وقراءة القرآن التي تعارض التمييز على أسس الهوية والانتماء الجنسي، يصبح جائرا أخلاقيا؟
الثاني: لماذا يتوجب على المسلم المتأمل والعاقل ان يبذل جهدا كي يعثر على فهم من الآيات القرآنية يعارض التمييز المبني إطاره على أسس الهوية والانتماء الجنسي؟
يمكن تأطير إجابتي تلك على السؤالين في صرح الاستدلال التالي:
1. كافة الناس سواسية، اي لهم حقوق متساوية ويتمتعون بكرامة إنسانية واحدة، وعليه فان وضع أي تمييز بينهم يعد عملا منافيا للعدالة، الا إذا كان هناك سببا أخلاقيا مبررا.
2. الأخلاق (بمعنى الأسس والمبادئ والأدلة الأخلاقية) معقلن تماما عند الثبوت والإثبات، ويعتبر مستقلا عن الدين ومقدم عليه أصلا.
3. ليس هناك دليل عقلي أو أخلاقي مبرر لاعتبار الهوية والانتماء المثلي الجنس بالقبيحة (لأنها مثلية الجنس).
4. على هذا يخالف ويعارض التمييز وفق الهوية والانتماءات الجنسية (لأنها جنسية ليس الا) أصل العدالة وأخلاقيا يعتبر عملا خاطئا.
5. هناك من يرى بان بعض من الآيات القرآنية ترسم تمييزا بين الناس وفق هويتهم وانتماءهم الجنسي (وبالتحديد الهوية والانتماءات المثلية).
6. إذا اضحى ادعائهم يسير على الطريق الصحيح، فعندئذ يحمل القرآن آيات تعارض العدالة وخاطئة أخلاقيا.
7. لكن (كما يعتقد المسلمون) ان الكلام الالهي يخلو من اللاعدالة واللاأخلاقية.
8. وفقا لما فات، يصبح على المسلمين:
(ألف) أما ان يبرهنوا على أنه في اقل التقدير الفقرة الأولى الى الثالثة كاذبة وعليه ان الآيات القرآنية التي تضع خطوطا مميزة بين الناس بناءا على هويتهم وانتماءهم الجنسي ليست الا غير عادلة ولا يمكن تبريرها أخلاقيا.
(ب) ام عليهم القول بان الفقرة الأولى الى الثالثة صادقة لكن يجب ان يبينوا بان ذلك التفسير للقرآن الكريم الذي يجيز التمييز الجنسي هو خاطئ، ويمكن (أو ينبغي) الإتيان بقراءة وتفسير من الآيات حيث لا يحمل في طياته هذا الانطباع الذي يوحي بالتمييز واللاعدالة.
يرى كاتب السطور بان الفقرة الأولى الى الثالثة صادقة(3) وبصفته مسلما يقبل بالمقدمة السابعة. ففي هذه الحالة يعتبر التفسير والقراءة من الآيات القرآنية التي يدخل في لواها التمييز وفق الهوية والانتماء الجنسي، يعتبره ضرورة مرفوضا أخلاقيا.
هذا ومن يقبل بالعبارات الواردة في الفقرة الأولى الى الثالثة والسابعة، عليه ان يجب على الأسئلة التالية:
هل يمكن تقديم فهم من القرآن باعتباره كلام إلهي يتلاءم والتمييز المؤسس على الهوية والانتماء الجنسي؟
إنني أرى بان الإجابة على هذا هي نعم. غير ان التلاؤم المنشود يخرج إلى الساحة على اقل تقدير عبر أسلوبين مختلفين (وليس بالضرورة معارضين):
الأسلوب الأول هو ان نأتي بتفسير من الآيات القرآنية يكون نزيه من التمييز الجنسي طولا وعرضا. ينكب بحث المفسر باتخاذه هذا الأسلوب على ما يمكن ان نطلق عليه التآلف الإيجابي أو الحد الأكثر.
أما الأسلوب الثاني فيبرز نفسه في إيضاحنا بان تلك الآيات القرآنية التي تتحدث عن التمييز الجنسي، فهي تدل على الأزمنة الغابرة ولا يمكن ان نطلقها على العصر الراهن بتاتا أو (بشكل أو باخر) فقدت إمكانية إطلاقها على يومنا هذا. يتركز سعي المفسر في العثور على ما يمكن تسميته بـ التالف السلبي أو الحد الأدنى.
في هذا المقال نقوم بدراسة الأسلوبين فيما يتعلق بحقوق الأقليات الجنسية وكرامتهم الإنسانية باقتضاب.
(2)
من دون شك فان تفسير الآيات القرآنية السائد في الساحة يسمح بولوج التمييز على أساس الهوية والانتماء الجنسي في طياته. هذا وان التفاسير التقليدية تتعارض والألوان الأخرى للتمييز. على سبيل المثال، ترى التفاسير التقليدية بان نظام الرق في الأساس مسوغ، وتعد قضية عدم تساوي الرجال والنساء حقوقيا أمرا مقبولا كما يصدق الأمر على عدم تساوي المسلم وغير المسلم في الحقل نفسه. ان أولئك المسلمين الذين يرون بان مثل هذا التمييز يعارض العدالة والأخلاق، يذهبون الى ان حجية التفاسير التقليدية فيما يتعلق بتفسيرها تلك الآيات القرآنية لا تحظى بقيمة كذلك. فإنهم يرون بان التشبث بمثل هذه التفاسير المسببة للتمييز لا يشكل الذريعة ولا يسمح برفض التفاسير العادلة من القرآن التي تدخل التفاسير الحساسة بالعدالة الجنسية في خانتها. على هذا، فان القضية المعروضة لمحك التساؤل على أولئك المسلمين الذين يعتقدون بالعدالة الجنسية لا تتلخص في السؤال الذي يقول هل تلك التفاسير التقليدية من القرآن تتلاءم والعدالة الجنسية ام لا؟ ذلك لان الإجابة على هذا السؤال تكون سلبية بجلاء من دون دخول الشك في ثنايا القضية. بل ان التساؤل الرئيس يقول بأنه هل هناك مجال لتأويل ذلك “الظهور” عند اقتضاء الضرورة ام لا. هذه الأسئلة وما شابهها كانت تطرق أبواب مفسري القرآن في العصر الحديث وتشغل بالهم دوما. على سبيل المثال يدعي صاحب الميزان بصريح العبارة حول كيفية خلق الناس… فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته مما لا ريب فيه لكنه يضيف بحذر وإن لم تمتنع من التأويل….(4) على هذا النمط فان المسلمين الذين يعتقدون بالعدالة الجنسية حتى يمكنهم بان يسيروا على درب المفسرين التقليدين بالقول بان الآيات القرآنية التي تتحدث عن التمييز الجنسي فيها “ظهور” وفي نفس الآونة يطرحون سؤالا مفاده هل يعد تأويل ذلك الظهور ممكنا ام لا؟ على هذا فان نقطة خلاف الآراء بين المسلمين الذين يعتقدون بالعدالة الجنسية من جهة والمفسرين التقليديين في صوب اخر لا تتجلى في إمكانية ظهور الآيات القرآنية من عدمها وفق التفاسير التقليدية في قضية التمييز الجنسي. ان مربط الفرس في هذا البحث يتبلور في: هل في الواقع هناك مجال لمثل هذا الظهور ام لا ولو افترضنا بان ذلك الظهور له حضور في الساحة فان السؤال الذي يتبعه هو هل المجال مفتوحا لتأويل الظهور ام لا؟
تعد قصة قوم لوط أبرز الأسس القرآنية في تبرير التمييز المبني على الهوية الجنسية (المثلية الجنسية). بناءا على هذا فإنه من منظار المسلمين الذين يقولون بالعدالة الجنسية؛ يفيد السؤال المطروح في الساحة بان هل هناك في الرواية القرآنية لهذه القصة ما يفتح الباب على مصراعيه لإمكانية تفسير يعتقد بالعدالة الجنسية؟ ان إجابتي على هذا السؤال هي نعم بقدر ما استوعب الأمر بنفسي. بعبارة أكثر وضوحا فان هناك عناصر في الرواية القرآنية لهذه القصة تفتح الباب لإمكانية التأويل المذكور (أي التمييز وفق الهوية الجنسية) لو اقتضت الضرورة. من الجيد هنا بان نقوم بدراسة بعض من تلك العناصر:
النقطة الأولى: تحاول أغلبية التفاسير التقليدية جاهدة بان تحصر الإثم الرئيس الذي ارتكبه قوم لوط وما أدى إلى نزول العذاب عليهم في ارتكاب رجالهم “الشذوذ الجنسي”. وعليه يلوم لوط قومه على ارتكاب الفاحشة(5) فيفسر المفسرون بان الفاحشة ليست الا اللواط(6). غير ان الرواية القرآنية كما أدلة أخرى خارج النص القرآني تبين بان قوم لوط كانوا يرتكبون شتى الذنوب الفاحشة وعليه لم يكن هناك دليل يبرهن على ان ارتكاب الفاحشة التي تقف وراء نزول العذاب عليهم هي المثلية الجنس المتفشية عند رجال القوم. بل خلافا لهذا، فمن منظار القرآن كان الكفر وتكذيب نبوة نبي لوط وكافة المرسلين تقف على راس الذنوب المرتكبة على يد قوم لوط: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (القمر 33). و“كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ”(7). (الشعراء 160). و “وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (الحج 42 – 43). كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (ص 12 – 14). كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (ق 12 -14). كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا (القمر 33 – 34). أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (العنكبوت 29)(8). وقال بعض المفسرين: ان المراد بإتيان المنكر في النادي هو ارتكابهم في مجالسهم أنواع المنكرات والقبائح مثل الشتم والسخف والقمار وخذف الأحجار على من مر بهم وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات واللواط ونحو ذلك. (9)
ان دائرة فواحش القوم متسعة في العهد القديم:”هذا كان اثم أختك سدوم الكبرياء والشبع من الخبز وسلام الاطمئنان كان لها ولبناتها ولم تشدد يد الفقير والمسكين. وتكبرن وعملن الرجس امامي فنزعتهن كما رأيت“. (حزقيال النبي، باب الصحاح السادس عشر، 49 و50). كما ورد في رسالة يهودا: 1: 7 كما ان سدوم وعمورة والمدن التي حولهما اذ زنت على طريق مثلهما ومضت وراء جسد اخر جعلت عبرة مكابدة عقاب نار أبدية. ويقول كان جوزيفوس ( josephus)عاش حوالي سنة 37-100 بعد الميلاد عن قوم سدوس: إنهم كانوا يكرهون الأجانب وكانوا ينتهكون أعراضهم باللواط.(10) 
يؤكد ابن حزم الأندلسي (384 – 456 هـ. ق) الفقيه والمتكلم البارز الظاهري في نقد التفاسير التقليدية للآيات التي تتحدث عن قوم لوط بالقول:
أما فعل الله تعالى في قوم لوط -فإنه ليس كما ظنوا، لأن الله تعالى قال كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وقال تعالى إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. قال تعالى إنه مصيبها ما أصابهم الآية، فنص تعالى نصا جليا على أن قوم لوط كفروا، فأرسل عليهم الحاصب. فصح: أن الرجم الذي أصابهم لم يكن للفاحشة وحدها، لكن للكفر ولها: فلزمهم أن لا يرجموا من فعل، فعل قوم لوط، إلا أن يكون كافرا، وإلا فقد خالفوا حكم الله تعالى فأبطلوا احتجاجهم بالآية، إذ خالفوا حكمها. (11)
أضف الى هذا فان ابن حزم يلفت انتباه القارئ الى نقطة اخرى، تفيد بان الرواية القرآنية تتحدث عن إنزال العقوبة الالهية بحق زوجة نبي لوط كما طالت قومه. برايه من الجلي بان لا يمكننا القول بان ذنب زوجة لوط هو قيامها باللواط(12). بناء على ما فات، فمن الواضح بأنه لا يمكن اعتبار ممارسات مثلية الجنس” بالسبب الرئيس لانزال العقوبة بحق قوم لوط “على هذا فالأصح هو البحث عن السبب الرئيس لانزال العقوبة بحق قوم لوط في قضية أخرى الا وهي كفرهم وتكذيبهم الانبياء. على كل لا يرى ابن حزم وبوضوح وخلافا لمفسرين كـ الطبري والطبطبائي بان مفردة الفاحشة الواردة في نص رواية قوم لوط تعني اللواط.
اما النقطة الثانية فيبدو من ظاهر سياق الآيات القرآنية بان احدى مدلولات الفاحشة او العمل الشنيع المتفشي عند قوم لوط آنذاك هو اتيان الرجال شهوة من دون النساء. (على سبيل المثال القرآن سورة الاعراف 81 والنمل 55). يذهب اغلبية المفسرين التقليدين الى ان الآيات تلك تشنع ممارسات المثلية الجنس وتقبحها لأنها مثلية الجنس. غير ان ظاهر الامر يفيد بان التأويل هنا لا يتحدد في إطار خاص فهو ذو مجال واسع النطاق. ذلك لان ممارسات قوم لوط المهينة لم تحدث في اوراق التاريخ من ذي قبل كما ورد في القرآن: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (العنكبوت،29). اقترح المفسرون عند تفسيرهم هذه الآية معنيين اثنين: الاول هو: المراد ان هذا العمل وبهذا الأسلوب الخاص، لم يشع في قوم من قبلهم هذا الشيوع واما المعنى الثاني المراد ان قوم لوط هم اول من مارس هذا العمل (أي العلاقات المثلية الجنس) ولم يسبق ان مارس هذا العمل قوم من قبل(13). فوفقا للمعنى الاول ان الآيات لم تشر الى نفس الممارسات الجنسية بين الرجلين بل ان القضية هنا هي الاسلوب السائد او الشكل الخاص من العلاقات التي كانت شائعة بين القوم. اما طبقا للمعنى الثاني فان العلاقات المثلية الجنس (بغض الطرف عن شكلها او فحواها) فهي مذمومة توجب إنزال العقوبة الالهية. يرجح عدد من المفسرين منهم صاحب الميزان كفة المعنى الثاني على الاول. لكن يبدو ان المعنى الاول مرجح على المعنى الثاني لأسباب عدة. ذلك لأنه قد يكون من المسلم به بان العلاقات الجنسية المثلية بين الرجال كان له تاريخ أقدم من تاريخ قوم لوط. على سبيل المثال يرى خبراء العهد العتيق بان من تقاليد الكنعانيين والبابليين الشعوب الوثنية الأخرى، ان يعرض عدد من الفتيان في معابد القوم على الزوار وكانت العلاقات الجنسية مع”العاهر“تعد جزءا من شعائرهم الدينية. قد يكون مصدر المشاعر السلبية التي يبديها العهد العتيق تجاه العلاقات الجنسية المثلية بين الرجال يعني الى حد ما التبريء من اسلوب الوثنيين والكفار آنذاك وترسيخ هوية دينية محددة البنى والاطر في مواجهة الأديان المنافسة.(14) على هذا من العسير القبول بان تاريخ بداية العلاقات الجنسية المثلية كتب من لحظة قوم لوط. وعليه فان المعنى الاول يصبح أكثر قبولا وتأييدا مقارنة بالمعنى الثاني اعلاه، هذا يعني ان الآية التي تطرقنا اليها في السطور السالفة تدل على ان هناك شكل خاص من العلاقات المثلية الجنس كان متداولا في قوم لوط، شكل لم يشهد له مثيل على اقل تقدير بين الاقوام السالفة. ان هذا الاسلوب للتعبير أي التعبير عن قضية تعبيرا شاملا وكليا يدل في حقيقة الامر على مدلول خارجي، لا يجد له مثيلا في القرآن. على سبيل المثال ورد في القرآن في قصة يوسف واصفا النساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (يوسف 28). ان اغلبية المفسرين التقليدين يرون بان هذه الآية تكشف النقاب عن حقيقة في فطرة النساء كافة في كل الازمنة والامكنة(15). غير ان تفسير هذه الآية على اساس أنها عبارة حقيقية (أي عبارة تصدق على كافة الازمنة والامكنة) تحولها الى عبارة كاذبة بوضوح وجلاء. على هذا فان الصحيح هو اعتبار هذه الآية تدل على تلك النساء اللواتي حاولن في رواية يوسف بان يخدعن يوسف، بمعنى علينا قراءة هذه العبارة كـ عبارة خارجية وليست حقيقية(16). بناءا على ما فات فان الطابع الشامل لآية ما، لا يحولها الى قضية حقيقية (أي عبارة تدل على حقيقة تصدق في كل الازمنة والامكنة). في بعض الاحيان تفتقد العبارات الى الطابع الشامل فهي في الواقع عبارات خارجية أي إنها تدل على مدلولات خاصة ومحصورة في إطار زمان ومكان محددين.
وفقا لهذا هناك احتمال يطرح في هذا المجال يفيد بان رجال قوم لوط كانوا يقومون بممارسات مثلي الجنس بأسلوب كان خاص بهم وان ما اثار غضب الله لم تكن العلاقات تلك بنفسها بل كان اسلوب الممارسة او الشكل الخاص هو مثار الغضب. بيد أنه إذا قبلنا بهذا، يطل سؤال براسه يكتسب اهمية قصوى: ما الاسلوب او الشكل الخاص السائد على العلاقات الجنسية او المثلية الجنس؟
اما النقطة الثالثة: تكشف الرواية القرآنية التي تتحدث عن قوم لوط عن الخطوط العريضة للأحداث التي كانوا هم ابطالها، لكنها لا تتطرق الى نقل التفاصيل واحوالهم الا قليلا. على هذا فإنه وبالاعتماد على الرواية القرآنية يضحى من العسير تحديد الشكل الخاص للعلاقات الجنسية الشائعة بين قوم لوط. فالآية الوحيدة التي ينقل القرآن اسلوب تعامل القوم الشائع مسهبا في التفاصيل في داخل نص حادثة خاصة، هي حكاية لقاء الملائكة بنبي لوط. قد يمكن ووفقا لأدلة وشواهد تتوافر داخل النص وخارجه ينكب بحثها على تلك الحادثة ان نحشر فيها ملاحظات حول حشد من جوانب ذلك الشكل الخاص من العلاقات الشائعة عند قوم لوط او نطرح الاحتمالات. فمن الجيد بان نولي عنايتنا ببعض من تلك الشواهد:
بادئ ذي بدء قد يكون من منظار القرآن اهم ميزة للسلوك الذي ابداها قوم لوط في نص الحادثة تلك هو استمرارهم على ارتكاب الاثم الرئيس لهم الا وهو تكذيب الانبياء. يندرج سخاء الكف وبالتحديد عند حضرة الضيف في خانة اهم القيم السائدة على حياة الشعوب في ذلك العصر. ما ان يستضيف أحد ضيفا حتى يدخل الضيف تحت ظل سقف حمايته. تشكل حسن الضيافة التي يبديها في حقه دلالة على الشرف والاصالة والمكانة الخاصة والسامية للمستضيف. على هذا فإنه يمكن ان نضع في الحسبان بان أحد اهم اساليب ابداء العداء لفرد ما واذلاله يتجلى في محاولة التعرض لضيفه. ان العمل هذا يعتبر في المقام الاول انتهاك شرف ومكانة الضيف. لهذا ان قوم لوط وفي مسعى لهم لتكذيب وتحقير لوط بصفته نبي ارسله الله انذروه على قبول الضيف (الدال على الكرم والشرف والمكانة الاجتماعية) قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَك عَنْ الْعَالَمِينَ (هود 70). وكان يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم بغية فضح لوط وإلحاق الخزي والعار به. كما يتضح من كلام لوط بان هدف الحشد الرئيس قد يكون تحقير لوط: قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ. (الحجر 68 – 69) كما جاء في القرآن: فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (هود 78). كما جاء نفس المفهوم في العهد العتيق: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ إِلَى الْبَابِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَرَاءَهُ وَقَالَ: «لاَ تَفْعَلُوا شَرًّا يَا إِخْوَتِي. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي (سفر التكوين، اصحاح 19، 7 -9). على هذا فيبدو ان الهدف الرئيس الكامن وراء محاولة قوم لوط تلك ليس هو التمتع الجنسي بل فضحه وإلحاق الخزي والعار به عبر انتهاك حرمتهم باعتبارهم ضيوف وبهذا كانوا يريدون ان يكذبوا شان النبي ومكانته كنبي إلهي. فان الممارسة المثلية الجنس في مثل هذه الارضية كانت تعد وسيلة سياسية لفرض الاقتدار والهيمنة وتحطيم المنافس وهذا ما يشبه تعرض السجناء السياسيين للانتهاك الجنسي واغتصابهم في يومنا هذا لتحطيم معنويات السجناء السياسيين.
ففي إطار هذا التفسير يمكننا ان نخرج بفهم منطقي لهذا الاقتراح العجيب الذي قدمه لوط الى اولئك الرجال: قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (هود – 78). قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (الحجر – 71). فهنا يبدو ان لوط قد عرض بناته عليهم. غير ان اقتراح لوط هذا لا يخلو من اشكالات كما سناتي عليها في السطور التالية:
الاولى تتبلور في السؤال التالي وهو هل اقترح لوط بان يجعل بناته فريسة للمهاجمين؟ ومن ثم هل تسليم تلك البنات البريئات الى الحشد والتضحية بهن يعد عملا اطهر وأقرب الى التقوى؟ لا شك ان الاجابة لا تخرج عن”لا“. ان جل المفسرين القدامى يرون بأنه قد قطع لوط عذرهم بعرض بناته عليهم بالنكاح بدلا من ممارسة الفحشاء(17). غير أنه لا يوجد في القرآن ما يوحي الى النكاح. ثم لو ذهبنا مع المفسر موافقين رأيه، فهذا لا يحل المشكلة: فالمؤكد ان عدد بنات لوط كانت اقل من الرجال: هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا اخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم(18). هل كان يحق للوط ان يقوم بتزويج بناته الى أكثر من رجل وهم معتدون في آن واحد ودون رضاهن؟
من ناحية اخرى هل يمكن ان نشاطر اغلبية المفسرين الرأي بان لوط وبطرحه هذا الاقتراح اعتبر في الحقيقة بان العلاقات المثلية الجنس مرفوضة لأنها مثلية الجنس وعرف العلاقة الجنسية بأنها اطهر وأقرب الى التقوى؟ ان هذا التفسير حتى لو افترضنا صحته، فيبدو أنه لا يتلاءم مع تفسيرنا الذي اتيت على ذكره.
هناك سبيل واحد لفهم اقتراح لوط وهو:
النقطة الاولى ان قوم لوط كانوا على علم بان انتهاك حرمة الضيوف يعد عملا خاطئا ويعارض فضيلة الاستضافة ويناقض كرامة الضيف ومكانته. ان علمهم هذا كان يعارض بوضوح وجلاء نظام القيم عند القوم. يشهد لوط من خلال حديثه بان قومة يعرفون هذا حق المعرفة: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (النمل، 54). وبالرغم من علمهم بقبح عملهم وأنه يدخل دائرة الفواحش غير أنهم استهدفوا انتهاك حرمة ضيوف لوط المنكرين(19) كي يحطوا من شان لوط وحرمته ويخزونه في ضيفه.
اما النقطة الثانية فان قوم لوط كانوا يعرفون جيدا بان اقامة علاقات جنسية مع بنات لوط لهو من عمل شنيع وأنهم اعترفوا بهذا بعدما عرض عليهم لوط هذا: قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (هود 79). على هذا فان نظام قيمهم يرفض اقامة العلاقات الجنسية مع البنات اللواتي ليس لهم حق فيهن. (20)
اما النقطة الثالثة فإنه لا ينبغي اعتبار عرض لوط بناته بأنه من قبيل الدعوة وأنه يدخل خانة العرض الحقيقي. إنه كان يحاول بغية عدم انتهاك حرمة ضيوفه ان يخاطب ضميرهم الاخلاقي ويتوسل به. في الواقع فإنه يخاطب قومه قائلا: هل تريدون”التعرف الى“بناتي؟ فمن الواضح والجلي ان جوابكم هو لا وأنكم تعتبرون ان هذا العمل في نظام قيمكم عمل مرفوض. على هذا الاساس ان التعرض للضيوف وانتهاك حرمتهم مرفوض. على هذا فإنه وفقا لذلك النظام القيمي الذي يمنعكم من التعرض الى بناتي فعليكم عدم التعرض لضيوفي وانتهاك حرمتهم. غير ان القوم اجابوا: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (هود 79). فان مأربهم الرئيس هو تكذيب نبوة لوط ومكانته. لهذا بعدما شنوا هجوما على بيته وانتهكوا حرمة ضيوفه مطالبيه بالتهكم والسخرية بان ينزل عليهم العذاب الالهي إذا كان من الصادقين: مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (العنكبوت، 29). كأن القصد من الحاق الاذى وانتهاك حرمة الضيوف الغرباء ارغام لوط على مغادرة القرية لأنهم يتصنعون الطهارة. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. (الاعراف، 82). كما ورد: قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ. (الشعراء، 167).
اما الميزة الثانية الهامة للرواية القرآنية للقاء الملائكة فهي ان قوم لوط وبشنهم الهجوم على بيته كانوا يريدون بان ينتهكوا بالقوة حرمة اجساد الضيوف الغرباء. فوفقا للقرآن أنهم هرعوا نحو بيت لوط مطالبيه بتقديم ضيوفه لهم، فوجد لوط نفسه امامهم ضعيفا لا قوة له ولا ملاذ(21). ان مفردة”هرع“او”اهرع“التي وردت في: وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ (هود، 78)، تعني ساقه سوقا بعنف وتخويف(22). على هذا فيمكن الظن بان عمل القوم السيئات كان يتم بنوع من العنف وانتهاك حرمة الضحية جسديا، رغما عنهم. فوفق هذا التحليل لا بد من اعتبار عمل قوم لوط بأنه دليلا واضحا وجليا على الاغتصاب(23).
كانت الممارسة الجنسية الشنيعة والمتفشية في القوم تعتبر استخداما عنيفا للممارسة الجنسية كآلة (سياسية) لتقويض المنافس وارضاخه أكثر مما تعتبر شذوذا جنسيا عند الرجال. فلو هجمت النساء من قوم لوط على بيته كي ينتهكن حرمة الملائكة الجسدية بالقوة، هل كان ذلك يعد عملا حسنا وكان يرضى الملائكة بإقامة تلك العلاقات؟ يغلب الظن ان الاجابة تكون سلبية.
اثيرت قضية اخرى في الرواية القرآنية عند التطرق الى العلاقات الجنسية المتفشية عند قوم لوط، لم تتضح في النص القرآني. فوفقا لبعض الروايات، دخل الملائكة عليه في صور”غلمان مرد صبيحي المنظر“. على سبيل المثال ففي رواية طويلة وردت في اصول الكافي قصة قامت بشرح قضية قوم لوط فوفقا لها خرج ابليس بغية تغيير طبيعة عملهم الجنسي، في غلام، ورأه قوم لوط أحسن ما يكون من الغلمان(24). فوفقا لهذه الرواية بدأت العادة الجنسية الخاصة بقوم لوط في اقامتهم العلاقات الجنسية بعد ان فعلوا في ذلك الغلام. ثم خرج الملائكة في زي غلمان او في صور غلمان مرد(25). اما صاحب الميزان يستخدم مفردات مماثلة لوصف ظاهر الملائكة قائلا: … كونهم في صور شبان حسان مرد(26). هناك روايات وردت في تقبيح عمل اللواط وتحديد العقوبة عليه كما تخرج الصورة المرسومة عنه في الكثير من الاحيان في إطار علاقات جنسية بين الرجل والغلام(27). اجل، ان الاوصاف المماثلة التي تم عرضها (وفقا للانطباع العام) تفيد بان الخصلة الجنسية الخاصة لقوم لوط (وما أطلق عليها في مجال الفقه الاسلامي عمل اللواط) تركز على ممارسة الجنس مع الاطفال والناشئين. في الواقع كان في العصور السحيقة اهم اشكال علاقات مثلي الجنس يتجلى في تلك التي تقام بين الرجل مع الاطفال والناشئين. هناك اصناف من هذا التقليد تم التعرف اليها عند الكنعانيين والبابليين وكافة الاقوام الوثنيين او تلك الكافرة في المنطقة او في الثقافة الإغريقية القديمة وحتى في البعض من ثقافات الشرق البعيد والادنى في العصور السحيقة، اذ يمكن العثور على شكل منها في التراث الصوفي في إطار الغلمانية او لواط الاعراض او مجالسة الاحداث في العالم الاسلامي. (28)
ملخص الكلام ان العمل السيئ والشنيع الذي كان يرتكبه قوم لوط، يمكن ان يحمل الاوصاف التالية، مادام يرتبط بالعلاقات الجنسية بين الرجال:
الاول: يغلب الظن ان المقاربة النقدية للرواية القرآنية لا تنظر في اساس العلاقات الجنسية بين الرجال بشكل عام بل تولي عناية الى نوعية العلاقات الجنسية المتفشية بين القوم بشكل خاص.
الثاني: ان نوع العلاقات الجنسية الخاصة التي تم التركيز عليها، كانت صنفا من الوسائل السياسية التي يستغلها قوم لوط بوجه خاص لتحقير لوط وانكار مكانته بصفته نبي إلهي.
الثالث: كان الشكل الخاص من العلاقات الجنسية تلك، عبارة عن تعامل عنيف، يفرضه من يقوم به بالقوة ورغما عن الضحايا، بمعنى ان تلك العلاقات كان نوعا من الاغتصاب.
الرابع: ان النوع الخاص للعلاقات الجنسية التي تم التطرق اليها قد تكون في الاغلب تهتم بالأطفال والقاصرين وأنها تعد من مدلولات الاعتداء على الاطفال والناشئين واستغلالهم جنسيا.
الرابع: كان افتراضي الى هذا السطر يقول بان العلاقات الجنسية المتفشية بين قوم لوط (التي أطلق عليها في الفقه الاسلامي عمل اللواط) تتشابه مع الشذوذ الجنسي في معناها المعاصر بشكل او باخر. غير ان هذه الفرضية محل شك بشكل كبير. 
لا يتجاوز اللواط او اتيان الذكران كونه عمل جنسي بحت. بعبارة اجل ان الشخص بعمله هذا لا يبحث الا عن المتعة الجنسية في جسد الاخر ولا تتعالى حدود أمياله مستوى جسده. لهذا يخلو اللواط في الكثير من الأواصر العاطفية الانسانية العميقة. اللوطي لا يعثر في الاخر ملاذا للمشاركة في الافراح كما الاحزان، وفضلا عن هذا، لا يجد لنفسه مكانا في جوف الحياة الحقيقية لشريكه الجنسي ورفيقه وجليسه. فالعلاقة التي تربطه به تسير بالكامل في دائرة التجاذبات الجنسية، لا تصادف فيها على علامة تدل على تجاذبات العشق المترسخ والمتجذر حيث يسوده الاحترام الثنائي. لا يحسب اللوطي علاقاته الجنسية مع مثله كـ جزء من هويته الفردية والاجتماعية. إنه يختلط بمثله جنسيا غير أنه لا يعرف هويته وفق الرغبات تلك او السلوك الناجم عنها. اللوطي ينظر الى علاقاته الجنسية التي تربطه بالآخر مثله في إطار التسلية او المتعة العابرة حينا والخفية حينا للهروب من ضغوط الحياة المعمولة، وبعد اقامة العلاقة بين فينة واخرى يرجع الى حيث كان من العيش في كنف الحياة العادية، حياة يسودها في الغالب (في راهنه او مستقبله) اقامة علاقات جنسية مع النساء وتكوين اسرة بمعناها المألوف. إنه لا يفصل بين هويته وحياته الفردية والاجتماعية وبين رجال اخرين من مجتمعه ولا يواجه في حبكة هويته التي تتماشى والمقاييس السائدة على عقلية المجتمع، ما يسبب ازعاجه وإلحاق الاذى به. فيرى اللوطي نفسه رجلا كما هو متداول مفهوميا في البنية الاجتماعية الذكورية. هذا وقد يبتعد ذوقه الجنسي او جماليته في ظروف خاصة عن الاذواق السائدة في صفوف امثاله من الرجال. على هذا فاللوطي وفي نفس الوقت الذي يحتفظ بعلاقاته الجنسية الى جانب حياته العادية، فإنه لم ولن يعاني من قضية الهوية. إنه يرى نفسه في البيت، صحيح ان بيته له باحة خلفية لتلبية لذاته الخاصة.
تبرهن كافة الادلة في الرواية القرآنية على علاقة مثلي الجنس”اللوطية“بين قوم لوط. على سبيل المثال فان الصورة القرآنية التي ترسم عمل رجال القوم لا تتجاوز كونها اتيان الرجال الشهوة: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ. (النمل، 55 والاعراف، 81). ليس هناك دليل في الرواية القرآنية يدل على تجاوز عمل القوم حدود اتيان الرجال الشهوة وتبنى عليه نوعا من العلاقة العاطفية الانسانية العميقة. هذا وكما اتينا في السطور السالفة وكما ورد في الرواية القرآنية فإنها تدل في الاغلب على ان العلاقات الجنسية للرجال كانت تتم بالعنف ودون اخذ الكرامة الانسانية للضحية بعين الاعتبار. بعبارة اخرى فان الهدف الرئيسي لهم هو ممارسة القوة او تلبية الشهوة ولا يريدوا اقامة شكل من تبادل المشاعر العاطفية الممزوجة بالعشق اذ يرافقه الاحترام الثنائي. من جهة اخرى وطبقا للرواية القرآنية عندما هجم رجال القوم على بيت لوط، عرض لوط بناته عليهم. فاذا قبلنا بالتفسير التقليدي لهذه الرواية فعندها يبدو ان لوط كان يرى بان المهاجمين يرغبون بالنساء وفقا لأدلة وشواهد ما. يبدو انن تصور لوط عنهم لا يخلو من اساس كما يبدو، ذلك لأنه وفقا للرواية القرآنية كان الرجال لهم ازواج: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم… (الشعراء، 165 – 166).
على هذا فإنه من الصعب القبول بان رغبة رجال القوم حيث كان لهم ازواج كما ورد في القرآن، هي رغبة رئيسية لا بديل لها في النظر الى مثلهم جنسيا.
اما الشذوذ الجنسي بالمفهوم الذي يحمله في يومنا هذا، يتجاوز حدود العمل الجنسي البحت بين مثلي الجنس كثيرا ويرتبط بالهوية الفردية والاجتماعية للفرد. يرى تشارلز تايلور بان قضية الهوية وبذل المساعي للاعتراف بتعدد الهويات اضحت تكتسب اهمية خاصة في العالم الحديث. كما يذهب الى ان التشديد على الفكرة القائلة بان لكل انسان صوت داخلي خاص به يعد من ميزات العالم الحديث اذ ينبغي عليه ان يتمتع بمعاش اساسي يتلاءم وذلك الصوت (أي ذاته الصادقة). وعليه يعد الانسان انسانا وفقا لأسلوبه الاصيل الخاص به ولابد من الاعتراف بهذه الميزة وان يعيش وفقها حياة تخص به ولا تكون محاكاة لغيره.(29) لهذا تلعب الخصوصيات المميزة للإنسان دورا أكثر اهمية في منح الانسان الهوية. ان الانسان يطالب بالإلحاح بان يتم الاعتراف بهويته واحترامها بما أنها تختص به وتميزه عن الاخرين. على هذا فان اساس تعريف الهوية في العالم الحديث وفي اغلب الاحيان يتجلى في القضايا المنبوذة والمحقرة والمكبوحة أكثر مما يتجلى في الميزات العامة والقواسم المشتركة. على سبيل المثال تؤكد النساء على هويتهن النسوية والسود على هويتهم وفق لون البشرة والمثلي الجنس يؤكدون على هويتهم الجنسية. ان التأكيد على الهوية المختلفة هي ردة فعل في وجه الثقافة القمعية التي تصنف التعدد في خانة المخاطر وتحاول بان تدمج الجميع في إطار موحد بشكل او باخر يسير وفق بنية السلطة، وتصون بنية القوة بقدر الامكان من التعرض الى صدمة او ضربة تحاول النيل منها(30). يقدم المثلي الجنس في مثل هذه الارضية هويته الجنسية في تقديمه لهويته الإنسانية، مطالبا الاخرين باحترام هويته والاعتراف بحقه القاضي بتنظيم حياته الفردية والاجتماعية بصدق وكما تريده ذاته الحقيقية وباذلا كل ما بوسعه في ازدهار نفسه بصفته انسان شريف ذي كرامة. في هذه البنية لم يكن الشذوذ الجنسي مجرد ممارسة جنسية، بل إنه شكل من الحضور وبالتالي شكل من المعاش وفقا لذلك الحضور – معاش ملئ بالعواطف الانسانية الضاربة في العمق، بعبارة اخرى علينا اعتبار الشذوذ الجنسي بابن العصر الحديث – إنها ظاهرة لم يكن لها حضور في العالم ما قبل الحداثة. (31)
هذا ومن دون شك فقد كانت قضية الشذوذ الجنسي من القضايا المعروفة في العصر الذي سبق بسط الحداثة ظلها على العالم وكان هناك من يقوم بهذه الممارسات، لكن يبدو بان ثنائية”المثلي الجنس – غير مثلي الجنس“لم يكن لها حضور في عقليتهم. كان المنطلق للحكم على السلوك الجنسي في العصر السحيق هو علاقة الشخص بالعمل المنتهي بالايلاج وليس جنس الشريك الجنسي. بعبارة اجل لم يكن اساس تقييم العلاقات الجنسية كون الشريك رجل او امرأة بل الاهم ان يلعب الشخص في الممارسة الجنسية دور الفاعل وليس المفعول. كما ان الاساس في تعريف الرجل لم ينحصر في بناء العلاقات الجنسية مع النساء، كان بإمكان الرجل ممارسة الجنس مع النساء كما الرجال. لكن في منظومتهم القيمية ينبغي ان لا يصبح الرجل مفعولا وموضوعا للممارسة الجنسية بما أنه رجل. على هذا فان الاساس في بناء العلاقات الجنسية مع الرجال (وبالتحديد الغلمان) كان يعد امرا طبيعيا او مقبولا على اقل تقدير، اما قضية إيلاج الذكر في الدبر كانت مخزية ومجلبة للعار. وفقا لهذا ان ثنائية مفهوم”الفاعل – المفعول“كانت تلعب دورا مصيريا في تعريف عقلية العالم ما قبل الحداثة وانطباعه عن القضية الجنسية قياسا بثنائية مفهوم”المثلي الجنس – غير مثلي الجنس“.(32)
بناءا على ما اتينا في السطور السالفة على ذكره فيمكن الادعاء بان اللواط يختلف مع الشذوذ الجنسي مفهوميا. ان مجرد ممارسة الجنس لا تجعل الفرد مثلي الجنس وقد يقوم الشخص بممارسة الجنس لكنه لا يصبح مثلي الجنس، بمعنى أنه لا يعتبر نفسه مثلي الجنس هويةً. من جهة اخرى فإنه من الممكن بان يطلق الفرد على نفسه مثلي الجنس دون ممارسة الجنس مع شريك من النوع نفسه. فاذا أردنا التعبير عنها بأسلوب المنطق، فنقول ان نسبة مفهوم الشذوذ الجنسي بمفهوم العلاقة الجنسية المثلية تدخل في العموم والخصوص من وجه.
بناء على هذا ووفقا للادعاء القائل بان الرواية القرآنية تنبذ وترفض العلاقات الجنسية عند قوم لوط (اللواط)، لا يمكن الاستنتاج بان القرآن يذم الشذوذ الجنسي بتاتا.
النقطة الخامسة التي ينبغي اضافتها على ما أسلفنا ذكره تتبلور في ان القرآن لم يشر الى الشذوذ الجنسي. قال بعض المفسرين بأنه قد تدل الآية التالية على العلاقات المثلية الجنس بين النساء:”وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً “[النساء: 15].(33) فوفقا لبعض الآيات هناك من ربط قصة اصحاب الرس وما آل إليهم المصير (الفرقان، 38 وق، 12) بـ المساحقة (المثلية الجنسية الانثوية).(34) غير ان الجل الاعظم من المفسرين يعتبرون ان الآية الاولى تدل على الزنا وليس المساحقة، كما لا يوجد في كل الآيات القرآنية دليلا، يربط قصة اصحاب الرس بأعمال المساحقة او المثلية الجنس. هذا وإذا كان الشذوذ الجنسي ظاهرة قبيحة بما إنها شذوذ جنسي، فكان ينبغي ان يعتبر الشذوذ الجنسي بين الرجال قبيحا كما بين النساء. غير أنه في القرآن لا نرى بان العلاقات المثلية الجنس بين الرجال تعتبر مماثلة للعلاقة الانثوية: الرواية القرآنية ترى بان السلوك الجنسي الشائع بين الرجال من قوم لوط يستوجب الذم بصرامة، غير أنها لم ولن تشير الى العلاقات المثلية الجنسية الانثوية. على هذا فإنه يمكن الظن بان ذم وتقبيح الرواية القرآنية لا يتوجه الى العلاقات الجنسية وحدها، لأنه ووفقا لهذا فلا بد ان يتم الحديث عن العلاقات المثلية الجنسية الانثوية وتشنيعها وذمها. هنا وكما رأينا في السطور السالفة، فإنه من المعقول والصحيح القبول بان الرواية القرآنية لا ترى بان أصل العلاقات الجنسية بين المثليين مرفوض بل الشكل الخاص من تلك العلاقات المتفشية بين رجال قوم لوط قد اعتبر خاطئ وتم تقبيحه. تلك العلاقات التي يمارسها وينتهجها القوم بالتحديد لتكذيب الانبياء وبالذات لإلحاق الخزي والعار بنبي لوط وتحقيره.
ملخص الكلام والمحصلة وفقا لما ورد في النقاط الخمسة الانفة الذكر فإنه يمكن القبول بهذه الفرضية ان الآيات القرآنية ليس لها”ظهور“عند تقبيحها للشذوذ الجنسي، ثم إذا وجد هناك من يعتقد بهذا الظهور، فان الظهور هذا قابل للتأويل، بعبارة أكثر وضوحا يمكن استيعاب وفهم الآيات بأسلوب تتلاءم ومتطلبات العدالة الجنسية أكثر فأكثر.
(3)
دعونا نفترض بان الآيات القرآنية اصدرت حكما بصريح العبارة يقضي بتقبيح ونبذ سلوك مثلي الجنس اذ لا يمكن ادخال التأويل بتاتا في الظهور المذكور انفا في الآيات. ففي هذه الحالة هل هناك من سبيل اخر للتوفيق بين التعاليم تلك والمتطلبات التي تأتي نتيجة للعدالة الجنسية؟ انني ارى ان الاجابة مازالت ايجابية.
استفاد بعض من الحداثيين المسلمين في العقود المنصرمة بغية فهم القرآن من اساليب يمكن اعتبارها نوعا من النقد التاريخي المتعاطف للنص المقدس. يأتي بالتحديد فضل الرحمان من ضمن الخضرمين من اصحاب هذه المقاربة الحديثة للقرآن. يتم تفسير القرآن في هذه المقاربة من خلال خطوتين: في الاولى يحاول المفسر ان يفهم النص او خطاب الوحي عبر ارجاعه الى ارضيته التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ظهر فيها في عصر النزول، وفي الثانية فإنه يحاول بان يزيل الملابسات التاريخية في عصر النزول عن جوهر رسالة النص ويخرجه في بنية الافق المعنوي المعاصر للمخاطب(35). إنني ارى بأنه يمكن اعادة بناء وقراءة العقلانية السائدة على هذه المقاربة كالتالي:
ان النص او خطاب الوحي هو شكل من الرسالة في الاساس يتم تبادلها بين الله والانسان. ان عملية تبادل هذه الرسالة أي تلقي المتلقي للرسالة وفهمها يتوقف على توفير شرطين:
الشرط الاول هو ينبغي على صاحب الرسالة بان يعبر عن قصده في إطار نظام سيميوطيقي واضح ومعروف لدى المتلقي. خذ مثلا إذا اراد الله ان يخاطب العرب فعليه ان يرسل رسالته في إطار اللغة العربية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. (ابراهيم، 4). إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. [الزخرف:3].
اما الشرط الثاني حيث يحظى بأهمية قصوى هو ان القائل وباعتباره مرسل الرسالة يأخذ بعين الاعتبار المستوى الذي يقف عليه المخاطب ثقافيا وعلميا، ويرسل رسالة على قدر عقولهم. على هذا فان رسالة الوحي لابد وان تكون بلسان القوم كي يتمكن المخاطب من فهمها واستيعابها. فمن الجلي بان لسان القوم ههنا لا يخرج عن إطار لغة الضاد ولا عن إطار ثقافة القوم عند عصر نزول الوحي (أي مستواهم العملي والمعاش).
بناءا على هذا الاساس فيمكن الادعاء بان نص او خطاب القرآن يشتمل على عالمين متميزين: اما الاول فهو عالم المخاطب المباشر للوحي وهو ثقافة العرب عند نزول الوحي والثاني هو المعاني التي يكمن فيها هدف الله في التعبير عنها عند نزول الوحي. فهذا الاخير هو ما يشكل جوهر النص المقدس واما الاول فليس الا قشرا يتجلى فرضه كالشرط المسبق لدخول المخاطب الى العالم الثاني. على هذا فان واجب المفسر في عصرنا هذا يتجلى في ازالة ملابسات العالم الاول عن الرسالة الرئيسية للنص او الخطاب القرآني كي يتمكن المخاطب المعاصر من استيعاب تجربة الوحي في الافق المعنوي لعصرنا ويقوم بإعادة تجربتها.
تأتي اهم نتائج الصورة التي رسمناها عن بنية النص او خطاب الوحي في ان بعض من الآيات القرآنية تختص بالعالم الاول للنص ولا العالم الثاني، بمعنى ان تلك الآيات هي تجلي وانعكاس لثقافة القوم غير المقدسة في عصر نزول الوحي، وان الله ووفقا لضرورات منها نقل رسالته الى القوم بشكل أكثر تأثيرا، افترض تلك الآيات في كلامه. على هذا فان دخول تلك العناصر في جوف النص لا يعني المصادقة عليها بشكل نهائي بواسطة الله. وعليه لا يمكن اعتبار تلك الآيات بأنها تعتبر جزءا ذاتيا للرسالة القرآنية ولهذا فان الاعتقاد كما الالتزام بها ليس الشرط اعتناق الاسلام بالضرورة. ان أصل العدالة يعد من اهم المعايير التي تميز عناصر العالم الاول للنص من عناصر العالم الثاني(36). بعبارة أكثر وضوحا فاذا صدر القرآن حكما يعارض أصل العدالة ولا يمكن تأويله، فعندها يتعلق الحكم وفق الاساس الى العالم الاول للنص المقدس وليس العالم الثاني. 

أدرج المثقفون المسلمون الجدد هذا الاسلوب ضمن اساليبهم احيانا بغية استيعاب وحل بعض من الآيات القرآنية عسيرة الفهم. على سبيل المثال يبدو ان القرآن يسمح للرجال بصراحة لا يدخل طياتها التأويل بالزواج من أربع نساء. غير ان محمد عبده يرى ان تعدد الزوجات هو من” رواسب العهود القديمة للعالم العربي“ويرى بان الاسلام حاول في الواقع بان يبطل تلك العادة الجاهلية خطوة تلو الاخرى. قد جاء في امر تعدد الزوجات في القرآن بعبارة تدل على مجرد الاباحة على شرط العدل فان ظن الجور منعت الزيادة على الواحدة وليس في ذلك ترغيب في التعدد بل فيه تبعيض له، فبما ان العدل غير مستطاع ومستحيل تحقيقه ففي حقيقة الامر، ينبغي ان نفسر الحكم القرآني بأنه تحذير لرجال المسلمين من تعدد الزوجات.(37) كما يكتب فضل الرحمان في هذه القضية بغية فهمها في القرآن: المفكر المسلم الحديث يمنح الاولوية لمتطلبات العدالة وفضلا عن هذا فإنه يؤيد (في هذه القضية الخاصة) بان العدالة مستحيلة فوفقا لهذا فان يدعي بان تعدد الزوجات جاء مؤقتا وعابرا وملبيا لأهداف محدودة.(38) بعبارة اجل يرى هؤلاء المفكرين المسلمين بان تعدد الزوجات ليس الا انعكاسا لثقافة العرب عند نزول الوحي وذكره في القرآن لا يعني تأييد الله له، فاذا جعلنا أصل العدالة مرشدا لفهمنا النص المقدس فلابد ان نصل الى نتيجة تقول بان روح القرآن تدعو المسلمين للنضال لاقتلاع الممارسات التي تكرس اللاعدالة حتى لو حدث ذلك من خلال عملية تدريجية. غني عن البيان بان اصدار مثل هذه الاحكام لا يقتصر على تعدد الزوجات. خذ على سبيل المثال بأنه ورد في القرآن (البقرة، 282) ا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى. يرى فضل الرحمان بان هذه الآية تبين الظروف الاجتماعية والثقافية الخاصة بتلك الفترة. ففي تلك الآونة ولأسباب تكمن في فرض العراقيل والموانع الاجتماعية والثقافية لم تعرف المرأة شيئا عن القضايا المالية فيورد احتمالية نسيانهن في هذه القضايا أكثر من الرجال. وعليه فلم يعد شهادة امرأتين كـ شهادة الرجل الواحد من القضايا المناقضة للعدل. اما في العصر الذي اكتسبت النساء خبرة في القضايا الاقتصادية والمالية بما فيه الكفاية فان تنفيذ هذا الحكم يضحى تمييزا غير عادل ضد النساء.(39) فمن منظار هؤلاء المثقفين المسلمين هناك الكثير من الاحكام حول النساء لا تخرج عن تلك القاعدة. بعبارة اجل ان الاحكام القرآنية التي تتحدث عن النساء ليست الا انعكاسا وتجليا للظروف التاريخية والثقافية الخاصة بالعصر الذي نزل فيه الوحي وهي تتعلق بالعالم الاول للنص. كانت هذه الاحكام وفي الظروف السائدة على تلك الفترة تلبي اهدافا عادلة. بينما وبعد تغيير الظروف التاريخية في العصر الحديث يصبح تنفيذها على ارض الواقع ممارسة للتمييز بحق النساء وعليه ان تنفيذها يعارض روح العدالة السائدة على القرآن. (40)
كما اتخذ المفكرون المسلمون نفس المقاربة عند خوضهم في ثنايا قضية الاسترقاق في القرآن. فيرى الكثير من المفسرين القرآن القدامى بان الآيات القرآنية لها ظهور فيما يتعلق بقضية الرق ويبدو بان الاحكام القرآنية في هذا المجال لا يدخلها قضية التأويل(41). غير ان المفكرين المسلمين من امثال فضل الرحمان، يرون بان ذكر الرق والعبيد في القرآن لا يعني تأييدها من جانب الله والمصادقة عليها. يقول فضل الرحمن في هذا: قبل القرآن بالرق كحل عاجل على المستوى القانوني. لم يكن هناك حل بديل (في ذلك العصر) متوفر في الساحة، ذلك لان الرق كان متجذر في بنية المجتمع حيث كان امحاءه الكامل وبين عشية وضحاها يخلق مشاكل جمة لم ولن يمكن حلها بتاتا فكان فقط بإمكان شخص وهمي ان يصدر مثل هذه الفتاوى الخيالية. لكن وفي نفس الآونة تم استخدام كافة الجهود حقوقيا واخلاقيا كي يتم تحرير العبيد وخلق بيئة تندثر فيها الاسترقاق في النهاية عن الوجود. هنا نواجه حالة لم يحقق المسلمون المنطق الواضح للمقاربة القرآنية في نص التاريخ الحقيقي… على هذا فان قضايا كـ الرق وقضية النساء والشراب توضح هذه النقطة جليا بان روح التشريع القرآني كان يسير بوضوح في مسار تحقيق القيم الاساسية الانسانية الا وهي الحرية وقبول المسئولية في جوف نظام قانوني حديث، لكن النظام القانوني الذي له حضور واقعي في القرآن قبل الى حد ما الوضع السائد على المجتمع آنذاك كـ إطار مرجع. ان هذه القضية تعني بوضوح بان النظام القانوني الحقيقي في القرآن لم يعتبره القرآن نفسه نظاما خالدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى(42). بعبارة اخرى يدرج فضل الرحمن نظام الرق والاسترقاق كجزء من العالم المعاش للعرب عند نزول الوحي حيث تجلى بالتالي في العالم الاول للنص المقدس. غير ان ذكر الاحكام القانونية لنظام الرق في القرآن لا يعني بالضرورة تأييد الله لها ومصادقته عليها. هنا يمكن الحكم وفقا لمعيار العدالة حيث نعتبر الاحكام التي تتحدث عن الرق لا تمت بصلة بالعالم الثاني للنص. وبهذا لم ولن يكن لرفض هذه الاحكام علاقة بشرط كون المرء مسلما.
على هذا فيمكن ان نعتبر الآيات التي تتحدث عن علاقات المثلية الجنس بأنها انعكاس وتجلي للظروف تاريخية خاصة بالإنسان بالعصور الساحقة. كان الانسان في العصور التي سبقت الحداثة يعمر قليلا وكانت نسبة الوفيات عندهم مرتفعة جدا. من جهة اخرى فان القوة الجسدية كانت اهم رأسمال الشعوب في الانتاج الاقتصادي وعملياتهم العسكرية. كان لامتلاك ابناء كثر، دلالة على القوة الكثيرة. لهذا تحول التكاثر الحيوي في المجتمعات قبل الحداثة الى فضيلة اخلاقية في منظومتهم القيمية. كما ورد في القصص القرآنية والعهد العتيق بان طلبهم بالذرية والابناء الكثر من الله كان يعد ضمن اولوياتهم. على هذا وفي إطار المنظومة الاخلاقية والقانونية ما قبل الحداثة كانت الممارسة الجنسية لها قيمة الية او ذرائعية لا غير، فكان اهم فعلها يتجلى في التكاثر الحيوي، وكانت الممارسة الجنسية بكافة اشكالها مذمومة اخلاقيا إذا لم تنته بالتكاثر. على سبيل المثال العادة السرية (الاستمناء) واتيان المرأة من دبرها او تحديد النسل كان يعتبر الى جانب العلاقات الجنسية مع مثلي الجنس عملا مذموما ويعتبر من المنظار الديني إثما. فكانت ضرورة التكاثر الحيوي ناتجة عن بقاء النسل والدفاع عن بنية المجتمع وتحقيق الازدهار الاقتصادي للقوم، تتجلى هذه الضرورة في منظومتهم القيمية للمجتمع في إطار حظر أي شكل من اشكال الممارسة الجنسية وتقبيحه عندما لا ينتهي بالتكاثر. اما في عصرنا الراهن تضاعف معدل عمر الانسان وتم خفض دور القوة الجسدية للإنسان في القضايا الاقتصادية والعسكرية بشكل لافت، فأصبح معدل الولادة يفوق معدل الوفيات. ان العصر الراهن هو عصر الانفجار السكاني او الإنفجار الديموغرافي. لهذا لا يعد في عصرنا هذا التكاثر فضيلة بالضرورة، فتحول الهدف الرئيس لإقامة العلاقات الجنسية من التكاثر الى المتعة او المفاهمة. واظهر التحول ذلك نفسه في المنظومة القيمية في العالم الحديث. في المنظومة القيمية للعالم الحديث ازيل قبح العلاقات الجنسية التي لا تنتهي بالتكاثر شيئا فشيئا او اصبحت محط ريبة. على هذا فإنه يمكن ان نفترض بان الاحكام التي ترتبط بالشذوذ الجنسي في الرواية القرآنية تعكس الى حد ما النظام القيمي السائد على ثقافة العرب عند نزول الوحي اما اليوم اذ تحولت الارضيات الملموسة لمعاش البشر جذريا وعلى أثرها تحولت المنظومة القيمية التي تطابقها، فان اتباع المنظومة القيمية القديمة لا يعد ضرورة وليس له حجية، ثم ان تنفيذ ذلك النظام القيمي على معاش العالم للإنسان الحديث لا يوجد له تبرير وإنه غير عادل.
في المحصلة، إذا وصل المسلمون الى نتيجة مفادها ان التمييز على اساس الانتماء والهوية الجنسية يعد قضية غير عادلة والاحكام القرآنية التي تتحدث عن ممارسات مثلي الجنس لها”ظهور“يمكن تأويله، فعندئذ يمكن اعتبار هذه الاحكام كما الاحكام التي تتحدث عن النساء والعبيد بأنها تجلي لثقافة العرب في عصر نزول الوحي كما أنها تكون جزءا من العالم الاول للنص المقدس. عندها يمكن للفرد ودون الخروج عن نطاق الاسلام ان يعتبر ان دائرة نطاق هذه الاحكام لا تشمل العصر الحديث.
(4)
لكن دعونا نفترض بان هناك من لا يرى امكانية تأويل ظهور الآيات القرآنية في تقبيحها الممارسات الجنسية ويصر ملحا على الفكرة القائلة بان فحوى هذه الآيات يعود الى العالم الثاني للنص المقدس وعليه فإنها ذاتية في القرآن. فأنهم يرون بان ممارسات مثليي الجنس تعتبر اثما وعلى المسلم لكونه مسلما بان يبتعد عن ممارسة مثل هذه الاعمال تنفيذا لحكم الله الواضح والجلي. فعندئذ هل يتم القضاء على ملف حقوق الاقليات الجنسية على الاقل دينيا؟ على حد استيعابي للأمر فان الاجابة تكون سلبية. انني ارى بان الرواية القرآنية التي تتحدث عن ردة فعل ابراهيم تجاه مصير قوم لوط فيها عبرة كثيرة. فوفقا للرواية القرآنية عندما أخبر الملائكة ابراهيم عما ال اليه لوط أي عندما أخبره بان الله ينزل العذاب على القوم قام ابراهيم بمناقشتهم في الامر دفاعا عن القوم(43). فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ(74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ(76) (هود 74 – 76). ان ما يلفت النظر في الرواية القرآنية هو ان ابراهيم اتخذ الصبر وأشفق على قوم ارتكبوا شتى الذنوب وكان العذاب الالهي منزل عليهم لا محالة وناقش ربه. والاهم من هذا ان الله لم يعاتبه لدفاعه عنهم بل امتدح رأفته عليهم. ان الاسلوب الذي اتخذه ابراهيم يعلم معلمي الاخلاق ودعاة الدين بان يصبروا في مواجهة مرتكبي الذنوب وبالتحديد تلك التي لا يتضرر الاخر منها ولا يسرعوا لجزاء المجرم كالمحتسبين. لا ينبغي بالمؤمن الذي يبتعد عن ارتكاب الذنوب بان لا يشفق على المذنب.
(5)
المحصلة ان المسلمين من يعتبرون التمييز على الهوية والانتماء الجنسي بغير العادلة فعليهم ان يجيبوا على السؤال القائل بأنه هل يمكن ان يتكون لدينا فهما من القرآن باعتباره كلام إلهي يتلاءم ورفض التمييز الجنسي. فلو كانت الادلة التي عرضناها في هذا المقال قيمة فعندها يمكن اعتبار الادعاءات التالية بالمقبولة:
الاولى: يبدو بان الآيات القرآنية ليس لها ظهور في تقبيح علاقات مثلي الجنس ولو افترضنا ذلك الظهور فان باب التأويل يبقى مفتوحا.
الثانية: لو يغيب تأويل ظهور تلك الآيات تماما فيمكن للمسلمين بان يعتبروا فحوى الآيات بالانعكاس وتجلي ثقافة القوم عند تنزيل الوحي، وعليه ودون الخروج عن نطاق الاسلام، يجعلون إطلاق تلك الآيات على العصر الحديث محل شك.
الثالثة: من واجب أولئك الذين يعتبرون ممارسات مثلي الجنس اثما بان يتخذوا الصبر والشفقة كـ ابراهيم في مواجهة من يمارسون هذا العمل وبالتحديد عندما لا يضر اثما ضررا بالآخرين ويبتعدوا عن اذلالهم وممارسة العنف بحقهم.

 

الكاتب:ارش نراقي، استاذ مساعد قسم الدين والفلسفة كالج موراوين بنسلفانيا 28 من ديسمبر عام 2010.

عنوان المقال بالفارسية: قرآن ومساله حقوق اقليت هاي جنسي http://arashnaraghi.org/wp/?p=577

 

الهوامش:

 

 1-  سورة النساء، الآية 75
2-  يأتي اسم فريد إسحاق في هذا المجال من ضمن أولئك الذين يحاولون بان يقفوا إلى جانب الإلهيات التحررية الإسلامية مدافعا عنها ومؤسسا ذلك على تفسيره وقراءته المتحررة للقرآن. للتعرف على آراءه انظر:
Esack, Farid, The Qur’an: A User’s Guide, Oxford: One world, c. 2005
3- إنني اعتبر ان صدق المقدمة الأولى (أي أصل العدالة) هو المفروض. أما فيما يتعلق بالمقدمة الثانية والثالثة فتحدثت في مقال اخر على هذا لا أكرر تلك الادلة هنا. أما فيما يتعلق بالمقدمة الثانية فانظروا مقالتي التي تحمل عنوان: هل الأخلاق يعتمد على الدين؟ وحول المقالة الثالثة انظروا مقالتي المعنونة بـ: حول الأقليات الجنسية. يمكنكم العثور على المقالتين في موقعي على الشبكة العنكبوتية: (www.arashnaraghi.com)
4- الميزان في تفسير القرآن، ذيل آية ۱ سورة النساء. وانظروا: ترجمة تفسير الميزان، ج ۴، ۲۲۵.
5- على سبيل المثال القرآن، سورة ۷ آية۸۰؛ وسورة ۲۹ آية ۲۸.
 6- قد يكون الطبري هو أول مفسر يفترض بان المفردة القرآنية الفاحشة التي وردت في الرواية القرآنية لقصة قوم لوط هي عمل اللواط ويقوم بتفسير الآيات ذات صلة بناء على هذه الفرضية. محمد الطبري، تفسير الطبري، تحقيق بشار عواد بيروت، مؤسسة الرسالة، 1994، ج 3، ص 163. كما يؤكد صاحب الميزان بان القصد من مفردة الفاحشة (في إطار رواية قوم لوط) هو نفس عمل اللواط. (ترجمة تفسير الميزان، ج 16، ص 182).
 7-
8-  فسر بعض المفسرين عبارة تقطعون الطريق كما وردت في النص بمعناها المتفق عليه أي قطع الطريق. جاء في تفسير الميزان عن هذه العبارة: وقيل: المراد بقطع السبيل قطع سبيل المارة بديارهم فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم وكانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالخذف فأيهم أصابه كان أولى به فيأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم وكان لهم قاض يقضي بذلك وقيل: بل كانوا يقطعون الطرق، وقد عرفت أن السياق يقضي بخلاف ذلك. كما تؤيد يعض الروايات هذا المعنى.” “(الميزان في تفسير القرآن، ج 10 ،345) أ إنكم لتأتون الرجال و تقطعون السبيل و تأتون في ناديكم المنكر» إلى آخر الآية ، استفهام من أمر من الحري أن لا يصدقه سامع و لا يقبله ذو لب و لذا أكد بالنون و اللام ، و هذا السياق يشهد أن المراد بإتيان الرجل اللواط و بقطع السبيل إهمال طريق التناسل و إلغاؤها و هي إتيان النساء ، فقطع السبيل كناية عن الإعراض عن النساء و ترك نكاحهن ، و بإتيانهم المنكر في ناديهم – و النادي هو المجلس الذي يجتمعون فيه و لا يسمى نادية إلا إذا كان فيه أهله – الإتيان بالفحشاء أو بمقدماتها الشنيعة بمرأى من الجماعة (الميزان، ج 16، ص 183) لكن يبدو ان كفة التفسير الاول مرجحة على الثاني ، ذلك لأنه زيادة على المعنى المباشر و الواضح لعبارة”تقطعون السبيل“ووفقا لتعبير القرآن كان رجال قوم لوط متزوجين (وعليه لديهم ابناء): وما تذرون ما خلق لكم ربكم من ازواجكم (الشعراء 166). على هذا فان عملهم مهما كان وبعيدا عن سنخه لم يكن ليردعهم عن التوالد.
9- انظر الميزان، ج 16، ص 183.
10- Quoted in Richard Wolff, A Commentary on the Epistle of Jude, Grands Rapids: Zonder Van Publishing House, 1960, pp. 76- 77.
11- ابن حزم الاندلسي، المحلي بالآثار، تحقيق احمد محمد شاكر، بيروت: المكتب التجاري، 1960، ج 1، ص 3939 (الجزء الأخير” مسائل التعزيز وما لا حد فيه مسالة 2303 “فعل قوم لوط”).
12- المصدر نفسه.
13- الطبطبائي، تفسير الميزان، ج 16، ص 182.
14- على سبيل المثال انظر:
Blair, Ralph, An Evangelical Look at Homosexuality, Chicago: Moody Press, 1963, p.3. Also, Boswell, John, Christianity, Social Tolerance, and Homosexuality: Gay People in Western Europe from the Beginning of the Christian era to the Fourteenth Century. Chicago: The University of Chicago Press, 1980, Ch.4. Also, Boswell, John, Same-Sex Unions in Premodern Europe. New York: Vintage Books, 1994. 
15- يعد صاحب الميزان من المفسرين الذين يفسرون تلك الآية معتمدا على سيكولوجية تثير الشك بانها عبارة حقيقية وتدل على كافة النساء وعلى كافة الازمنة والامكنة. (انظر تفسير الميزان).
16- شاع مصطلح “القضية الحقيقية” في النقيض من “القضية الخارجية” بواسطة اية الله ميرزا حسن النائيني في علم الاصول. اما المصطلح الاول فهو عبارة تغطي كافة الاشخاص في قضية ما تحت ظلها في كل الازمنة والامكنة واما الثاني فهو عبارة تشتمل على اشخاص مشتركين في امر ما في زمن خاص ومكان بعينه.
17- الطبطبائي، تفسير الميزان، ج 10
18- وفقا لما ورد في العهد العتيق كان للوط ابنتان (سفر التكوين، باب 19، اية 8).
19- تؤكد الرواية القرآنية على انهم منكرون: على سبيل المثال: “قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ” (الحجر/ ۶۲). انها نقطة هامة، لان التعرض الى الاجنبي وهو الشخص الذي ليست له صلة قرابة دم تربطه بافراد القبيلة، كان عملا سهلا، ذلك لانه لم ينتهك اساس الحياة القبلية اي حرمة علاقات القرابة القبلية وثم ليس هناك خوف من اخذ افراد القبيلة ثأرهم. هذا وعلى سبيل المثال ان التعرض لبنات لوط كان ياتي بانتهاك حرمة العلاقات القبيلة والاخذ بالثأر. ان قبيلة قريش في تاريخ حياة النبي الاكرم وبالتحديد عندما كان ابا طالب حيا ووفقا لادلة مماثلة لما ذكرناه اعلاه تبتعد عن التعرض الى النبي او المسلمين الاخرين من بني هاشم بشكل حاد، غير ان المسلمين الذين لم يك لهم علافات قبلية راسخة وقوية كان يستهدفون بسهولة ويتعرضون للعنف.
20- هذا هو أحد الاحتمالات المطلوبة عند الطبطبائي في تفسيره هذه الآية. (تفسير الميزان، ج 10)
21-هود 78 – 80.
22- الطبطبائي، تفسير الميزان، ج 10.
23- ورد في بعض الروايات بان قال لوط للملائكة واصفا سلوك قومه: انهم والله يأخذون الرجال فيفعلون بهم حتى يخرج الدم. (الميزان، ج 10)
24- نقلا عن الطبطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 10، 345. كما يقول الطبطبائي عن هذه الرواية: والرواية لا تخلو من تشويش ما، في اللفظ، غير انه لا يشك في اعتبار الرواية كما يعتمد عليها تأييدا لبعض ملاحظاته التفسيرية فيما يتعلق بقصة قوم لوط.
25- المصدر نفسه، ج 10، 345 و353.
26- المصدر نفسه، ج 16، 125.
27-  على سبيل المثال: انظر وسائل الشيعة، ج 20، باب 3، من ابواب حد اللواط (ح 8). اما في الفارسية ترجم مفردة اللوطي (منسوبة الى قوم لوط) بمعنى المغلم والمعطي (معجم دهخدا). هناك بعض من الكتاب في حقل الحقوق الاسلامية يترجمون اللوطي “بمعنى من يرتكب عمل اللواط” بـ المغلم. على سبيل المثال انظر الى: عباس علي محمودي، حقوق جزايي اسلام (جرائم ناشي از غزيره جنسي) ج 2، منشورات نهضت مسلمانان، 1359.
27-  على سبيل المثال انظر:
Boswell, John, Christianity, Social Tolerance, and Homosexuality: Gay People in Western Europe from the Beginning of the Christian era to the Fourteenth Century. Chicago: The University of Chicago Press, 1980, Ch.4; Dover, K.J., Greek Homosexuality. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978, 1989.
و: سیروس شمیسا، شاهدبازی در ادبیات فارسی، چاپ اوّل، تهران، انتشارات فردوس، ۱۳۸۱.
29- Taylor, Charles, “The Politics of Recognition”, in Multiculturalism, ed. by Amy Gutmann, Princeton University Press, 1994, pp. 25-73
30- Kruks, Sonia, Retrieving Experience: Subjectivity and Recognition in Feminist Politics. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2000, p. 85
31- من الملفت القول بان الاستاذ المساعد في قسم تاريخ الفكر والسياسة في العالم العربي المعاصر في جامعة كولمبيا جوزيف مساد يذهب وفقا لهذه الرؤية بان الشذوذ الجنسي وقضية حقوق الاقليات الجنسية هي قضية حديثة وغربية ولم يكن لها تاريخ البتة في تاريخ والثقافة العربية الاسلامية. تأسيسا على هذا فانه يرى بان الحركات التي تدافع عن حقوق مثلي الجنس بعيدة عن العالم العربي ولا تعرف عنها شيئا فنتيجة عمل المؤسسات الدولية التي تدافع عن حقوق مثلي الجنس في العالم العربي كانت قد تجلت في فرض عراقيل أكثر وبالتحديد على العلاقات الجنسية بين الذكرين، أكثر مما تكون تحررية. للتعرف على آرائه في هذا المجال انظر:
Massad, Joseph, “Re-Orienting Desire: The Gay International and the Arab World”, Public Culture 14(2):361-385, (2002).
 32- للتعرف على نقطة الخلاف تلك في الثقافة الاغريقية والرومية انظر:
Dover, K.J., Greek Homosexuality. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978, 1989.
Halperin, David M., How to do the History of Homosexuality. Chicago: University of Chicago Press, 2002.
Nussbaum, Martha C. and Juha Sivola (eds.), the Sleep of Reason: Erotic Experience and Sexual Ethics in Ancient Greece and Rome. Ed. Idem. Chicago: University of Chicago Press 2002.
في العالم الاسلامي انظر:
Musallam, Basim, Sex and Society in Islam: Birth Control before the Nineteenth Century. New York: Cambridge University Press, 1993.
و، سیروس شمیسا، شاهدبازی در ادبیات فارسی، الطبعة الاولى، طهران، منشورات فردوس، ۱۳۸۱.
كما ورد في الكتاب التالي بحثا حول المخنثات:
شهاب الدين أحمد التيفاشي، نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب، تحقيق جمال جمعه، لندن، رياض الريس، ۱۹۹۲، ص ۲۴۹-۳۰۸. وفي نفس الكتاب وردت آراء زكريا الرازي حول “نساء مذّکرات” و “رجال مؤنثین”. (انظر: المصدر نفسه، ص ۳۰۲-۳۰۸) هذا وغني عن القول بان مفردة المخنثات ليس لها علاقة بقضية المثلي الجنس.
33- هذا القول هو من الاحتمالات التي يطرحها صاحب الميزان: الميزان 4 ،367 – 370
 34- على سبيل المثال ورد في الكافي: انه دخل على ابي عبد الله نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال: حدها حد الزنى فقالت المرأة: ما ذكره الله عز وجل في القرآن، فقال بلى، فقالت ك اين هو؟ قال: هن الرس.
وفي الدرر المنثور روي عن جعفر بن محمد (ع) ان امرأتين سالتاه: هل تجد غشيان المرأة المرأة محرما في كتاب الله؟ قال: نعم هن اللواتي كن على عهد تبع، وهن صواحب الرس. (الميزان، ج 15. ص 220)
35-  على سبيل المثال انظر:
Rahman, Fazlur, Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition, Chicago, IL: University of Chicago Press, 1982, pp. 5, and 13-22.
 36 نضرب خالد ابو الفضل مثالا هنا فانه يعد من علماء الدين الحداثويين من يعتبرون ان تحقيق العدالة هو المبتغى الاخير لتعاليم القرآن، ولهذا يشدد على الدور الصارم لأصل العدالة في فهم القرآن، للتعرف على آرائه في ذات المجال، انظر:
Aboul El Fadl, Khaled, Speaking in God’s Name: Islamic Law, Authority and Women, Oneworld, 2001, pp. 27- 30.
37- عبده، محمد، الاعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ۶ جلد، تحقيق محمد عمارة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر، ۱۹۷۲، ج ۲، ص ۸۴، ۸۵، ۹۴، و۳۶۵.
38- انظر الى:
Rahman, Fazlur, Major Themes of the Qur’an, Bibliotheca Islamica, 2nd ed., 1994, p. 48.
39- المصدر نفسه ص 48 – 49.
40- يعد فضل الرحمان من ضمن اولئك المفكرين الذين يقولون بهذا التعميم. للتعرف الى اراءه حول القرآن وقضية تساوي المرأة والرجل حقوقيا انظر على سبيل المثال:
Rahman, Fazlur, Major Themes of the Qur’an, pp. 49- 51.
 41- للتعرف الى اراء عدد من المفسرين المعاصرين في دفاعهم عن الرق على سبيل المثال انظر:
الطبطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 6، 357 – 338.
42- Rahman, Fazlur, Islam, 2nd edition, Chicago: University of Chicago Press, 1979, pp. 38-39
 43-ادعى الكثير من المفسرين بان ابراهيم قام بالدفاع عن لوط واسرته وليس عن قومه. غير ان هذا التفسير هو محل شك. يرى صاحب الميزان بان: فالآيات اظهر ما يكون في ان ابراهيم كان يدافع عن قوم لوط لا عن لوط نفسه. الميزان ج 16، ص 185، ج 10، 486 و530.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق